Search
Close this search box.

الأسرة أساس المجتمع

الأسرة أساس المجتمع

يقول الله تبارك وتعالى في أوّل سورة النساء: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1).

سنحاول من خلال هذه الآية الكريمة أن نفهم معنى الأسرة بشكلٍ عامّ، حتّى نصل من خلالها إلى أشرف أسرة شرّفها الله تبارك وتعالى، وهي أسرة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بشكل خاصّ.

اللبنة الأولى في المجتمع
هذه الآية، والعديد من الآيات القرآنيّة، تُحدّثنا عن موضوع الأسرة، والاهتمام بمسألتها. كي نستوعب معنى هذه الآية الكريمة، أُذكّر أنّ الأسرة في الإسلام هي اللبنة الأولى في المجتمع؛ إذ إنّ المجتمع البشريّ بنظر الإسلام يقوم على أساس الأسرة، ولذلك فهو يعتبر أنَّ أخطر انحراف بشريّ يبدأ عندما تبدأ الأسرة بانحرافها.

الأسرة في الأنظمة غير الإسلاميّة
إذا أردنا أن نقارن هذه النظرة الإسلاميّة بالنظريّات الأخرى، نجد أنَّ الأنظمة الأخرى في العالم لا تلتفت إلى الأسرة، ولا تشعر بأيّ مسؤوليّة تجاهها. مثلاً:

1- التجربة الشيوعيّة: في أوائل الثورة الشيوعيّة في الاتّحاد السوفياتي سنة 1917م، كان أساس النهضة الشيوعيّة يقوم على الكفر بالأسرة، وعدم الإيمان بها، بحجّة ضرورة ضرب كلِّ المرتكزات القديمة في المجتمعات البشريّة، فهي ثورة تجديد يجب أن تأتي بنظريّاتٍ جديدة، وأفكارٍ جديدة، وطالما أنَّ الأسرة إرثٌ تاريخيٌّ قديمٌ، فيجب مسحه.

هذه التجربة استمرّت أجيالاً عدّة حتّى اضطرّ الشيوعيّون إلى التراجع عنها عمليّاً سنة 1936م، بعدما وجدوا أنَّ ضرب الأسرة سبّب مشاكل اجتماعيّة كبيرة في المجتمع السوفياتيّ.

2- التجربة الرأسماليّة: كذلك عندما نلاحظ عالم الغرب والرأسماليّة الغربيّة والنظام الغربيّ، نجد أنَّ الأسرة، نتيجة النظرة الاجتماعيّة والفلسفيّة لها، ونتيجة عدم الاهتمام بهذه اللّبنة الأساس في المجتمع البشريّ، أصبحت أسرة متحلّلة، لا تملك أيّ مقوّمات قوّة أو معنويّات، فلم تكن المشكلة بأنّ عدداً من الناس بدأ بالانحراف فقط، وإنّما انحرف المجتمع البشريّ وضعُف.

نتائج التجربتَين
أذكّر بنتائج متأخّرة فُهمت على صعيد التجربتين الكبيرتين: تجربة الشيوعيّة في الشرق، وتجربة الرأسماليّة في الغرب. في فترة من الفترات، أعلن غورباتشوف أنَّ: “إنساننا الشابّ أصبح عديم الجدوى، وأنَّ بنيته الروحيّة والمعنويّة أصبحت محطّمة”. وهذا الاستنتاج الذي ذكره غورباتشوف، هو نتيجة إحصائيّات لموضوع التجنيد؛ لأنّهم كانوا بحاجة إلى جنود في الجبهات، فوجدوا أنَّ عدد شبابهم القادر على القتال قليلٌ جدّاً، وقالوا إنَّ سبب هذه الظاهرة هو عدم التركيز على الأسرة؛ لأنَّ الأب والأمّ عندما لا يتحمّلان مسؤوليّاتهما تُجاه الطفل، فإنّه سيتربّى ضعيفاً، وبالأخصّ في المسائل الروحيّة والمعنويّة والنفسيّة.

في المقابل، أعلن الرئيس الأميركيّ جون كينيدي في تلك الفترة: “أنّنا فقدنا قدرتنا على مواجهة الأعداء، وعلى تنظيم جيوشنا القويّة، التي كنّا قد اعتدنا عليها في الماضي؛ بسبب قلّة الشباب المهيّئين لجبهات الحرب”.

الأسرة الأولى في القرآن الكريم
عندما أراد القرآن الكريم أن يركّز على المجتمع المسلم، أوّل ما ابتدأ به -حتّى على مستوى القصّة- هو موضوع الأسرة الأولى التي وُجدت على وجه هذه الأرض، وكيفيّة تنظيمها، فكانت أقدم قصّة حكاها لنا القرآن الكريم، هي قصّة النبيّ آدم عليه السلام وزوجه حواء وأولادهما: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: 1)، ثمّ ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾؛ يحدّثنا الله تبارك وتعالى عن أوّل أسرة وُجدت على وجه هذه الأرض، ثمّ بُثّ منها الرجال والنساء؛ كلُّ القبائل، وكلّ العشائر، وكلّ العوائل التي وجدت فيما بعد، هي نتاج هذه الأسرة الأولى.

والمسألة الثانية التي ركّز عليها القرآن في هذه القصّة، هي أنّ الله تبارك وتعالى شاء بإرادته وحكمته أن تكون الأسرة الأولى أسرة “نبيّ الله آدم عليه السلام”، حتّى تكون اللّبنة الأولى، التي هي الأساس في البناء البشريّ وبناء التاريخ الإنسانيّ، لبنةً طاهرة شريفة مكرّمة. ثمّ تأتي الأحكام الشرعيّة، عندما تقرأ مثلاً، سورة النساء وغيرها من السور القرآنيّة، تلمس أنَّ القرآن الكريم يُنظّم الأسرة تنظيماً دقيقاً: علاقة الزوج بالزوجة، وحقوق الزوج على الزوجة، والعكس؛ حقوق الولد على والده، وحقوق الولد على والدته، والعكس. حتّى إنَّ الله تبارك وتعالى يقرن طاعته بطاعة الوالدين، فتشعر أنَّ ثمّة علاقاتٍ وارتباطاتٍ يُنظّمها الله تبارك وتعالى بشكلٍ مباشر.

نصف الدين
يركّز الحكم الشرعيّ أيضاً على مسألة الزواج، فجعل الله تبارك وتعالى هذه العلاقة في بناء هذا البيت تُحقّق نصف الدين، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. في الوقت نفسه، كلّ الأحكام التي يمكن أن تُيسّر الدخول إلى هذه الأسرة، يسّرها الله تبارك وتعالى، فجعل الزواج بلا شروط؛ طبعاً يُمكن أن يكون بشروط، لكنّها ليست مسألةً واجبةً، وكلّ ذلك بهدف تيسيره.

ثمّ أراد الله تبارك وتعالى أن يُسهّل هذه المسألة تسهيلاً كاملاً، عندما حثّ الآباء والفتيات على المهر القليل، وجعل مهر أشرف امرأة في تاريخ الإنسانيّة، وهي فاطمة الزهراء i، أشرف جوهرة في تاريخ الإنسانيّة، أقلّ المهور، حتّى يُيسّر هذه المسألة.

في المقابل، حرّم الله أيّ مسألة يُمكن أن تؤدّي إلى هدم هذه الأسرة، أو جعلها مكروهةً، مثل الطلاق، حتّى في الحالات الاضطراريّة، عندما تضطرّ إلى الطلاق، يقول الله لك: هذا مكروه، “أبغض الحلال إلى الله الطلاق”(1)، حتّى ورد في بعض الروايات أنَّ الطلاق يهتزّ له العرش.

الأسرة أساس الصلاح والفساد
من مجموع هذه الأحكام الشرعيّة، نفهم أنَّ الله تبارك وتعالى أحاط الأسرة بعناية خاصّة، والسبب في هذا الأمر -كما قلت لكم- أنَّ الأسرة في نظر الإسلام هي الأساس، أساس وجود المجتمع البشريّ وتركيبته التكوينيّة، كما أنّها أساس صلاحه وفساده. ولذلك، إذا أردت أن تدرس دراسةً موضوعيّةً ودقيقةً لفساد المجتمعات الأوروبيّة بشكلٍ عام، عندما ترجع إلى السبب الأساس، والجذر الحقيقيّ للانحراف، تجده عند الأسرة، ما يعني أنَّ المرأة لم تعد أمّاً، والأب لم يعد أباً، فلا الأمّ تملك عاطفة الأمّ، وحنانها، ورأفتها، بالتالي، عندما لا تمتلك كلّ هذه المقوّمات، لن تكون مستعدّةً لتحمّل مسؤوليّاتها التوجيهيّة والتربويّة بالنسبة إلى أطفالها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأب.

هذا التحلّل والفساد الخُلقيّ على مستوى العائلة، أصبح يتضخّم تدريجيّاً في المجتمع الأوروبيّ، حتّى أصبح المجتمع برمّته مجتمعاً فاسداً.

(*) من ندوة للسيّد الشهيد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) بتاريخ 12/3/1989م – الموافق 5 شعبان 1409هـ.
1- القواعد والفوائد، الشهيد الأوّل، ج 1، ص 399.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل