إنّ من أعظم ما قدّمه التاريخ لنا مشهد امرأة عظيمة وقفت محاججة ومطالبة بحقّها أمام جَمعٍ من الناس، لتقدّم صورة مضيئة وتقول “ما ضاع حقّ وراءه مطالب” وأنّ من شيم المؤمن أن يُظهر ويبيّن حقيقة ما يحصل، فكان جهادُها جهاد التبيين وجهاد الرواية. إذ إنّها بوقفتها وخطبتها لم تسمح للعدوّ أن يروي كما يريد، ويزيّف الأحداث كما يشاء. فجاء هذا التبيين ليصنع خطابًا، وأيّ خطاب؟!، خطابٌ توارثته الأجيال، فكانت “الخطبة الفدكيّة”.

إنّها بضعة رسول الله (ص)، وفي مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، تلقي خطبتها العصماء، تبدي من خلالها الاعتراض على من غصب حقّها، خطبة تُعدّ من أهمّ ما صدر عن لسان أهل البيت (عليهم السلام). فهي تُعتبر ميثاقًا متكاملاً ومهمًا للحقّ والعدل والحريّة عبر التاريخ. فقد ضمّنت الزهراء (عليها السلام) خطبتها الحِكم المثلى ابتداءً من حِكمة الخلق، ومرورًا بحكمة القيم الشرعية، وانتهاء بحكمة الوفود على الله تبارك وتعالى في يوم المحشر، فضلاً عن تبيينها لفلسفة الرسالة ومقام الرسول والولاية لأهل البيت (عليهم السلام) بعامّة ولإمام زمانها بخاصّة، واتّباع نهجهم المنبثق أساسًا عن القرآن الكريم لا غير.

وفي هذا السياق نجد أنه من الواجب أن نتعلّم من مدرسة السيّدة الزهراء (عليها السلام)، والتي يعبّر عنها السيد الخامنئي (حفظه الله): “السيّدة الزهراء هي تجسيد لأسمى المفاهيم الإنسانية والإسلامية حول المرأة” (03/02/2021)). هذه المدرسة التي قدّمت العلوم بشتى مجالاتها فهي الأمّ، وهي الابنة الملقّبة بأجمل وأرفع الألقاب، هي أم أبيها، وهي الزوجة الصابرة والمجاهدة، والّذي يعبّر عنها القائد السيّد الخامنئي (حفظه الله): “السيّدة الزهراء مجاهدة بكلّ ما للكلمة من معنى، لا تعرف الكلل، تتحمّل المحن والمشقّات”(13/12/1989). فـ”جهاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها جهاد نموذجيّ في مختلف الميادين: في الدفاع عن الإسلام، عن الإمام والولاية، في الدفاع عن الرسول (ص)، في حفظ أعظم قائد إسلاميّ” (16/12/1992).

لذلك، نجد أنّ خطبة السيّدة الزهراء (عليها السلام) تجلّت بأبهى الصُّوَر، حيث وصفها البعض بالخطبة الثوريّة، فقد ارتكزت على مرتكزين: الأوّل فيه العلم والحكمة والقيم المثلى والعقلانية والفهم الصحيح والمنطقي للدِّين. والمرتكز الآخر فيه الحماسة والولاية والعواطف والتضحية.

إنّ تحليل خطبة الزهراء (عليها السلام) يوضّح أنّها ليست مجرّد خطاب سياسيّ محض، بل هي خطاب دينيّ، عقائديّ، تاريخيّ، قانونيّ، سياسيّ، اجتماعيّ، ثوريّ. ذو أبعاد وأهداف متعدّدة. وكلّما قرأ المرء الخطبة الفدكيّة للزهراء (عليها السلام) بدقّة أكثر، ووُفّق لفهمها بشكل أفضل، فإنّه يدرك أكثر آثار العظمة في كلماتها. فهذه الخطبة الشريفة تقع في القِمّة من حيث الجمال، والفصاحة، والبلاغة؛ وأمّا من حيث البيان، وترتيب المطالب فقد استخدمت (عليها السلام) نكات نفسيّة وتربويّة؛ لتكون الخطبةُ أكثر تأثيرًا في مخاطبيها. لقد أظهرت الخطبة أبرز معالم التبيين في شتى الجوانب، منها:

  1. التذكير بالتوحيد وأهميّته وآثاره في النفس والمجتمع.
  2. الشهادة بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله).
  3. بيان الناس بالمعاجز الإلهيّة وإرسال النبي (صلى الله عليه وآله) لهدايتهم وصلاحهم.
  4. إلقاء الحجّة على المهاجرين والأنصار في ما فعلوه.
  5. بيان أسرار إمامة أهل البيت (عليهم السلام) وطاعتهم.
  6. المطالبة في الحق وعدم قبول الباطل وإن كان من سلطان جائر.
  7. تأثير المجتمع بالخطاب وبيان الحقيقة.
  8. محاسبة الحاكم وأخذ الحقّ منه.
  9. معرفة الناس في إمام زمانهم ووجوب طاعته.
  10. تذكيرهم في العقاب ومحاسبتهم في اليوم الآخر.

لقد دافعت الزهراء (عليها السلام) عمَّا تؤمن به، كأفضل ما يكون الدفاع، وقالت كلمتَها للتاريخ، ولا يزال التاريخ يردّد هذه الكلمات: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا﴾، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، إذْ يَقُولُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾، وَقالَ فيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه﴾ وَقالَ: ﴿يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ﴾ وقال: ﴿انْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ الْأَقْرَبِينَ بِالْمعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وزَعَمْتُمْ أَلَا حِظوَةَ لِي، وَلا إرْثَ مِنْ أبي لارَحِمَ بَيْنَنَا!
وهكذا امتدّت صرخة “فدك”  مع السيّدة زينب (عليها السلام)، حيث كانت امتداداً لوالدتها الزهراء (عليها السلام) في جهاد التبيين. فلولا وجود الحركة العظيمة للسيّدة زينب الكبرى (عليها السلام)، ومن كان معها، لما أدّى ذلك إلى تخليد واقعة كربلاء، وكان هذا التبيين لإظهار الحقّ ودحض الباطل أمام مجلس يزيد وابن زياد وكل من طغى بل وأمام العالم أجمع، جاء هذا الأمر كصرخة مدوّية ومكمّلة لتلك التضحية بالمعنى الحقيقي لكربلاء.

فانطلاقًا ممّا تقدّم نجد أنّ من أوجب الواجبات علينا جميعًا وبالأخص على شباب وشابّات اليوم، وعلى الآباء بالعموم والأمهات بالخصوص ودورهم في التبيين لأولادهم وتربيتهم عليه، عليهم أن يدوّنوا لهم ويؤرّخوا ويحفظوا تاريخهم وحقائقهم ويقفوا في وجه كلّ ظالم وعدوٍ غاصب، لأن مسؤوليّتنا تكمن في نشر الحقائق بمنطقٍ قويّ وخطاب متين وعقلانيّة تامّة، مع تزيينه بالعاطفة والمشاعر الإنسانيّة وتطبيق الأخلاق، كما فعلت مولاتنا وسيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها).

 هكذا جسّدت السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) دورَ المرأة القيادية المسؤولة عن تبليغ الرسالة الإلهيّة للناس أجمع، والمستعدّة دائمًا لمواجهة كلّ الظروف وتحمّل كل المسؤوليات التي يتطلّبها المجتمع الإسلامي نقطة لافتة، وكذا ابنتها الحوراء (سلام الله عليها) وكل النساء الأحرار في العالم، ليكون جهادهنّ جهاد التبيين والرواية، فيدافعون بذلك عن الحقّ والعدالة ونصرة الدين والمستضعفين.