Search
Close this search box.

عبدٌ ذَكَرَ فاستكثر

عبدٌ ذَكَرَ فاستكثر

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

إنّ الذي يؤدي إلى القضاء على فطرة الإنسان والذي يقف كالحجاب أمام أعين وآذان القلب ويمنع الهداية عن الإنسان، وبالتالي الوصول إلى كماله، هو اتباع هوى النفس واتباع الميول. يقول الله تعالى في هذا الشأن:﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).

*أَبْدَلَ إلهه بهواه

وفسَّر العلامة الطباطبائي رحمه الله الآية الشريفة بالقول: “قدّم ﴿إِلَهَهُ على ﴿هَوَاهُ أي يعلم أنّ له إلهاً يجب أن يعبده – وهو الله سبحانه – ولكنه أبدله بهواه وجعل هواه مكانه فعبده. فهو كافر بالله سبحانه على علم منه ولذلك عقّبه الله بالقول: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ أي أنه ضالّ عن السّبيل وهو يعلم” 1
وجاء في آية أخرى حول عبدة الدنيا والذين أبعدوا قلوبهم عن ذكر الله والتوجّه إلى الله والآخرة وغرقوا في اللّذائذ الدنيويّة والحياة الحيوانيّة: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر: 3).
ويقول الله تعالى حول الذين انشغلت قلوبهم بغير الله وعاقبة الكافرين وعبدة الدنيا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَّهُمْ﴾ (محمد: 12).
أما العبور من حدود الحيوانيّة والانتقال إلى المقام الإنساني، فيتطلّب الحفاظ على الفطرة ويتطلّب أن لا نسمح للأهواء الحيوانيّة أن تملأ قلوبنا؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى إزالة فطرتنا والقضاء على عقلنا وقدرتنا على التفكير، فنتنزل إلى أدنى من الحيوانات.

*يسمعون.. يشاهدون.. فيعتبرون

إنّ الذين أحيوا فطرتهم ورفعوا قيمة عقولهم وفكرهم، وبعبارة أخرى. الذين استعملوا أعين وآذان قلوبهم ورفعوا عنها الحجب، يدركون ويفهمون ما يعجز عنه الآخرون. يلتفتون بشكل كامل لما يسمعون وما يشاهدون فيأخذوا منه العِبَر. هؤلاء يفكّرون باستمرار في أسرار الخلق. وبما أنهم بدأوا الحركة في مراحل التكامل الإنساني ويراقبون تصرّفاتهم بشكل دقيق، فهم يعتبرون من مصير الآخرين، وإذا صدر عنهم مزلة يسارعون لمعالجتها كي لا تتكرر ثانية.
هؤلاء يؤمنون بالبناء الحكيم لنظام التكوين والتشريع وبالأهداف التي أرادها الله تعالى منهم، لذلك يعملون جاهدين ليكونوا من الذاكرين لله تعالى باستمرار وعدم الغفلة عن صنعه ويرددون في قلوبهم وألسنتهم دائماً: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190 ـ 191).
أمّا الذين اعتادوا على الحياة الحيوانية والذين يفكّرون في لذائذهم الخاصّة هؤلاء على استعداد للاعتداء على حقوق الآخرين إرضاءً لأهوائهم والوصول إلى أهدافهم. وإذا ما واجهوا بعض المشكلات والصعوبات والأحداث كالسيول والزلازل، فإنهم يشتكون من الله. وأما الذين يدورون مدار الإنسانيّة فإن هذه الأحداث تجعلهم أكثر التفاتاً. ينظرون إليها بعمق أكثر فيعتبرون ما يحصل دليلاً على حكمة نظام الخلق وهدفيّته وأنّ ذلك تدبيراً إلهياً.

* نعمة ذكر الله

أشار الإمام بعد البحث المتقدم إلى خاصية أخرى ويقول: “وذَكَر فاستكثَر2. فأكد على أصل ذكر الله وتكراره والمداومة عليه.
هنا نشير إلى دليلين يوضحان أهمية ذكر الله تعالى ودوره:
1 – من جملة الأمور التي تجعل الإنسان مضطرباً فاقداً للنّظم على مستوى الحياة والروح. الإحساس بالعبثية والفوضوية وعدم وجود ملجأ يعتمد عليه.
أما ذكر الله والإيمان بوجود الخالق فيؤدي إلى إيجاد معتمد محكم وثابت داخل الإنسان بحيث يمكن من خلاله الوصول إلى الهدوء والاطمئنان وبالتالي التفوق على كافة الأخطار والمشكلات. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
2 – من جملة الأدلة التي دفعت للوصية بذكر الله، والمداومة عليه. طرد الغفلة وإبعاد الإنسان عن الرذائل والنواقص الأخلاقية وبالتالي الوصول إلى السعادة؛ لأن الإنسان لو لم يكن من أهل الذكر. ومن الذين يكتفون بالقليل منه، فسيصاب بالغفلة وستهاجمه الوساوس الشيطانية.
تشير الآيات الشريفة إلى أهمية تكرار الذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 41).

*عطش للحقيقة والشهود الإلهي

يقول الإمام عليه السلام في إكمال العبارات المتقدمة: “وارتوى من عذب فراتٍ سُهِّلت له موارده فشرب نهلاً وسلك سبيلاً جدداً“. إنّ فطرة كل إنسان تكون عطشانة للحقيقة والمعرفة والشهود الإلهي ومحبة المعشوق. فلا يُروى هذا العطش إلا بالوصول إلى المقصود وجوار المعبود والهدوء الأبدي في ظلّه. أما عدم إدراك هذا العطش فهو بسبب القضاء على الفطرة والروح الإنسانية المتعالية والفرق في المرتبة الحيوانيّة. في هذا المقام يدرك الشخص عطش الشهوة فقط. والعكس صحيح على مستوى الإنسان الإلهي الذي يعيش حالة العطش الفطري والمعرفة والمحبة الإلهية. وعندما يصل هذا الإنسان إلى ضالته. ترفع الحجب الظلمانية والجسمانية من أمام عينيه وتستقر في روحه حالة من العشق الدائم والثابت.


1- السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج18، ص172 ـ 173.
2- نهج البلاغة، الخطبة 87.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل