Search
Close this search box.

مقابلة: العلّامة اليزدي منارةُ علم وتقوى

مقابلة: العلّامة اليزدي منارةُ علم وتقوى

لقاء مع نجله سماحة الشيخ مجتبى مصباح اليزدي


إنّه العلّامة المحقّق الشيخ مصباح اليزديّ (رضوان الله عليه)، الذي تحيي مجلّة بقيّة الله الذكرى السنويّة الثانية على انتقال روحه الشريفة إلى بارئها راضية مرضيّة، من خلال الإطلالة على بعض المحطّات من حياته الشريفة وعلمه النيّر، فكان للمجلّة هذا الحوار مع نجله سماحة الشيخ مجتبى مصباح اليزديّ.

* بداية الدراسة

بدأ [آية الله] دراسته في يزد، ونال دروس المرحلة الابتدائيّة [من الحوزة] هناك، ثمّ قرّر السفر إلى النجف الأشرف لأجل إكمال دراسته، لكنّه لم يتمكّن من البقاء هناك أكثر من سنة، فعاد إلى حوزة قم.

وقد تتلمذ (رضوان الله عليه) عند آية الله البروجردي في بداية شبابه. ولعلّه كان أصغر تلامذته. وقد أهداه آنذاك هديّة لتفوّقه الدراسيّ. ثمّ عندَ الإمام الخمينيّ قدس سره، ولعلّ أكثر دروسه في الفقه والأصول تلقّاها عند آية الله بهجت (رضوان الله عليه)، وقد استفاد أيضاً من محضر العلّامة الطباطبائيّ قدس سره في تفسير القرآن والعلوم الفلسفيّة.

* الأستاذ والمؤلّف

كان ثمّة مدرسة في قمّ تلتزم ببرنامج تدريجيّ لطلاب الحوزة، إلى جانب الدراسة الحوزويّة التقليديّة. اسمها مدرسة “منتظريه” أو “حقاني”، وكان مديرها الشهيد قدوسي (رضوان الله عليه). بإشراف وتأسيس الشهيد السيّد بهشتي وآية الله جنّتي. وكان المرحوم الوالد يُدرّس بعض الدروس للطلّاب هناك، ومنها مباحث في الأخلاق الإسلاميّة. التي دوّنها لاحقاً في كتاب “خودشناسي براي خود سازي” باللغة الفارسيّة، ليُترجم لاحقاً إلى العربيّة “معرفة الذات لبنائها من جديد”. أمّا البحث الآخر الذي كان يُدرّسه فهو التفسير الموضوعيّ للقرآن. وجُمعت مطالبه لاحقاً في كتاب “معارف القرآن”، وهو تفسير موضوعيّ رصين وموثّق ومستدلّ.

* مؤسّسة “در راه حقّ”

لاحقاً، بدأت تظهر الحاجة إلى الإجابة على الشُّبهات. فكانت مؤسّسة “در راه حق” (في طريق الحقّ) في قمّ، تجمع الأسئلة المتعلّقة ببعض الشبهات، وتُجيب عليها في كُتيّبات. وتُرسلها إلى العالم الإسلاميّ والدّول الأخرى، وبلغات عدّة، وكان لديها قسم للترجمة وقسم للتّأليف والتحقيق، فاقترح آية الله مصباح أن يُضاف قسم للتعليم لتربية مجموعة من الطلاب بحيث يتمكّنون من تلبية حاجات المجتمع. وقد تمّ ذلك. واستمرّ هذا البرنامج برئاسته (ره) سنوات عدّة، حتّى مرحلة الثّورة الإسلاميّة. كان البرنامج يضمّ مباني فلسفيّة ومنطقيّة. ومباني قرآنيّة وأخلاقيّة ودينيّة، وأيضاً بعض الدروس الأكاديميّة. أذكر أنّ كتابَي “فلسفتنا” و”اقتصادنا” للشهيد الصدر. كانا بين الكتب التي درّست آنذاك.

* الإمام الخمينيّ قدس سره.. الداعم

بعد انتصار الثورة، طلب الإمام الخمينيّ قدس سره توسيع دائرة نشاطات هذا البرنامج، على أن يتكفّل شخصيّاً بجميع التكاليف. فأُسّس مركز متخصّص بحقول عدّة باسم “بنياد باقر العلوم”، مهمّته إدارة اختصاصات أدبيّة عدّة وبشكل تخصّصيّ.

وهكذا، أصبحت “در راه حق” مؤسّسة متكاملة، تحت اسم “مؤسّسة الإمام الخمينيّ قدس سره”. والتي كانت تُدرّس أربعة عشر اختصاصاً مستقلّاً، من مرحلة الإجازة إلى الدكتوراه. وتستقبل طلّاب الحوزات؛ ليتخصّص كلّ منهم في اختصاص معيّن. والهدف الأساسيّ في الحقيقة من وراء ذلك كان إنتاج علوم إنسانيّة إسلاميّة. وكان سماحة الشيخ (رضوان الله عليه) يُلقي درساً عامّاً لأساتذة الجامعة في معارف القرآن الكريم.

واليوم، لدى مؤسّسة الإمام الخمينيّ قدس سره شبه اكتفاء ذاتيّ من حيث الأساتذة. كما لديها العديد من المراكز التابعة لها.

* ولاية الفقيه.. من المسلّمات

لعلّ وجه التّميّز لدى آية الله مصباح بالنسبة إلى موضوع ولاية الفقيه هو من جانبين:

الأوّل: رأيه في ولاية الفقيه ناشئ من منظور عقديّ كلاميّ. وليس من منظور بحثيّ فقهيّ أو سياسيّ فحسب؛ فالعديد ينظر إلى ولاية الفقيه كمنصب سياسيّ أوكلت فيه مهمّة إدارة أمور المسلمين في مرحلة معيّنة.

الثاني: نظرته إلى ولاية الفقيه كانت تشبه نظرة التشيّع إلى أصل الإمامة؛ فالإمامة منصب إلهيّ، والإمام ليس مجرّد مدير لأمور المجتمع والشيعة في مرحلة معيّنة، بل إنّ مشروعيّة إدارة المجتمع هي أن يعيّن [الحاكم] من قِبل الله، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر عبر واسطة. لذا، اعتقاده وإيمانه بولاية الفقيه ناشئ من اعتقاد قلبيّ، واعتقاد دينيّ.

* الإمام القائد دام ظله.. العشق

كان الوالد يكنّ احتراماً خاصاً لشخص الوليّ الفقيه، وكان يرى أنّ الصفات المطلوبة لإدارة المجتمع، وللولاية على المسلمين كانت متوفرةً في الإمام الخمينيّ قدس سره، وبعده في شخص الوليّ الفقيه السيّد الإمام الخامنئيّ دام ظله.

أحياناً، كانت تتاح لنا فرصة المشاركة في مجلس يكون القائد موجوداً فيه، فكان الوالد يوصينا بالقول: “إذا استطعتم أن تلتقوا بالوليّ القائد، فقبّلوا يده، وإن لم تتمكنوا، قبّلوا عباءته”. وقد كان السفر يشقّ على الوالد آية الله مصباح كثيراً بسبب وضعه الصحّيّ، لكن صادف أحد الأيام وجودنا في طهران، أن أقيم مجلس عزاء في منزل القائد، فقرّر الوالد حضوره. كان يبكي طوال الطريق، ويقول: “إلى أين نحن ذاهبون؟ نحن ذاهبون إلى حيث يتنفّس نائب صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف”! فكانت دموعه تعبّر عن شوقه لرؤية القائد دام ظله.

عندما اشتدّ عليه المرض، كان يصعب عليه قول بضع جمل في اليوم الواحد. مرّةً، بدأ فجأة بالكلام، فأسرعت نحوه، فقال بوهنٍ وضعف: “مهما بحثت… لن تجد شخصاً مثل آية الله الخامنئيّ دام ظله”! ثمّ أغمض عينيه ثانية من الوهن والضعف، ولم يتمكّن من الكلام لساعات بعدها! وكان يوصي دائماً: “اعرفوا قيمة هذه النّعمة -وجود الإمام الخامنئي دام ظله- فإذا حملنا السبّحة وشكرنا الله ليلاً ونهاراً، لا يمكننا معرفة قدرها وأداء حقّ شكرها”.

* السيّد نصر الله: منقطع النظير

كان سماحته يكنّ احتراماً لسماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)، وكان يعدّه امتداداً للوليّ الإمام الخامنئيّ دام ظله، ويرى له مقاماً خاصّاً.

كان الشيخ قد ذهب إلى لبنان بعد حرب تمّوز 2006م، فقام بزيارة سماحة السيّد والمناطق اللبنانيّة التي تعرّضت للقصف. فقال عن تلك الزيارة: “في تلك الجلسة، قدّموا الشاي للحاضرين، وكان ثمّة مصحف شريف على الطاولة، فوضعوا الشاي بالقرب منه، فإذا بسماحة السيّد نصر الله، بهدوء ودون أن يلفت الانتباه، يحمل القرآن ويقبّله، ويضعه في مكان مرتفع”. كان ينقل هذه الحادثة بشكلٍ متكرّر ليدلّ على أدب السيّد مع القرآن واحترامه له، وكان يعدّ ذلك دليلاً على صفاء باطنه وأدبه العميق لأركان الدين. وكان يبدي محبّة كبيرة له، وللمجاهدين أيضاً، فكان يدعو لهم، ويحبّهم لدرجة أنّه كان يريد أن يقبّل أيادي المجاهدين المحيطين بالسيّد.

* تأثّره بالشيخ بهجت قدس سره

تأثّر سماحته بالشيخ بهجت كثيراً، خصوصاً من الناحية الأخلاقيّة والعرفانيّة. كان يتكلّم كثيراً عن تواضعه وزهده، ويذكر أنّه لم يكن من أهل الدنيا بتاتاً. وكان يقول: “منذ أن كنّا نشارك في مجالس درسه، لم نلحظ من الشيخ بهجت قدس سره أيّ اهتمام بمكان التدريس، فكان أحياناً يدرّس في مسجد شبه مهدّم، وصغير، ويجلس في حالة خضوع وخشوع، يحمل الكتاب، ويلقي الدرس دون أدنى تكبّر أو أيّ تشريفات”.

* من توصياته الأخلاقيّة

يمكن اختصار أهمّ توصياته في ثلاثة محاور أساسيّة:

– أوّلاً: إخلاص النيّة: إحدى الجمل التي كان يردّدها في أواخر عمره الشريف: “إنّ العمل الذي لا يكون لله، لا فائدة ترجى منه بتاتاً، اسعوا لأن تقوموا بأعمالكم لله”. ونتيجةً لذلك، لم يكن يخشى ملامة الآخرين، فعندما يرى أنّ من واجبه القيام بعملٍ ما، كان يتابعه بمنتهى الجدّيّة.

– ثانياً: التوسّل بأهل البيت عليهم السلام: عندما كنتُ أذهب معه أحياناً إلى زيارة مولانا عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، كان يقف بالقرب من الضريح، ويبقى لساعاتٍ يقرأ الزيارة أو الأذكار، ويبكي، ولا يلتفت يميناً أو يساراً، كان بحال التجاء وتضرّع كمن جاء للاستعطاء. وكانت تربطه أيضاً علاقة خاصّة بالسيّدة المعصومة عليها السلام، إذ كان يقول: “لو يعلم الناس قيمة السيّدة المعصومة ومنزلتها، لأخذوا من تراب الأراضي المحيطة بالحرم [للتبرّك]، حتّى يصبح المكان خندقاً”. فكلّ من كان يقصده طلباً لحلّ مشكلةٍ ما، كان يحوّله إلى السيّدة المعصومة عليها السلام، ويقول: “اطلبوا منها واسألوها هي”.

– ثالثاً: التوجّه القلبيّ إلى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف: فكان يقول: “اسعوا، ما استطعتم، في بداية العمل، أو وسطه، أو آخره، أو عند الانتهاء منه، أن تتوجّهوا قلبيّاً إلى حضرته عجل الله تعالى فرجه الشريف”. غالباً بينما كنّا نجالسه، نشعر أنّه يجلس مع شخص آخر، وكأنّه يناجي الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف قلبيّاً.

* من توصياته للزوجَين

ومن توصياته للشباب في بداية زواجهم، أنّ على كلّ واحد من الزوجَين أن ينظر ماذا يريد الطرف المقابل والعمل على تحقيقه، لا ماذا يريد كلّ واحد منهما لنفسه، وهو ما يوطّد العلاقة بينهما، ويؤجّج العاطفة والمحبّة أكثر.

وفي الختام، هذا كان جزءاً يسيراً من حياة ذلك العالِم الجليل صاحب العطاءات الجمّة لهذا الدين والمسيرة. ومهما حاولنا الغوص في سيرته، ستعجز هذه الصفحات عن إيفائه، ولو نزراً قليلاً، من حقّه.

(*) ذكرى رحيل سماحة آية الله الشيخ محمّد تقي مصباح اليزديّ (رضوان الله عليه) بتاريخ 1/1/2021م.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل