Search
Close this search box.

مقــوّمـات جهاد التبيين

مقــوّمـات جهاد التبيين

الشيخ علي رضا بناهيان

بعد صدور الأمر بجهاد التبيين من قِبل سماحة الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله، وعدّه واجباً عينيّاً فوريّاً، فقد وجب على كلّ واحد منّا القيام به، بحدود قدراته إمكاناته. فإذا كان جهاد التبيين واجباً، فإنّ إعداد مقدّماته واجب كذلك؛ كما هو الحال بالنسبة إلى المقاوم؛ إذ عليه أن يتسلّح بأسلحته الخاصّة قبل التوجّه إلى المعركة العسكريّة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: 60). من هنا، وحتّى يُحدث التبيينُ تغييرات في حياة كلّ واحد منّا، وفي ساعات برنامجنا اليوميّ؛ أي يُحدث الأثر المرجوّ منه، لا بدّ من توافر مجموعة من المقوّمات.

* مقوّمات أساسيّة

1. اكتساب المهارات البيانيّة: يتّخذ كثير من الناس مواقف ثوريّة مهمّة للغاية، ولكنّهم لا يملكون قوّة البيان والخطابة. لذلك، على كلّ فرد في المجتمع، من ربّة البيت، إلى العامل. والطالب. وغيرهم. أن يمتلك مجموعة من المهارات التي تساعده في أداء مهمّة جهاد التبيين؛ فإذا أراد أحدهم مثلاً، تصميم ملصق (بوستر) من أجل نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، فيجب أن يجيد استخدام هذه الوسائل، ويمتلك مهارات كتابة النصّ والتغريد، إلى المهارات المتعلّقة بالتحرير والتصوير، وإنشاء المقاطع المرئيّة.

لذلك، الجميع مطالب بالتدرّب على مهارة الكلام، والمناظرة. والكتابة والبيان. خصوصاً عبر الوسائط الافتراضيّة. حيث يجب أن يكون الجميع نشطاً في تلك الشبكات، نظراً إلى دورها المهمّ جدّاً في أيّامنا هذه.

2. التنميّة المعرفيّة: يجب أن ننمي معلوماتنا، إلى جانب امتلاك المهارة والقوّة. يجب التوجّه نحو الدراسة؛ لأنّها تنمي معرفة المرء ووعيه، فيستثمرها بشكلٍ صحيح، ويعرف عندها ماذا يريد قوله. فمن يمتلك القوّة في التعبير، ولديه خطّة للشرح، يتوجّه تلقائيّاً نحو الدراسة. لا بدّ في هذا المجال من التوجّه نحو دراسة آيات القرآن. وكلمات أهل البيت عليهم السلام، فضلاً عن الأحداث التاريخيّة؛ لأنّ هذا النوع من الدراسات يساعدنا في ما نريد قوله، ويفيدنا جدّاً في جهاد التبيين. مع الأسف. بعض الأشخاص لا يقرأون كلام الإمام الخمينيّ قدس سره والإمام القائد دام ظله، وإنّه لأمر غريب، ومؤلم! فنحن، الذين نسمع أقوالهم، ثمّ نقرأُها مرّات عدّة، يتكشّف لنا في كلّ مرّة شيء جديد.

يجب التشديد على أن نكون مجتهدين ومنتبهين. فندرس ونطالع جيّداً. إنّ تاريخ الإسلام يحفل بأشياء كثيرة يجب أن نقرأها ونتأمّلها جيّداً؛ إذ يجب دراسة العديد من الآيات القرآنيّة. أو الأحاديث، أو الأحداث التاريخيّة، خصوصاً غير المشهورة منها، لأنّها تفتح لنا آفاقاً أوسع في العلم والمعرفة.

3. إيجاد الجمهور وتحديده: يجب أن نكون قادرين على إيجاد جمهور لأنفسنا، ومحاولة جعل الآخرين يستمعون إلى كلماتنا، فهذه أيضاً مسؤوليّتنا. علينا أن نمضي قُدماً، ونخطّط لأنشطتنا الترويجيّة الخاصّة، في طريق جهاد التبيين، فلا ننتظر أن يدعونا أحد للقيام بذلك. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق ليجد جمهوراً؛ فذهب إلى الطائف وعاد، مع أنّ أحداً لم يؤمن به هناك. “طبيب دوّار بطبّه” هذا هو المطلوب؛ أي أن نبادر إلى البحث عن جمهورنا في كلّ مكان، لقول كلمة الحقّ: في الحيّ أو المدينة أو البلدة، حيث سنجد بالتأكيد الكثير من الجماهير. ولنتّخذ، نحن المتديّنون، السيّدة الزهراء عليها السلام قدوةً لنا في هذا المجال؛ إذ ظلّت تنتقل من بيت إلى آخر، للتبيين، مدّة أربعين يوماً وليلة، دون كللٍ أو تعب.

4. تشخيص الأولويّات: تكون الكلمة الطيّبة بلا نفع، إذا لم تشخَّص لها الأولويّة. وهذا يعني أنّ جهاد التبيين يصبح بلا جدوى إذا كان دون تصميم، أو تخطيط، أو توجيه محدّد في زمان معيّن؛ فيبدو كأنّ أحداً يمسك بمسدّس، ولكنّه لا يعرف في أيّ اتّجاه يصوّبه، فيبدأ بإطلاق النار بشكلٍ عشوائيّ، لدرجة أنّه قد يصيب نفسه. أمّا في جهاد التبيين، علينا أن نعرف المكان الذي ينشط فيه العدوّ، حتّى نعرف أين نوجّه رسائلنا وضرباتنا له.

فعلى من يريد القيام بهذه المهمّة، أن يلاحظ الأولويّات بناءً على تعليمات الإمام الخامنئي دام ظله؛ لأنّه يقظ دائماً، ويحدّد قيمة كلّ موضوع، ويدفع هذه الحركة إلى الأمام، فلماذا لا نتّبع تعليماته وإرشاداته؟ على سبيل المثال: واحدة من القضايا التي يوليها سماحته أهميّة وأولويّة في أيّامنا هذه، هي مسألة “الاقتصاد المقاوم”. فلماذا نترك الحديث في هذه المسألة المهمّة جدّاً، ونلجأ إلى قضايا أخرى قد تكون أقلّ أولويّة وإلحاحاً في وقتنا الحاضر؟!

5. العمل الجماعيّ: إنّ إيصال صوت واحد ورسالة واحدة إلى آذان الكثير من الناس، لمهمّة صعبة. لقد استطاعت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ أن تجعل أصواتنا مسموعةً لكثير من الناس، وقد وفرت إيصال أصوات عديدة، بعدما كان الأمر مغايراً تماماً في الماضي؛ إذ لم يكن ثمّة وسائط لنقل الرسائل، فكان مثلاً، يتمّ تمرير إشعار أو شريط صوتيّ للإمام الخمينيّ قدس سره من يد إلى أخرى، حتّى يسمعه ملايين الناس! أمّا الآن، فالقنوات التلفزيونيّة باتت كثيرة، ويستطيع أيّ أحد اختيار القناة التي يريدها للحديث في أيّ موضوع يشاء.

من هنا، إنّ مهارة التحدّث، وحدها، لا تكفي لقول كلمة طيّبة، بل العمل الجماعيّ مطلوب لتحقيق هذه الغاية؛ كأن ندعم بعضنا بعضاً في الفضاء الافتراضيّ، ونرحّب بما ينشره بعضنا من مواقف وقيم، عبر التعليقات الداعمة والمؤيّدة؛ فهذا جزء مهمّ من العمل الجماعيّ، الذي يقوّي من مواقفنا ويدعمها.

إنّ وحدة الكلمة والاتّحاد في ما بيننا أمر ضروريّ في جهاد التبيين، ليبدأ أحدنا بوسم معيّن (هاشتاغ) يطلقه، ثمّ ما على البقيّة إلّا دعم هذا الوسم. يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصفّ: 4)؛ فالله تعالى يحبّ أولئك الذين تجمعهم هذه الرابطة القويّة، فيجاهدون، ويقاتلون معاً. وعلينا إضفاء الطابع الجماعيّ على قضيّة ما، بمعنى آخر؛ يجب أن نحوّل القضيّة إلى خطاب عام في المجتمع، بحيث يركّز الجميع على القضايا المحوريّة، التي يشخّصها قادتنا، من أجل العمل على إيجاد حلول لمشاكلها.

* مقوّمات مساعدة

1. الشعور بالرحمة تُجاه الآخرين: يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في رواية رائعة: “المُؤْمِنُ غرِيزَتُهُ النُّصْح”(1)؛ والنصيحة هي الرأفة والشفقة. إنّ الرغبة في تحقيق سعادة الآخرين، رحمةً بهم، هي ما تدفعك نحو تبيين الحقائق لهم وتفسيرها. فالرحمة هي غريزة بمعنى طبيعة. فلا يمكن لأيّ مؤمن ترك هذا العمل إطلاقاً.

2. إنتاج الأدب: ثمّة عامل مساعد آخر في جهاد التبيين، والذي قد لا يكون مطلوباً من الجميع، ولكن تجدر ملاحظته، وهو الأدب. الأدب كالسلاح، ولفهم هذه المسألة أكثر، يجب التعرّف إلى أدبيّات الإمام الخامنئي دام ظله، خصوصاً في السنوات العشرة الماضية، والذي كان قد قال يوماً: “التسوية لها تكلفة، والمقاومة لها تكلفة أيضاً، لكنّ تكلفة التسوية أكبر من تكلفة المقاومة، لذلك نحن نقاوم”؛ هذا أدب عقلانيّ.

* لجهاد التبيين أخلاق

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (المائدة: 54)؛ فهذا يعني أنّ الشخص الذي يستسلم، ويتراجع عن قول الحقّ، أو لا يقول الحقيقة كاملةً، لمجرّد تعرّضه للسخرية أو الانتقاد من الآخرين، ليس جديراً بمهمّة جهاد التبيين؛ لأنّ الحقيقة لا يمكن نقضها: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:8). إنّ السخرية أمر لا يجب أن نخشاه. وهو ما كان يحصل مع الأنبياء عليهم السلام جميعاً، تنقله إلينا الآية القرآنيّة: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (الحجر: 11). فلماذا استهزؤوا بالأنبياء؟ هل كان أنبياء الله يتكلّمون بشكل لا عقلائيّ؟ هل تحدّثوا باستخفاف؟ بالطبع لا!

فعندما تقول الحقيقة، حتّى لو كانت خاليةً من العيوب، فسوف يسخرون منك، وسوف يسخرون حتّى من الكلمات الفنيّة التي تستخدمها.

فالقوّة، والثقة بالنفس، والشجاعة، واليقين، والثبات في وجه سخرية الآخرين، مسائل ضروريّة للجهاد، وعلينا تقوية هذه الروح في أنفسنا، وعدم الانجرار إلى هذا الأسلوب الذي يستخدمه الآخرون قبالنا.

(*) من محاضرة لسماحته على قناة آبارات الإيرانيّة بالفارسيّة، بتصرّف وتلخيص.
(1) الشيخ الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 12، ص 430.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل