ألفيّة ابن مالك: كيف وُلد النّصّ الذي أعاد تشكيل تعليم النّحو العربي؟

الجزيرة نت- رغم تعاقب القرون منذ وفاة ابن مالك ما تزال ألفيّته تفرض حضورها في مدارس العالم العربي والإسلامي.

ألفية ابن مالك.. القصة التي لم يَرْوِها النحاة

لم تكن ألفية ابن مالك مجرد عمل تعليمي عابر، بل كانت مشروعا لغويا كبيرا ولدته رحلة عالم عربي أدرك مبكرا حاجةَ العربية إلى متن يجمع قواعدها المتناثرة، ويقرب مسالكها للمبتدئين والمتخصصين على حد سواء.

وُلد محمد بن عبدالله بن مالك الطائي الجياني في مدينة جَيان بالأندلس قرابة سنة 600هـ، وهو عربي الأصل من قبيلة طي القحطانية، إحدى القبائل العربية التي استقرت في الأندلس منذ الفتح الإسلامي. ولذا لم تكن نشأته الأندلسية انقطاعا عن جذوره، بقدر ما كانت امتدادا لحضور عربي ضارب في عمق التاريخ.

اختار ابن مالك الشعر أداة، لا بدافع التزيين، بل لإدراكه أن نظم العلم في أبيات موزونة يُرسخ القاعدة في الذهنكانت الأندلس آنذاك واحدة من أنشط مراكز العلم في العالم الإسلامي؛ مكتباتها حافلة بالمخطوطات، ومدارسها عامرة باللغويين والفقهاء، ومساجدها تضج بحلقات الدرس والمناظرة.

في هذا المناخ الثقافي تشكلت شخصية ابن مالك العلمية، قبل أن ينتقل إلى دمشق ويستقر فيها، حيث اكتمل نضجه العلمي وبرز اسمه بين كبار نحاة المشرق. وقد جمع في مسيرته بين دقة المدرسة الأندلسية وعمق التحليل في المدرسة المشرقية، وهو ما انعكس بوضوح في مؤلفاته.

ومع اتساع اطلاعه على كتب النحو، لاحظ ابن مالك معضلة تعليمية مزمنة: الطالب يقع بين مطولات مرهِقة تُثقل الفهم، ومختصرات مخلة تُفرط في المعنى. وكانت الحاجة ماسة إلى متن واضح، شامل، متماسك، يستوعب القواعد ويقربها من غير إغراق ولا إخلال.

من هنا وُلدت فكرة كتابه الأشهر: صياغة ألفية نحوية تجمع علمي النحو والصرف في منظومة واحدة يسهل حفظها واستحضارها.

اختار ابن مالك الشعر أداة، لا بدافع التزيين، بل لإدراكه أن نظم العلم في أبيات موزونة يُرسخ القاعدة في الذهن. فجاءت الألفية في ألف بيت من بحر الرجز، لكنها تجاوزت مجرد الشكل الشعري إلى بناء علمي محكم، أعاد ترتيب المسائل، وجمع شتات القواعد في سياق واضح مترابط.

اكتسبت الألفية مكانتها عبر القرون لأنها جمعت خصائص قل أن تجتمع في متن واحد؛ فهي شاملة لمعظم أبواب النحو والصرف، مختصرة من غير إخلال، مبنية على لغة فصيحة قوية تخاطب الحس.

ولم تكن بداية الألفية تقليدية؛ إذ افتتحها ابن مالك بأبيات تكشف مقصدَه ورؤيته:

قال محمدٌ هو ابنُ مالك .. أحمدُ ربي اللهَ خيرَ مالك

مُصليا على النبيِ المصطفى.. وآله المستكملين الشَرفا

وأستعينُ اللهَ في ألفية .. مُقربة معانيَ النحوية

تُظهر هذه المقدمة أن الألفية لم تُكتب بوصفها نظما تعليميا فحسب، بل مشروعا واعيا لتقريب النحو وتيسير مسائله، وإعادة بنائه في قالب يجمع بين القوة والوضوح.

واكتسبت الألفية مكانتها عبر القرون؛ لأنها جمعت خصائص قل أن تجتمع في متن واحد؛ فهي شاملة معظم أبواب النحو والصرف، مختصرة من غير إخلال، مبنية على لغة فصيحة قوية تخاطب الحس، وفي الوقت نفسه منظمة وفق منهج علمي دقيق. وهذا ما جعلها قريبة من المبتدئ، ومرجعا لا غنى عنه للباحث المتخصص.

وقد أسهمت الشروح الكبرى -كشرح ابن عقيل، والأشموني، وابن هشام- في ترسيخ مكانتها، وتحويلها إلى نص مركزي في تعليم العربية.

بين ميلاده العربي في الأندلس، ورحلته المشرقية في دمشق، وشغفه العميق بعلم النحو، وُلدت ألفية لم تتوقف عن التأثير حتى يومنا هذا، وستبقى -ما بقيت العربية حية- شاهدا على عبقرية عالم آمن بأن اللغة تستحق أن تُصان.

ورغم تعاقب القرون منذ وفاة ابن مالك، ما تزال ألفيته تفرض حضورها في مدارس العالم العربي والإسلامي. لا يكاد طالب نحو إلا ويمر بها، ولا يكاد باحثٌ يحقق مسألة إلا ويعود إليها. وبقاؤها ليس مصادفة، بل ثمرة منهج يرى النحو علما يمكن تبسيطه من غير تسطيح، وتعميقه من غير إغراق.

لقد كتب ابن مالك ألف بيت، لكنه في الحقيقة كتب وثيقة لغوية خالدة، عبرت الأزمنة، وظلت حية في صدور الطلاب، ومناهج الجامعات، ومسودات الباحثين. وربما كان سر خلودها أن صاحبها لم يكتبها ليخلد اسمه، بل ليخدم العربية نفسها؛ فخلدته هي بدلا من ذلك.

وبين ميلاده العربي في الأندلس، ورحلته المشرقية في دمشق، وشغفه العميق بعلم النحو، وُلدت ألفية لم تتوقف عن التأثير حتى يومنا هذا، وستبقى -ما بقيت العربية حية- شاهدا على عبقرية عالم آمن بأن اللغة تستحق أن تُصان، وأن تُكتب بقلب وعقل معا.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل