النية هي روح الأفعال

النية هي روح الأفعال

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الشعراء/88 – 98.

النية: هي القصد، أو التوجه الارادي الحاسم نحو الشيء.

وللنية في الإسلام دور مهم في إعطاء الفعل والموقف الإنساني قيمته الحقيقية، كما لها دور في تقويم ذات الفاعل واتجاهه النفسي..

فالإسلام لم يعط الفعل العبادي ولا الفاعل قيمة ولا أهمية مجردة عن النية والقصد، في حالة تقويمه وتقديره للفاعل.. لأن الفعل العبادي في نظر الاسلام نسيج هيكلي لجهد إنساني تتحدد قيمته بالنية أو القصد.

إذ النية تعبير عن الموقف الداخلي، وعن التوجه الذاتي، والحقيقة الباطنة للإنسان.. وهي روح الفعل الحقيقية التي تملأ هيكله، لذلك فإن النية تعتبر أداة كشف عن حقيقة الباطن الإنساني.. تلك الحقيقة التي ليس بإمكان الفعل أن يكشفها… لأن الفعل يمكن أن يخضع لعملية تزوير مقصودة من قبل الانسان، ولأنه صياغة طبيعة لجهد ظاهر، يمكن أن يخرجه الفرد بشكل ليس ضرورياً أن يتطابق مع حقيقة الانسان ومحتواه الباطني.. فكثير من الناس يبذل المال، ويبدي حسن الخلق، ويصلي ويصوم.. ونحن نشاهد تلك الصور الظاهرة للأفعال، المتساوية في الظاهر عند جميع الممارسين لها، فنحسبها سواء.. ولكن لتقويمها في نظر الإسلام وسيلة أخرى، ولوزنها ميزان آخر، وهو النية . فالذي يبذل المال، ويبدي حسن الخلق من أجل كسب السمعة والصيت، والذي يصلي ويصوم من غير توجه واخلاص لله سبحانه، فكل هؤلاء يجسدون في عرف الاسلام حقيقتين منفصلتين ومتناقضتين في دنيا الإسلام.. حقيقة باطنة، وهي النية.. وحقيقة ظاهرة وهي الفعل بصيغته الهيكلية المنظورة.

وعندما يضع الإسلام موازينه ليزن الفعل، ويقوم الفاعل، يتخذ النية أساساً في الوزن والتقويم.. فإن لم تكن النية خالصة لله تعالى، كان هذا الفعل باطلاً، لا قيمة له، وخاسراً لا أجر لصاحبه… لأن فاعله لم يقصد القربة الى الله، ولم يتوجه إليه، بل قصد التمركز الذاتي، والتأكيد على ذاتيته لإظهارها بمظهر الصلاح، والمقبولية لدى الآخرين.

لذا اهتمت الشريعة الإسلامية بالتأكيد على أهمية النية في تحديد قيمة الفعل، وهل يراد به وجه الله تعالى أو سوى ذلك.

وقد جاء الحديث النبوي الشريف واضحاً صريحاً في تسجيل هذا المعنى عندما نص: “إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته الى ما هاجر إليه”([1]) .
وقد جاء في حديث الامام جعفر الصادق عليه السلام قوله: “صاحب النية الصادقة، صاحب القلب السليم”([2]).

وسئل الامام جعفر الصادق عليه السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدياً فقال: “حسن النية بالطاعة”([3]).

تكون “النية” هي مصدر قيمة الفعل، وعليها يتوقف مدى قبوله عند الله، ونيل ثوابه. ولذا كان المؤمن الحق بعيداً عن التناقض والنفاق، وانقسام الشخصية، ومعبراً بممارسته عن ذاته، فهو بهذه الممارسة يكشف عن شخصيته، ويرسم صورة توجهاته الذاتية الباطنة، من غير نفاق ولا رياء.

والنية تعتبر نتيجة نهائية لسلسلة من العمليات والبواعث الفكرية والنفسية التي تقرر في النهاية الموقف الباطني للإنسان، وتدفع بقواه البدنية الى اخراج الفعل الى حيّز الوجود.
والنية لا تتحقق بعد:

1 – توفر المعرفة والإحاطة بالشيء المراد فعله، وبالغرض والغاية منه، وبالنتيجة المترتبة عليه، ليستطيع الإنسان الاختيار، وتحديد وجهة القصد.

2 – وجود ميل نفسي، وقناعة ذاتية، بتطابق الفعل مع غايات النفس بشكل يبعث الشوق والرغبة في تحقيق الفعل، فيكون الفعل في هذه المرحلة غاية مطلوبة التحقيق للإنسان المريد.

3 – إتخاذ قرار إرادي بإحداث الفعل، وتحريك مختلف القوى الجسدية والنفسية والفكرية لاحداثه، فيأتي الفعل عندئذٍ كغاية مطلوبة للذات الباطنة، وبذا يستحق الفاعل المجازاة على فعله، لأن موقفه هذا يمثل الامتداد الخارجي للذات الباطنة، ويعبر عن شاكلتها، قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيل﴾ الاسراء/48.

فلذلك كله كان الهيكل الشكلي للفعل العبادي لا يعبر عن إيمان صاحبه، حتى وأن توافق مع المطلوب الخارجي، والوجود الظاهري للعبادات… إلاّ إذا كان صادراً عن نية صادقة مخلصة.

لأن تناقض النية مع الفعل العبادي يفقده قيمته الحقيقية ويبطله، فلا يجني صاحبه إلاّ الجهد والعناء.

ولذا فإن الأجر والثواب لا يتحققان حسب المقدار المؤدى من الأفعال ولكن بقدر اخلاص النية المتركزة في هذا الفعل، وبمدى تطابقه مع إرادة الله سبحانه… إرادة الحق والخير.

ومن هنا جاء في الحديث الشريف: “إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يفعلها تكتب له بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يفعلها تكتب مثلها”.

وجاء أيضاً في حديث آخر: “أخلص النية يكفك العمل القليل”.

وهكذا، فرب عمل صغير يستهين به صاحبه ولكن تعظمه النية الخالصة لله تعالى… ورب عمل كبير يقترن بنية مشوبة غير مجردة لله تعالى فيسقط من الاعتبار والثواب.

بين العبادة والعبودية، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

([1]) محمد مهدي النراقي-جامع السعادات-ج3، ص123
([2]) محمد مهدي النراقي-جامع السعادات-ج3، ص111.
([3]) محمد مهدي النراقي-جامع السعادات-ج3، ص113.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

islamasil-9
لقاء روّاد الأعمال والمنتجين والمتخصّصين في الشركات المعرفيّة مع الإمام الخامنئي ( دام ظله )
نشر معالم الزينة في أرجاء الصحن الحيدري الشريف ضمن ...
نشر معالم الزينة في أرجاء الصحن الحيدري الشريف ضمن ...
ضرر العناد
ضرر العناد
السكينة
السكينة
الظلم ظلمات
الظلم ظلمات

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل