الصلة الثالثة في سر القراءة

الصلة الثالثة في سر القراءة

في الصلاة في فروع الدین

إنّ المعتبر في الصلاة الثنائيّة هو قراءة فاتحة الكتاب وسورة ، وكذا المعتبر في الأولتين من غيرها كالثلاثيّة والرباعيّة ، وقد ورد أنّه : « لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب » « 1 » ، فقراءة شيء من القرآن في الصلاة على ما دوّن في الفقه واجبة ، والقراءة لها سرّ باعتبار أنّ المقروء له سرّ ، فما لم يكن القارئ ذا سرّ فلا يصل هو إلى سرّ القراءة ، ولا ينال أيضا سرّ المقروء ، فتكون قراءته بتراء .

والشاهد على أنّ المقروء – أي : القرآن الكريم – له سرّ هو ما بيّنه اللَّه سبحانه بقوله * ( « إِنَّا أَنْزَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * . * ( وَإِنَّه ُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » ) * « 2 » لدلالته على أنّ الموجود بين الدفّتين بما أنّه كتاب عربيّ فهو قرآن ، وهو نفسه بما أنّه في أمّ الكتاب أيضا قرآن ، وبما أنّه عليّ حكيم أيضا قرآن ، وهنالك – أي : أمّ الكتاب ، ولدى اللَّه – لا مجال للاعتبار من وضع الألفاظ العربيّة أو العبريّة أو نحوهما ، وليس لدى اللَّه إلَّا الأمر المجرّد التامّ العقليّ الذي لا يناله إلَّا العقل المحض الخالص عن شوب الخيال والوهم ، وكما أنّ ظاهر القرآن العربيّ لا يمسّه إلَّا الطاهر عن الحدث والخبث كذلك سرّه لا يمسّه إلَّا المنزّه عن الرين والدنس ، وهو الالتفات إلى غير المعبود ، إذ الناظر إلى غيره لا يقدر العروج إلى موطن اللدن ، وإذا لم يعرج إليه ليس في وسعه أن ينال أمّ الكتاب العليّ الحكيم ؛ لأنّه لدى اللَّه تعالى .

وكما أنّ ظاهر القرآن العربيّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكذلك سرّه الذي هو العليّ الحكيم منزّه عن تسرّب الباطل عن أيّة جهة وسمت أبدا ، ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من حبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ باطل وخطأ فكيف ينال ما هو المصون عنه مطلقا ؟ إذ لا طريق للخطإ إلى الصواب ، فالحنين إلى رأس الخطأ لا يجتمع مع عزم الصائب الصرف ، كما لا تجتمع وليمة وعزيمة .

وحيث إنّ أدب الصلاة ذريعة إلى سرّها فالمصلَّي المتأدّب بأدبها من الحضور القلبيّ يصل إلى سرّها ، وهو الوجود العينيّ العقليّ الفائق عن الوجود المثاليّ ، فضلا عن الطبيعيّ ، سيّما الاعتباريّ المتحقّق في عالم الطبيعة . وما صلاه الرسول الأكرم – صلَّى اللَّه عليه وآله – في المعراج كان جامعا لجميع نشآت الصلاة ، والمصلَّي الذي له حضور تامّ فهو الذي يناجي ربّه ، ويقول : إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ، ومعلوم أنّ هذا المصلَّي المستغرق في شهود الكثرة – حسب التعبير بصيغة المتكلَّم مع الغير – لم يبلغ بعد مرحلة الوحدة الصرفة الَّتي لا أثر هناك للنجوى ولا للمناجي ، فضلا عن غيرهما من أولي العبادة والنداء والنجوى والاستعانة ، ولكنّ السلَّم منصوب ، والأمر بالقراءة والرقي ( اقرأ وارق ) مسموع ، والامتثال ميسور .

وقد تقدّم : أنّ النظام العينيّ قد استقرّ على العلَّيّة والمعلوليّة كما قال أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام : « كلّ قائم في سواه معلول » « 3 » ، أي : كلّ موجود لا يكون وجوده عين ذاته فهو معلول لما يكون وجوده محض ذاته ، ولا ريب في لزوم كون العلَّة أقوى من المعلول ، ومع ذلك قال بعض أهل المعرفة « 4 » : إنّ « بسم اللَّه » من العبد بمنزلة « كن » من الربّ ، وقد ورد فيه : أنّه أقرب إلى اسم اللَّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها ، فالمصلَّي العارف بحكمة الصلاة ، المتأدّب بأدبها يصل إلى حدّ يكون تلفّظه ب * ( « بِسْمِ ا للهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » ) * في بدء الفاتحة الَّتي لا صلاة بدونها بمنزلة « كن » من اللَّه الذي إذا صدر منه يتحقّق المراد ويكون ( بالكون التامّ لا الناقص ) .

ومن المعلوم أنّ القراءة بوجودها الاعتباريّ لا تقدر على التأثير العينيّ ، بل بما لها من السرّ الوجوديّ ، والاسم أمر عينيّ مسبّب عن العيب والنقص ، فلذا أمر اللَّه سبحانه رسوله – صلَّى اللَّه عليه وآله – بالتسبيح له حيث قال تعالى * ( « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى » ) * « 5 » ، وذلك الاسم هو سرّ للاسم اللفظيّ الذي يقرأه المصلَّي .

ولا خفاء في أنّ سرّ الاسم الأعظم هو أعظم الأسرار ، ولا ينال إلَّا بخرق الحجب طرّا كما مرّ في تكبيرات الافتتاحيّة ، ولذا ورد في حديث المعراج « . فلمّا فرغ من التكبير والافتتاح أوحى اللَّه إليه : سمّ باسمي ، فمن أجل ذلك جعل بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم في أوّل السورة » « 6 » .

وحيث إنّ بسم اللَّه في أوّل كلّ سورة له معنى خاصّ مطابق لما تحتويه تلك السورة ، وكانت سورة الحمد كافلة لمعارف جمّة فبسم اللَّه الواقع في أوّلها جامع لتلك المعارف ، ولمّا كان إدراك تلك المعارف مرقاة إلى شهود إسرارها فلنأتي بشيء منها ؛ لأنّ الحرّ تكفيه الإشارة عن العبارة .

إنّ الحمد إنّما هو تجاه النعمة ، والنظام الإمكانيّ من المعقول إلى المحسوس ، ومن الغيب إلى الشهادة نعمة إلهيّة أنعمها البارئ تعالى ، فهو تعالى مستحقّ للحمد ، ولا محمود سواه ، وحيث إنّه لا وجود حقيقيّ لغيره ، لأنّ كلّ ما سواه آيات ومظاهر له فهو مالك بالاستقلال لما يصدر عن ما عداه ، فالحمد المتمشّي من غيره إنّما هو مظهر للحمد الناشئ منه تعالى ، فلا حامد عداه ، فهو الحميد بالمعنى المطلق ، أي : الحامد والمحمود .

وقد علَّل في هذه السورة استحقاقه تعالى للحمد بأمور خمسة ، بعضها جامع ومتن ، وبعضها الآخر شرح لذلك المتن :

الأوّل : – أي : ما هو بمنزلة المتن – هو عنوان « اللَّه » ؛ لأنّه جامع لجميع الكمالات ، وكلّ من جمع الكمال فهو محمود ، فاللَّه محمود فله الحمد ، وهذا القسم بمنزلة المتن الذي تشرحه سائر العلل الأربع الآتية .

الثاني : – أي : ما هو بمنزلة الشرح وهكذا العناوين الأخر القادمة – هو عنوان الربوبيّة الَّتي هي من الصفات الخاصّة ، وحيث إنّ اللَّه سبحانه ربّ العالمين وكلّ ربّ محمود فهو محمود فله الحمد .

الثالث : هو عنوان الرحمانيّة الَّتي هي أيضا من الصفات الخاصّة ؛ لأنّها وإن كانت أعمّ من غيرها إلَّا أنّها بالقياس إلى عنوان « اللَّه » خاصّة ، وإن يظهر من بعض أهل المعرفة « 7 » كونها أيضا اسما أعظم نظير عنوان « اللَّه » حسبما يستفاد من قوله تعالى * ( قُلِ ادْعُوا ا للهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه ُ الأَسْماءُ الْحُسْنى ) * « 8 » لدلالته على أنّ كلّ واحد من « اللَّه » و « الرّحمن » واجد للأسماء الحسنى ، إذ المستفاد منه : أنّ كلّ واحد من ذينك الاسمين فله – أي : لكلّ واحد منهما – الأسماء الحسنى ، إذ الضمير يرجع إلى أيّ ، لا إلى خصوص الذات المطلقة الواجبيّة ، ولكن لمّا لم يجعل عنوان « اللَّه » وصفا وتابعا ، ولكن يجعل عنوان « الرّحمن » وصفا وتابعا ، فيمكن الفرق بينهما بجعل « اللَّه » جامعا وجعل « الرّحمن » شارحا .

الرابع : هو عنوان الرحيميّة الَّتي هي أيضا من النعوت الخاصّة ؛ لعدم اتّساعها بالنسبة إلى غير المؤمن . وعلى أيّ تقدير لا تكون نظير عنوان « اللَّه » اسما أعظم ، وحيث إنّ اللَّه سبحانه رحيم وكلّ رحيم محمود فهو تعالى محمود فله الحمد .

الخامس : هو عنوان مالك الجزاء بالجنّة والنار ، وذلك من شؤون الحكمة والعدل ، كما أنّه من شؤون القدرة أيضا ، وكلّ حاكم عدل يملك الجزاء في قبال العمل ، إن كان خيرا فبالجنّة ، وإن كان شرّا فبالنار ، فهو محمود ، وحيث إنّ اللَّه سبحانه مالك له فهو محمود فله الحمد .

فهذا الجزء من الفاتحة حاو للمبدإ والمعاد وما بينهما . أمّا الأوّل والثاني – أي : المبدأ والمعاد – فواضح بما قرّر ، وأمّا الذي يرجع إلى المبدإ والمعاد فهو الدين والصراط والنبوّة والرسالة والوحي والولاية ، وما إلى ذلك ممّا يرجع إلى ربوبيّته تعالى ، حيث إنّ الربّ كما يربّ الحجر والمدر والشجر والبرّ والبحر والحيوان الأعجم كذلك يربّ الإنسان ، ومعلوم أنّ تربيبه وتربيته إنّما هو في ضوء الشريعة والصراط الذي بدونه يكون الناس كالأنعام بل هم أضل ، وبه يصير نبيّا ورسولا ووليّا ، أو عبدا صالحا ومؤمنا فالحا ونحو ذلك .

ومن المعلوم : أنّ لكلّ من المعارف المارّة سرّا عينيّا يختصّ به ، ولا ينال المصلَّي المناجي ربّه إيّاه إلَّا بمعرفة هذه المعارف والاعتقاد بها والسير نحوها حتّى يحصل له شهود مصاديقها ، ويصل إلى سرّها ، وما نقل من مآثر أهل البيت – عليهم السّلام – وآثار مقتفيهم من الخرور مغشيّا عند قراءة الفاتحة فإنّما هو باستناد شهود نبذ من إسرارها .

وحيث إنّ المصلَّي بعد معرفة استحقاق اللَّه سبحانه للعبادة بالبرهان الذي أقامه القرآن يريد أن يصل إلى معروفه بالعيان ، أي : العرفان ، ولا وسيلة لتلك الصلة إلَّا الصلاة ، كما قرّر من أنّها حجزة عن الرين وما يوجب البعد ، ووصلة بين العبد والمولى ، يتوسّل إليه تعالى بالعبادة ، ويناجيه بقوله * ( « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ) * بتقديم ما يفيد الحصر ، ولعلّ قصده في التعبير بالمتكلَّم مع الغير هو : أنّه في صفّ سائر الموجودات العابدة له تعالى ، إذ اللَّه ربّ للعالمين الَّذين يعبدون ربّهم الواحد ، أو هو أنّه في صفّ سائر المصلَّين الراكعين الساجدين الَّذين أمرنا اللَّه تعالى بأن نكون معهم ، كما قال تعالى * ( « وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ » ) * « 9 » ، أو هو أنّه مع قلبه وسائر جوانحه وجوارحه بائتمامهم بإمامهم ، أي : العقل القاهر على ما عداه يعبدونه تعالى ؛ لأنّ المؤمن وحده جماعة ، كما تفطَّن له المجلسيّ الأوّل قدّس سرّه « 10 » .

وعلى أيّ تقدير : يحتاج السالك في طيّ طريق العبادة الصالحة لأن توصل العبد إلى مولاه وتجعل معقولة مشهوده إلى الإعانة ، ولمّا انحصرت الربوبيّة في اللَّه تعالى فلا معين إلَّا هو ، ولذلك يناجي ربّه بقوله * ( « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » ) * بتقديم ما تقدّمه يفيد الحصر ، وحيث إنّ اللَّه سبحانه معين من استعانة فيعينه بما استدعاه ، ويهديه إلى صراط الَّذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، فهؤلاء الَّذين هم على الصراط المستقيم – وهم المنعم عليهم – هم الَّذين يعبدون اللَّه سبحانه ويناجونه ، والمصلَّي يرى نفسه معهم ، وهم الَّذين لم يخلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا ، بل هم الَّذين خلصوا من دم الإفراط ، وروث التفريط ، ونجوا من الغضب والضلالة ، وقالوا : ربّنا اللَّه واستقاموا ، فتتنزّل عليهم الملائكة المبشّرات .

والمصلَّي إذا نجا من جانبي الغضب والضلال ومشى على الصراط السويّ وأخلص عبادته للَّه تعالى يأتيه اليقين ، أي : عين اليقين ، فيشاهد ما فهمه بالبرهان ، ويجد ما وعده القرآن بقوله تعالى * ( « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » ) * « 11 » ، إذ المراد من الآية : هو بيان الفائدة ، لا الغاية ؛ لأنّ معناها : أنّ من بركات العبادة وفوائدها هو : حصول اليقين ، لا أنّ المراد منها هو تحديد العبادة وتعيين حدّها به ، بحيث إذا حصل اليقين ما زالت الحاجة إلى العبادة ، بأن تكون العبادة بمنزلة النعلين ، حتّى إذا بلغ السالك إلى الوادي المقدّس – اليقين – يلزم خلعهما ، بل العبادة بمنزلة المقدّمتين للنتيجة ، والمرقاة للصعود إلى الدرجة الراقية ، بحيث يلزم حفظ المقدّمتين للنتيجة حدوثا وبقاء وكذا صون السلَّم للصعود ، حتّى إذا زالت المقدمتان زالت النتيجة ، وإذا سقط السلَّم هبط الصاعد كهبوط الشيطان المرجوم بقوله تعالى :

* ( « فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها » ) * « 12 » .

ثمّ إنّ المصلَّي المناجي ربّه قد يكون نجواه بلا وسيط من حجاب أو رسول ، وقد يكون من وراء حجاب ، وقد يكون بوساطة رسول ، كما أنّ اللَّه تعالى المتكلَّم لعبده لا يكلَّمه إلَّا بأحد الأنحاء الثلاثة حسبما أفاده في سورة الشورى ، حيث قال تعالى :

* ( « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَه ُ ا للهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِه ِ ما يَشاءُ إِنَّه ُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » ) * « 13 » .

والسبب في التثليث المذكور هو ضعف الممكن عن التكلَّم ، أو الاستماع بلا وسيط دائما ، بل إنّما هو للأوحديّ من الإنسان حيّنا ، وحيث إنّ تكلَّم العبد مع مولاه فرع تكليم اللَّه إيّاه وكان ذلك على ثلاثة أنحاء كان تكلَّم العبد أيضا كذلك ، ولا بدّ هنا من التنبّه لأمرين :

أحدهما : أنّ اللَّه الحائل بين المرء وقلبه أقرب إلى المصلَّي المناجي من نفسه إليه فضلا عن غيره ، فلا وسيط ولا حاجب من ناحيته تعالى ، إنّما الوساطة والحجاب من جانب المستمع الواعي دائما .

وثانيهما : أنّ الحجاب المنتفي في القسم الأوّل من الأنحاء الثلاثة إنّما هو بالقياس إلى النحوين الآخرين المذكور أحدهما في القسم الثاني ، وهو ما يكون من وراء حجاب ، والآخر في القسم الثالث ، وهو ما يكون بإرسال الرسول . وأمّا بالقياس إلى نفسه فهو أيضا حجاب لا محالة ؛ لأنّ الممكن المحدود يكون أصل وجوده وحدّه وتقيّده وتعيّنه حجابا عن شهود الوجود البحت ، المطلق المنزّه عن الحدّ المقدّس عن القيد ، فلا حجاب بينه وبين اللَّه سبحانه إلَّا نفسه كما أشار إليه بعض النصوص .

ومن هنا يمكن أن يقال بأنّ التكليم منحصر في وراء الحجاب ، وكذا النجوى منحصر فيه ، ولقد أفاد صاحب الفتوحات حصر المناجاة في وراء الحجاب « 14 » ، وإن كان الحقّ هو : كون الحصر من جانبي التكليم والنجوى ، وكون منشإ الحجاب فيهما هو قصور الممكن وضعفه ، حتّى في مرتبة الفناء الذي لا يشاهد فيه الفاني نفسه ؛ لأنّ ذاته المحدودة وإن لم تكن مشهودة حينذاك ولكنّها ليست معدومة ، وإلَّا لما كان الفناء كمالا ، بل موجودة ، فإذا كانت موجودة فلها حكمها الخاصّ من الحجاب ، فتدبّر .

فعند اتّضاح أنحاء النجوى وأنّ الأصل الحاكم في أنحائه هو كونه من وراء الحجاب وأنّ نفي الحجاب نسبيّ لا نفسيّ يتبيّن معنى الخطاب في قوله * ( « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » ) * ، ومعنى الدعاء الشفهيّ في قوله * ( « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » ) * ، كما أنّه يتبيّن سرّ تقديم التوجّه بالأولياء في افتتاح الصلاة ، وقبل دخولها « 15 » ، إذ الخطاب والدعاء لأكثر الناس بل لكثيرهم ليس إلَّا من وراء الحجاب وإن كان ذلك الحجاب من قبلهم لا من اللَّه سبحانه . وأمّا الأوحديّ من الَّذين استخلصهم اللَّه لنفسه نجيّا فهو وإن لم يكن هناك حجاب مركوم ومركَّب ولكن لا محيص هنالك عن الحجاب البسيط ، وهو نفس ذاك المناجي وذاته .

هذا نبذ ممّا يرجع إلى أصل النداء والنجوى وأنحائه ، وإلى ما تحويه سورة الحمد ، مع أنّ أصل الحمد من تعليم اللَّه سبحانه ، إذ لو حبس عرفان حمده عن عباده على ما أبلاهم من مننه المتتابعة وأسبغ عليهم من نعمة المتظاهرة لتصرّفوا في مننه فلم يحمدوه ، وتوسّعوا في رزقه فلم يشكروه ، ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الإنسانيّة إلى حدّ البهيميّة ، فكانوا كما وصف في محكم كتابه * ( « إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » ) * « 16 » ، على ما أفاده مولانا السجاد – عليه السلام – في صحيفته « 17 » ، فعليه يكون الحمد فصلا مقوّما أخيرا للإنسان فهو ناطق حامد .

وأمّا ما يرجع إلى السورة فحيث إنّ المصلَّي له الخيرة في قراءة أيّة سورة شاء من القرآن – عدا العزائم الأربع – فلا مجال للبحث عن سرّ سورة خاصّة يعيّنها إلَّا بما يرجع إلى أصل الخطاب ، وإلى أصل القرآن ، وقد مرّ منها ما يناسب هذا المختصر ، ولكن لمّا قرأ رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله – في المعراج سورة التوحيد – حسبما أمره اللَّه تعالى بأن قال : « اقرأ يا محمّد نسبة ربّك قل هو اللَّه أحد » « 18 » – فبالحري أن يشار إلى شطر من سرّها .

وليعلم : أنّه قد ورد في شأن سورة التوحيد ، وكذا الآيات الستّ من أوّل سورة الحديد ما لا ينبغي الذهول عنه ، وهو ما رواه الكلينيّ – رحمه اللَّه – بإسناده عن عاصم ابن حميد قال : سئل عليّ بن الحسين – عليهما السّلام – عن التوحيد ؟ فقال : « إنّ اللَّه – عزّ وجلّ – علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون ، فأنزل اللَّه تعالى * ( « قُلْ هُوَ ا للهُ أَحَدٌ » ) * ، والآيات من سورة الحديد إلى قوله * ( « وَا للهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » ) * ، فمن رام وراء ذلك فقد هلك » « 19 » .

إنّ التعمّق : هو التأمّل في العمق ، كما أنّ التدبّر : هو التأمّل في الدبر ، وحيث إنّ للقرآن بطنا بل بطونا فللتعمّق فيه مجال ، كما أنّ له إنباء عمّا يأتي من الحوادث فللتدبّر فيه مجال أيضا . والقرآن آخر كتاب إلهيّ نزل ، وهو خاتم الكتب وخاتم الصحف ، والناس في تكامل حلومهم إلى حدّ يليقون لظهور خاتم الأولياء وخاتم الأوصياء المهديّ المنتظر أرواحنا فداه ، وحينذاك تتعالى العلوم الشهوديّة ، باطَّلاع غير واحد من الناس على الغيب بما يراه من نوره ، وتتكامل العلوم الحصوليّة بعثور غير واحد من الأذكياء على براهين المبدأ والمعاد ، فلا بدّ من علم شهوديّ جامع ، وكذا من علم برهانيّ كافل ، ولكلّ واحد منهما أصحاب ورجال يختصّ به ، ووليّ العصر – عليه السّلام – هو المعلَّم الجامع بين الغيب والشهود ، كما أنّ القرآن كتاب كافل لهما وعلى كاهله تعليم الحكماء ، وإراءة العرفاء فلذا يلزم أن يشمل على ما لا حدّ فوقه ، ولا مقام إمكانيّ وراءه ، وكل حدّ برهانيّ أو مقام شهوديّ يفهمه الحكيم أو يشهده العارف فالقرآن واجد له ، وحيث إنّ الأساس لجميع المعارف هو التوحيد – وكلَّما كمل العلم به كمل العلم بغيره من المعارف الراجعة إليه – فلذا أنزل اللَّه سبحانه ما هو الشامل لأقصى مراتب البرهان ، وأعلى درجات العرفان ، كما هو المترقّب من القرآن الهادي لهما إلى لقاء الرّحمن .

ومن هنا تبيّن أنّ ظاهر النصّ المذكور هو مدح التعمّق ، وترغيب المتعمّقين ، وأنّه لا حدّ وراء ما تحويه سورة التوحيد والآيات الستّ من سورة الحديد ، وأنّ تهلكة من رام وراءه فإنّما هي إرشاد إلى نفي الحدّ الفائق ، إذ السلوك فيما لا طريق إليه ولا حدّ له تيه ، والتائه هالك ، والهالك عن بيّنة في جهنم لا رحمة فيها ، كما في نهج البلاغة الكتاب 20 : « دار ليس فيها رحمة ولا تسمع فيها دعوة » .

إنّ رواسي الحكمة المتعالية وأوتادها الَّذين وتّد اللَّه سبحانه بهم بعد الأئمّة الأطهار – عليهم السّلام – ميدان أرض المعرفة ، لئلَّا يزلّ أو يضلّ أو يذلّ من ليس له حكيم يرشده ، قد استنبطوا من هذا الحديث النورانيّ ، أنّه في سياق مدح المتعمّقين ، حيث قال صدر المتألَّهين – قدّس سرّه – ما عصارته : إنّ هذا العبد كان في سالف الزمان متأمّلا في رموز القرآن وإشاراته ، وكان المتفتّح من آيات هذه السورة أكثر من غيرها ، فحداني ذلك إلى تفسير القرآن . ، وكان أوّل ما أخذت في تفسيره هذه السورة ( سورة الحديد ) . ثمّ بعد أن وقع إتمام تفسيرها . واتّفقت مصادفتي لهذا الحديث . ، فاهتزّ خاطري . ، وانبسط نشاطي . ، فشكرت اللَّه على ما أنعم . « 20 » .

وقد اقتفى صهره في الوافي أثره ؛ لأنّه منه كالضوء من الضوء ، وكالصنو من الصنو ، والذراع من العضد ، حيث قال رحمه اللَّه : لعلَّه – عليه السّلام – أشار بالمتعمّقين إلى أكابر أهل المعرفة ، ولعمري أنّ في سورتي : التوحيد والحديد ما لا يدرك غوره إلَّا الأوحديّ الفريد ؛ ولا سيّما الآيات الأول من سورة الحديد ، وخصوصا قوله عزّ وجلّ * ( « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » ) * « 21 » ! ولكنّ العلَّامة المجلسيّ – قدّس سرّه – بعد وصفه الحديث بأنّه صحيح احتمل في قوله عليه السّلام : « المتعمّقون » ثلاثة احتمالات :

الأوّل : أن يكون أمرا بالتعمّق ، فالمعنى : ليتعمّقوا فيه .

الثاني : أن يكون نهيا عنه ، فالمعنى : لا يتعمّقوا كثيرا بأفكارهم ، بل يقتصروا في معرفته سبحانه على ما بيّن لهم .

الثالث : أن لا يكون بمعنى الإنشاء ، سواء كان أمرا كالأوّل ، أو نهيا كالثاني ، بل هو إخبار ، ومبيّن للضابط والمعيار الذي يعرضون أفكارهم عليها ، فلا يزلَّوا ولا يخطأوا ، ثم قال رحمه اللَّه : والأوسط أظهر ، أي : كونه نهيا عن التعمّق بأفكارهم أظهر ؛ للزوم الاقتصار على ما بيّن لهم « 22 » .

أقول : الظاهر هو الأخير ، إذ لا مجال لحمل قوله عليه السّلام : « متعمّقون » على الإنشاء أوّلا ، ولكفاية الآيات الدالَّة على أنّه تعالى * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ ) * ، وأنّهم * ( لا يُحِيطُونَ بِه ِ عِلْماً ) * ، وأنّه * ( لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ ) * ثانيا بلا فاقة إلى نزول هاتين السورتين ، ولأنّ نطاق هاتين السورتين مفيد لغير واحد من الأوصاف الإلهيّة الَّتي ترتعد فرائص العقول حولها ثالثا ، ولو كان الهدف السامي لنزولهما هو النهي عن التعمّق ونحو ذلك لكان لهما لسان آخر ، فالصواب هو : أنّ محتواهما بيان للمعيار النهائيّ في التوحيد حتّى تعرض عليه الأفكار والآراء كما استنبطه أساطين الحكمة ، فمحتوى السورتين ميزان قسط لا يحيد ، فلا بدّ من عرض المعارف عليه .

ومن هنا يظهر : أنّ ما أفاده بعض مشايخنا « 23 » – قدّس سرّه – من : أنّ الأظهر أنّ الرواية ذمّ للمتعمّقين إلى الَّذين يتصدّون لمعرفة ما لا يناله الإنسان من ذات اللَّه تعالى ، وأمر لهم بالاكتفاء بمفاد الآيات « 24 » ليس بتامّ ؛ لأنّ المطلب المذكور وإن كان حقّا في نفسه – لأنّ التصدّي لما لا ينال تهلكة وتيه – ولكنّ السورتين قد اشتملتا على معارف جمّة لم يكن في وسع من قدّمه الدهر أن ينالها ، كما لم يؤثر عنهم ما نالته رجال من فارس ، ولو لم يصدّر قوله – رحمه اللَّه – بما نقل عن صدر المتألَّهين – قدّس سرّه – لكان لمقالة وجه وجيه ، ولكنّه – رحمه اللَّه – نقل أوّلا قول صدر المتألَّهين رحمه اللَّه ، ثمّ أتى بما نقل ، ولقد أجاد – قدّس سرّه – في تعليقته على شرح المولى الصالح للأصول من الكافي ، حيث فصل بين التعمّق المذموم والممدوح ، وقال رحمه اللَّه :

وأمّا المذموم فالتعمّق فيما لا تصل إليه العقول من الكلام في الذات وتشبيهه تعالى بالأجسام . وأمّا الممدوح فالتفكَّر في عظمته وقدرته وحكمته وما يصل إليه العقول من صفاته « 25 » . كما أنّه أجاد الشارح – أي : المولى الصالح – في شرحه فراجع

وبالجملة : أنّ سورة التوحيد وأوائل الحديد لاشتمالهما على الضابط الإلهيّ المصون عن أيّة مغالطة تكون ذريعة لنيل أسرار الصلاة وشهودها ؛ لأنّ المعرفة الحصوليّة بذر المشاهدة الحضورية كما قيل .

ولا مساغ لأحد أن يخالف ما في هاتين السورتين ، أو يختلف عنه ، أو يخلَّفه ، إذ المخالف له مناقض للقرآن الذي لا ريب فيه ، فالمخالف يتردّد في ريبة ، إذ مخالف ما لا ريب فيه مريب ، وأمّا المختلف معه المتخلَّف عنه فهو قاصر مفرّط . ومن المعلوم أنّ المتأخّر عن الحقّ زاهق ، والمتقدّم عليه المخلَّف له – أي : الذي يجعل نفسه إمام القرآن وأمامه ، ويجعل القرآن خلفه – فهو متعدّ مفرط . ومن الواضح أنّ المتقدّم على الحقّ مارق ، ومن سار على ما تهديه السورتان وسلك سبيلهما كاد أن يصل إلى سرّهما الذي هو الموجود العينيّ المتجلَّي بصورة السورة ، والمكتسي بكسوتها ؛ لأنّ اللازم للحقّ لا حق .

وليعلم : أنّ في بعض نصوص المعراج : أنّه قد أوحى اللَّه تعالى إلى رسوله – صلَّى اللَّه عليه وآله – الذي عرج به – في قراءة الركعة الأولى : اقرأ يا محمّد نسبة ربّك تعالى * ( « قُلْ هُوَ ا للهُ أَحَدٌ ا للهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ » ) * ، وفي قراءة الركعة الثانية : اقرأ « إنّا أنزلناه » فإنّها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة .

والذي يستفاد من هذا التعبير هو : أنّ نسبة كلّ موجود وما ينتمي هو به إنّما هو الوجود الخاصّ ، والكمال الوجوديّ المخصوص . وأمّا العنوان الاعتباريّ والإضافة الطارئة الَّتي لا مساس لها بذات الشيء فلا دخل لشيء من ذلك في الانتماء .

والذي يصلح لأن يجعل نسبة الربّ تعالى هو الهويّة المطلقة الأحديّة البحتة الصمديّة الصرفة ، مسلوبا عن ذلك كلّ ما يرجع إلى النقص ، والذي يصلح لأن يجعل نسبة الرسول – صلَّى اللَّه عليه وآله – وأهل بيته – أي : انتماء الإنسان الكامل ، والخليفة الشامل الجامع – هو كون قلبه مهبط الوحي ، وموطن الملائكة النازلة به فيما يرجع إلى التشريع أو غيره في خصوص الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، وفيما يؤول إلى غير التشريع في غيره صلى اللَّه عليه وآله ، والغرض : هو أنّ نسبة كلّ موجود إمكانيّ فإنّما هي تربطه إلى الأحد الصمد الذي هو المنسوب إليه لكلّ ما سواه .

وقد يلاحظ الترتيب في قوس النزول عكس ما في قوس الصعود ؛ لأنّ الصاعد إلى اللَّه يقرأ نسبة أهل البيت عليهم السّلام – أي : « إنّا أنزلناه . » في الركعة الأولى – ونسبة الربّ تعالى ، أي : « قل هو اللَّه أحد . » – في الركعة الثانية ؛ لأنّ الربّ تعالى مدينة الحقّ والتحقّق ، والإنسان الكامل بابها ، حسبما يستفاد من أدعية التكبيرات الافتتاحيّة كما تقدّم ، ويؤيّده ما في الزيارة الجامعة « . من أراد اللَّه بدأ بكم » ، وما في رواية الفقيه « 26 » .

وإن كان الأمر في قوس النزول هو ما مرّ ؛ لأنّه تعالى أوّل كلّ شيء . نعم ، أوليّة كلّ شيء بأوّليّته تعالى ، وآخريّة كلّ شيء بآخريّته تعالى ؛ لأنّ ما بالعرض لا بدّ وأن ينتهي إلى ما بالذات ، وأمّا هو تعالى فهو الأوّل بلا شيء كان قبله ، وهو الآخر بلا شيء يكون بعده .

أمّا القراءة في غير الأوليين فتجوز الفاتحة كما يجوز التسبيح ، أي : سبحان اللَّه ، والحمد للَّه ، ولا إله إلَّا اللَّه ، واللَّه أكبر ، والنصوص في بيان ما هو الأفضل فهما – أي :

القراءة والتسبيح – متعدّدة ، وفي بعضها تفصيل بين الإمام وغيره « 27 » . وعلى أيّ تقدير : لو اختير التسبيح لكان اللازم على السائر سبيل السرّ الصائر إليه أن يتنبّه بما ورد من سرّ تربيع التسبيح ، وأنّه واقعيّة عينيّة ينتظم بها العرش وما دونه ، حيث إنّه ورد في سبب تكعّب الكعبة وبنائها على الجدران الأربعة من التعليل بكون البيت المعمور مربّعا ، المعلَّل تربيع ذلك البيت المعمور بكون العرش مضلَّعا بأضلاع أربعة ، وجهات أربع ، المعلَّل تربيع العرش بكون التسبيح أربعا ، وهي : « سبحان اللَّه . » .

والذي يستفاد من هذا التعليل هو : أنّ للتسبيح الجامع للتحميد والتهليل والتكبير وجودا خارجيّا ، وأثرا عينيّا مقدّما على العرش الذي منه ينتشئ الأوامر الإلهيّة ، وسببا لأن يهيّأ العرش على مثال ذلك التسبيح ، ولكلّ ضلع من أضلاع العرش حكم يختصّ به وإن كان الكلّ في الوجود الجمعيّ واحدا ، لا صدع ولا شعب فيه .
فتبيّن في هذه الصلة أمور :

الأوّل : أنّ للقرآن سرّا ، وأنّه لا مجال هنالك للَّفظ الاعتباريّ من العربيّة أو العبريّة أو نحو ذلك ، ولا يناله إلَّا اللبيب الذي لا يحوم حوم لبّه سوى حبّ المعبود المتكلَّم بذلك الكلام .

الثاني : أنّ « بسم اللَّه » من العبد بمنزلة « كن » من الربّ ، وأنّه حاو لأعظم الأسماء .

الثالث : أنّ الاسم المؤثّر في العين موجود خارجيّ لا اعتباريّ ، وأنّ ذلك الموجود العينيّ مسبّب ، ولا ينال ذلك إلَّا بخرق الحجب .

الرابع : أنّ اللَّه هو الحامد والمحمود ، وعلل حصر الحمد فيه تعالى .

الخامس : أنّ « الرحمن » اسم أعظم عند بعض أهل المعرفة .

السادس : أنّ فاتحة الكتاب تحميد ودعاء كما في بعض النصوص « 28 » ، وأنّها كافلة للمعارف الثلاث من المبدأ والمعاد وما بينهما .

السابع : أنّ العبادة منحصرة للَّه ، والاستعانة به تعالى .

الثامن : بيان المنعم عليه ، ومن هو على الصراط المستقيم .

التاسع : أنّ اليقين فائدة العبادة المتحقّق بوجودها ، الدائم بدوامها ، الزائل بزوالها ، لا أنّه غايتها وحدّها الباقي بعد زوالها ؛ لأنّه زعم زائف ، وإفك آفل ، وفرض فائل .

العاشر : أنّ نعلي السالك يخلعان بعد الوصول إلى المقصود ، وأنّ مقدّمتي البرهان تحفظان بعد العثور على المطلوب .

الحادي عشر : أنّ أنحاء التكلَّم مع اللَّه ثلاثة ، وأنّ الميز بينها في قلَّة الحجاب وكثرته لا في أصل الحجاب وجودا وعدما .

الثاني عشر : أنّ الفناء الذي هو من منازل السائرين ومقاصد الصائرين هو : عدم الشهود ، لا زوال الوجود ؛ لأنّ الفناء كمال ، وزوال الوجود نقص .

الثالث عشر : أنّ الحمد من تعليم اللَّه ، ولولاه لتصرّف الناس في المنن بلا حمد ، ولصاروا بهائم ، وأنّ الفصل المقوّم للإنسان الناطق هو : الحمد ، فالإنسان حيوان ناطق حامد .

الرابع عشر : ترغيب المتعمّقين بالتدبّر في سورة التوحيد وأوائل سورة الحديد ، عدا التخصيص بالتأمّل في القرآن كلَّه .

الخامس عشر : تكامل العقول والحلوم عند ظهور خاتم الأوصياء عليه السّلام .

السادس عشر : أنّ الحكماء المتألَّهين هم الأوتاد والرواسي لأرض المعرفة .

السابع عشر : تضارب الآراء في معنى حديث السجّاد عليه السّلام ، والتعمّق المذموم والممدوح .

الثامن عشر : أنّ سورة التوحيد هي نسبة الربّ ، وسورة « إنّا أنزلناه » ، هي نسبة أهل البيت عليهم السّلام .

التاسع عشر : العبرة بين قوسي النزول والصعود في تقديم إحدى سورتي التوحيد و « إنّا أنزلناه » على الأخرى .

العشرون : أنّ تربيع العرش مستند إلى تربيع التسبيح ، فالمصلَّي المناجي ربّه إذا استعاذ في بدء الصلاة باللَّه ممّا استعاذ منه عباده المخلصون يصير قلبه عرش الرحمن ، حيث إنّ العرش على شاكلة التسبيح الأربع ، فالمسبّح بالقلب ، المقدّس باللبّ ، المناجي بالسرّ بالغ عرش ربّه بإذنه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
« 1 » عوالي اللآلئ : ج 1 ص 196 ح 2 عن النبي ( ص ) .
« 2 » الزخرف : 3 و 4 .
« 3 » نهج البلاغة : الخطبة « 186 » .
« 4 » انظر الفتوحات المكّيّة .
« 5 » الأعلى : 1 .
« 6 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 10 .
« 7 » راجع الفتوحات المكّيّة .
« 8 » الإسراء : 110 .
« 9 » البقرة : 43 .
« 10 » روضة المتّقين : ج 2 ص 486 .
« 11 » الحجر : 99 .
« 12 » الأعراف : 13 .
« 13 » الشورى : 51 .
« 14 » الفتوحات المكّيّة : ج 1 ص 410 .
« 15 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 2 و 3 .
« 16 » الفرقان : 44 .
« 17 » الدعاء الأوّل في التحميد .
« 18 » راجع حديث المعراج المتقدّم .
« 19 » الأصول من الكافي : ج 1 باب النسبة ص 91 .
« 20 » شرح الأصول من الكافي : ص 248 الطبعة الحجريّة .
« 21 » الوافي : ج 1 ص 369 ط مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام .
« 22 » مرآة العقول : ج 1 ص 320 ط دار الكتب الإماميّة .
« 23 » هو العلامة الشعرانيّ رحمه اللَّه .
« 24 » الوافي : ج 1 ص 369 .
« 25 » شرح المولى الصالح المازندراني – رحمه اللَّه – للأصول من الكافي : ج 3 ص 190 .
« 26 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 64 .
« 27 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 188 – 192 .
« 28 » جامع أحاديث الشيعة : ج 5 ص 190 ، عن التهذيب .

اسرار الصلاة / الشيخ الجوادي الآملي

للمشاركة:

روابط ذات صلة

تفسير سورة الهُمزة
تفسير سورة الهُمزة
التربيـة علـى احتــرام المقدّسـات
من كلام السيد عباس الموسوي(ره)التربيـة علـى احتــرام المقدّسـات
في ذكرى رحيل هادي البشرية (ص) والامام الحسن بن علي (ع)
في ذكرى رحيل هادي البشرية (ص) والامام الحسن بن علي (ع)
شرح حديث نبوي حول المؤمنين الذين تفوق منزلتهم منزلة صحابة رسول الله (ص)
شاهد : شرح حديث نبوي حول المؤمنين الذين تفوق منزلتهم منزلة صحابة رسول الله (ص)
الامام الخامنئي (دام ظله ) التأسيس النبوي لمجتمع الإيمان
الامام الخامنئي (دام ظله ) التأسيس النبوي لمجتمع الإيمان

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل