أم البنين رمز التضحية في العالمين

أُمُّ البَنِين رَمزُ التَّضحِيَةِ فِي العَالَمِين

الحسين أحمد كريمو

في هذه الأيام نعيش ذكرى وفاة – بل شهادة- تلك المرأة الفاضلة، والسيِّدة الجليلة فاطمة بنت حزام الكلابية المعروفة بأم البنين التي أعطت من نفسها ووجودها ما لم تُعطه امرأة أخرى في هذه الحياة، حيث انتقلت إلى رحمة الله في 13 جمادى الآخرة سنة: 64 هـ في المدينة المنورة. ودفنت بالجهة الغربية من جنَّة بقيع الغرقد حيث يتشرَّف المؤمنون من الزائرين لقبرها ومرقدها الطاهر، ويطلبون حوائجهم فتقضى بشفاعتها وبركتها لأنها باب من أبواب الله في هذه الحياة.

ولكن ما يُلفت النَّظر في سيرة هذه المرأة الفاضلة هي هذا المقام. وهذه المكانة العالية عند الله. ليجعلها باباً من أبواب الحوائج، ويلجأ إليها الملايين فتقضى حوائجهم ببركاتها وشفاعتها إلى الله بقضائها فبأي شيء استحقَّت هذه المكانة المكينة عند الله تعالى؟

وهذا السؤال وربما الإشكال كان يطرحه الكثير من الغرباء، وحتى من المقربين والموالين والمحبين لها، لأنها صارت رمزاً لهم جميعاً ووسيلة إلى قضاء حوائجهم ببركتها، فيستغربون من ذلك لا سيما وأنهم يجدون السُّرعة في استجابة الدُّعاء والضَّراعة إلى الله بحقِّها ومكانتها عنده، فتُقضي حاجاتهم المستعصية بطرفة عين تقريباً.

وهذا في الحقيقة والواقع هو سر من أسرار الله المودعة في خلقه. لأن الله تعالى الذي خلق هذا الإنسان وفضَّله وكرَّمه وقرَّبه إلى ساحات قدسه، وكساه بالنور أكثر كلما كان أقرب. وأحب إلى الله تعالى. وهذه المحبوبية هي شرط للقرب من الله تعالى. لأن الله إذا أحبَّ عبداً اجتباه واصطفاه وارتضاه فقرَّبه وأعطاه حتى يكون مِثْلَهُ. أو مَثَلَهُ في الخَلق. ففي الحديث القدسي الوارد: (عَبدِي أَطِعنِي تَكُنْ مِثْلِي (أَو مَثَلِي)، تَقُلْ لِلشَّيءِ كُنْ فَيَكُون). فهذا ليس غريباً لمَنْ فقِه في الدِّين، وأدرك الحقائق الكبرى في الحياة.

والعجيب أن الله سبحانه وتعالى علَّق محبته وطاعته على محبة رسوله الأكرم وطاعته مقدِّماً ذلك على محبته وطاعته حيث يقول: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31). والاتِّباع هي الطاعة الواعية للرسول الأكرم (ص) في كل ما جاء به عن الله تعالى. ولذا ربنا سبحانه جعل المحبَّة تابعة للطاعة. ومقدِّمة للقرب من الرَّب سبحانه وتعالى، وطاعة الرسول هي بطول طاعة الله. وكذلك طاعة ولي الله هي طاعة للرسول بكل معنى الكلمة، ولذا قال الله تعالى في محكم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59). هذه الطاعة لبُّها وجوهرها واحد لأن الله تعالى عندما يُرسلُ رسولاً ليُطاع بإذنه، وعندما يجعل ولياً وإماماً ليُطاع بأمره، وهذا ما أدركه وعلمه وفقهه المؤمنون عن الله ورسوله ودانوا لله به.

وهنا يكمن سر السيدة فاطمة بنت حزام أم البنين التي جاءت إلى بيت الولاية والإمامة الذي أمر الله ألَّا يدخله أحد إلا بإذنهم، وأهله أهل الله الذين اصطفاهم وفضَّلهم على العالمين وطهَّرهم تطهيراً كما في آية التطهير المباركة، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33)

فهذه السيدة المؤمنة الفاضلة فاطمة بنت حزام أم البنين  جاءت ودخلت في هذا البيت الشَّامخ في الولاية، والرَّاسخ في الإمامة وعرفت أين دخلت، ومَنْ تُعامل فيه فأنكرت وجودها ونفسها وهجرت حتى اسمَها وكرَّست كل حياتها لتكون خادمة لأهل البيت (ع). وليس سيدة تتصرف كما تتصرف زوجة الأب في بيته وأبنائه كالمعتاد في البشر بل أعلنت: أنني جئتُ خادمة لأبناء وبيت فاطمة الزهراء (ع) سيدة النساء. وسيدي ومولاي وإمامي أمير المؤمنين وسيد الوصيين. وعلى هذا ربَّت أبناءها الأربعة فجاؤوا آية في الفضل. والشَّرف. والفخر.

فعظمة السيدة أم البنين في إيمانها. وعلمها. ومعرفتها بولي الله الأعظم. وأهل البيت الأطهار ومقامهم وخدمتها لهم. وجعل نفسها وأولادها الخمسة في خدمة هؤلاء الأطهار. ولما جاءت ساعة الامتحان والاختبار نجحت بامتياز. حيث قدَّمت أولاها الأربعة فداء لأخيهم وإمامهم الحسين (ع) في يوم كربلاء. المأساة الدائمة لا سيما قمر العشيرة سيدنا أبو الفضل والفضائل العباس بن علي. الذي كان ومازال وسيبقى فخر الهواشم الأكارم. ولواء كربلاء الدائم، وقمر الحسين في عاشورء الذي لا يغيب.

وهي كذلك عندما رجعت السيدة زينب (ع) وركب السبايا إلى المدينة المنورة والمفجوعة بسادتها لم تحد قيد أنملة عن ولائها وإيمانها فكان سؤالها الأول والأخير عن سيِّدها وولدها الإمام الحسين (ع) ثم أقامت مجلس عزاء مستمر في صحراء المدينة لأكثر من ثلاث سنوات حتى أبكت كل عدوٍّ وصديق، إلى أن توفيت واستشهدت على ذات الطريق وبنفس الولاء والإيمان الراسخ.

بهذا استحقَّت أن تكون باباً للحوائج. وذات مكانة عظيمة عند الله لأنها أطاعت وليَّه. ورسوله وخدمته بكل حياتها ووجودها بل كرَّست كل ما فيها لأجل الله ورسوله، فقرَّبها وأحبها وانتجبها وجعلها باباً لحوائجه في العالمين. لأنها أعطت كل ما لديها لله. فأعطاها الله هذا المقام. وتلك المكانة الشَّامخة في هذه الدنيا.

للمشاركة:

روابط ذات صلة

islamasil2-2
زيارة الإمام الخامنئي (دام ظله ) المرقد المطهر للإمام الخميني ...
islamasil (34)
الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) يتألق في ...
islamasil-9
لقاء روّاد الأعمال والمنتجين والمتخصّصين في الشركات المعرفيّة مع الإمام الخامنئي ( دام ظله )
نشر معالم الزينة في أرجاء الصحن الحيدري الشريف ضمن ...
نشر معالم الزينة في أرجاء الصحن الحيدري الشريف ضمن ...
ضرر العناد
ضرر العناد

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل