Search
Close this search box.

منزلة القرآن في خطب الامام علي(ع) في نهج البلاغة

قد تناول الإمام علی(ع) موضوع القرآن الكريم في أكثر من عشرين خطبة في نهج البلاغة وصف فيها منزلة کتاب الله تعالى ودوره في حياة المسلمين وواجب المسلمين إزاء القرآن الكريم.

إن ولادة الإمام علي(عليه السلام) في الكعبة الشريفةهي معجزة إلهية أرادها الله عز وجل أن تكون نوعاً من التعظيم والتكريم والتشريف للإمام علي(عليه السلام) والدليل على أنها كانت معجزة إلهية أن جدار الكعبة وكما في كثير من الروايات، شق لفاطمة بنت أسد(رضوان الله تعالى عليها) عندما جاءها المخاض لتدخل إلى جوف الكعبة وتتم الولادة العظيمة للإمام علي(عليه السلام)، هذا دليل على أن الإمام علي(ع) هو من أولياء الله الذين اصطفاهم، وهو من الذين حباهم الله بهذه النعمة التي لم تحصل لأحد من المسلمين قط، وهي دليل على عظمة هذا الإمام الذي يحفل تاريخه بكثير من المواقف والمواقع المهمة التي أكدت عظمته، يكفي ما قاله رسول الله(ص) عندما نزل إلى عمرو بن ود العامري: “برز الإيمان كله إلى الشرك كله” فهذه الولادة أيضاً هي من أجل أن تعلم الأمة مكانة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأهمية هذا الإمام العظيم، وهي لتساعد المشككين بولايته بأنه صاحب معجزة تدل على إمامته، بعد النص القرآني بالدلالة عليها.
سيرة الإمام علي(عليه السلام)
الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت ولادته في الثالث عشر من رجب سنة 23 قبل الهجرة، وهناك في هذه السيرة العظيمة كثير من المحطات التي يمكن أن نتحدث عنها طبعاً لاتكفي المساحة المتاحة من أجل أن نتحدث عن هذه السيرة برمتها، ولكن أختار بعض المواضع الشريفة أو المواضع العظيمة من سيرته.
عندما تأمرت قريش لقتل النبي(صلى الله عليه وآله سلم)، بات الإمام علي (عليه السلام) في فراشه حتى لا يتمكن الأعداء من قتل النبي (ص)، وهذا أيضاً دليل على أن هذا الإمام لا يهتم إلا للرسالة وتأدية الواجب، فعندما طلب منه رسول الله(ص) ذلك، قال له أوتسلم يا رسول الله؟ قال نعم، فقال لا هّم إذا، وبادر إلى النوم مكانه وبذلك سَلِمَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأيضاً في سيرته العظيمة أن رسول الله(ص) عندما وصل إلى المدينة المنورة آخَ بين المهاجرين والأنصار ولكنه أبقى علي بن أبي طالب(ع) من دون أن يؤاخي بينه وبين أحد من الأنصار وهذا ما استدعى نوعاً من التساؤل عند علي لماذا أبقاه على جنب؟ فقال له أولست ترضى أن تكون أخي؟ “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”. فآخى بينه وبين نفسه.
وشارك الإمام عليه السلام في جميع غزوات رسول الله(ص) ما عدا غزوة تبوك حيث استخلفه النبي(ص) على المدينة، وأيضاً من المحطات المهمة في سيرة الإمام (عليه السلام) هو عندما باهل رسول الله(ص) مع نصارى نجران وجاءت الآية الكريمة:(فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ) فعندها جاء رسول الله(ص) من الأولاد بالحسن والحسين عليهما السلام ومن النساء بفاطمة عليها السلام وجاء بعلي عليه السلام كتعبير عن نفسه: “أنفسنا وأنفسكم”، فكان علي بن أبي طالب(عليه السلام)  هو نفس رسول الله(ص).
من كنت أنا مولاه فهذا علي مولاه
ومن المكرمات في سيرته أن رسول الله(ص) عندما رجع من حجة الوداع ووصل إلى غدير خم جاء بعلي وخطب بالمسلمين، بعد أن رفع يد علي بن أبي طالب عليه السلام وقال:“من كنت أنا مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله، أدر الحق معه أينما ذهب” ولذلك سمي بأمير المؤمنين، ولكن الأمة لم تؤدِ التبليغ الذي بلغه رسول الله (ص) عن الإمام واختارت غيره للخلافة، إلا أنه ومن أجل الحفاظ على الإسلام وحفاظاً على وحدة المسلمين ترك الأمر على ما هو وبقي ينشغل بتقديم الخدمات العلمية والاجتماعية والنصح للقادة الذين تولوا الأمر، حتى قال عمر بن الخطاب:”لولا علي لهلك عمر” وقال أبو بكر:”لا أبقانا الله لمشكلات أو معضلات ليس لنا فيها أبو الحسن”.

ومن الأمور المهمة التي عمل بها أنه جمع القرآن الكريم وبادر إلى الإنفاق على الفقراء وعمل أموراً كثيرة في فترة ولاية الخلفاء الثلاثة إلى أن جاء دوره وأراد أن يراعي حقوق المسلمين، وأن لا يكون هناك تمييز في العطاء، وأراد أن يعطي الحقوق لأصحابها، وهذا ما أدى إلى استثارة من كانوا في موقع السلطة في أيام الخلفاء الثلاثة، ومنهم معاوية بن أبي سفيان الذي انشق عنه، وخاض بذلك الإمام علي عليه السلام حروباً ضد القاسطين والمارقين والخارجين على الولاية، وأخيراً استشهد الإمام عليه السلام في محراب مسجده في الكوفة وهو يصلي على يدي أحد الخوارج المعروف باسم عبد الرحمن ابن ملجم المرادي، ودفن في النجف الأشرف، هذا بعض من سيرته الطويلة والعظيمة وبعض المحطات المهمة، وكانت وفاته عليه السلام ليلة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة 40 للهجرة.

كثير من أتباع الديانات قرؤوا سيرة الإمام علي(ع)

الإمام علي عليه السلام لم يتوقف موضوع العارفين بحقه والمهتمين بسيرته على المسلمين، بل إن كثيراً من أتباع الديانات وحتى اللادينيين قرؤوا سيرة هذا الإمام العظيم، واستطاع كسب محبتهم واحترامهم وخاصة الأدباء والفلاسفة والمفكرين والمثقفين منهم، ومن الشخصيات المسيحية الكبيرة الذين تحدثوا عن الإمام علي عليه السلام (جبران خليل جبران الفيلسوف والشاعر اللبناني الكبير) الذي قال: “في عقيدتي أن ابن أبي طالب أول عربي لازم الروح الكلية وجاورها وسامرها، وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها فرددها على مسمع قوم لم يسمعوا مثلها من ذي قبل، فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم، فمن أعجب بها كان إعجابه موصوفاً موثوقاً بالفطرة، ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية، مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته، مات والصلاة بين شفتيه، مات وفي قلبه الشوق إلى ربه”.
منزلة القرآن في خطب الامام علي(ع) في نهج البلاغة
 ومن الذين تحدثوا عن الإمام علي عليه السلام (الأديب والشاعر الكبير بولس سلامة) المعروف بملحمته الغديرية الشهيرة التي قال فيها:” لا تقل شيعة هواة علي إن في كل منصفٍ شيعياً، جلجل الحق في المسيحي حتى صار من فرط حبه علويا” وأيضاً من الأدباء الكبار من جيل النهضة الفكرية والثقافية (الأديب الكبير ميخائيل نعيمة) الذي قال عن الإمام علي عليه السلام: “لا تسألني رأيي في الإمام علي كرم الله وجهه ورأيي أنه بعد النبي سيد العرب على الإطلاق بلاغة وحكمة وتفهماً للدين وتحمساً للحق وتسامياً عن الدنيا”. وهذا (الشاعر الكبير سعيد عقل) قال في قصيدته الشهيرة بالإمام علي عليه السلام:

كلامي على رب الكلام هوى صعب           تهيبت إلا أنني السيف لم ينب
  حببت عليا مذ عرفت شمائله                   له اللغتان القول يشمخ والعضب
وأيضاً (الأديب الكبير جورج جرداق) الذي تحدث في موسوعته الشهيرة “الإمام علي صوت العدالة الإنسانية” الذي تضمن أبحاثاً قيمةً تستهدف الكشف عن عظيم شخصية الإمام علي عليه السلام فكتب عن علي (عليه السلام) وحقوق الإنسان، علي والثورة الفلسطينية، علي وسقراط، علي وعصره، علي والقومية العربية، ومن جميل قوله قال: “علي (عليه السلام) الذي قاوم جيوشاً من الطغاة بسيفه وجيوش من الشعراء والنظريات الرجعية بقلبه ولسانه، وجيوش من أنظمة النبلاء، ومطامع الوجهاء بعقله الفذ ونظره الصائب”.

محبة الإمام(ع) عند البعض وكرهه عند البعض الأخر

من الأحاديث المشهورة عن رسول الله(ص) أنه قال:”يا علي هلك فيك اثنان محب غالٍ، ومبغض قالٍ”، إن الذين تعاملوا مع شخصية الإمام علي عليه السلام هم صنفان من البشر صنف أحبوه حتى أوصلوه إلى مراتب الألوهية وألهوه، وهؤلاء قتلوا في حب علي وكما وصفهم الحديث محب غال في حب علي حتى ألهه وعلي عليه السلام قال عن نفسه قولوا عني ما شئتم ونزهوني عن الخالق”.
منزلة القرآن في خطب الامام علي(ع) في نهج البلاغة
والصنف الأخر هم الذين أبغضوه طمعاً في الوصول إلى الحكم أو سدة الرئاسة وخروجاً عن الموضوعية في التعامل مع شخصية كشخصية الإمام علي عليه السلام، وهم النواصب الذين كرهوه وبغضوه ومنهم الخوارج الذين لم يفهموا الإسلام على حقيقته، وخرجوا على الإمام عليه السلام، ومنهم الأمويون الذين قاتلوه ومنهم الكثير، وهؤلاء أيضاً قتلوا في بغض علي(عليه السلام)، ويقول الإمام علي عليه السلام: “لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ولو صببت الدنيا برمتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني”، ورد على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله سلم أنه قال:“لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق”.

 إن الإمام علي عليه السلام كلمة الإنسانية العليا، وهو الذي يكشف عن إيمان المرء أو نفاقه أو فسقه، ومن يريد التمسك بالإسلام أنه هو المنهج، هو الذي يدل على الحق كما قال عنه الرسول (ص) في خطبته، خطبة الوداع “اللهم وأدر الحق معه حيثما دار” وورد عن ربيعة بن كعب أنه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول، ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالتزموا علي بن أبي طالب عليه السلام”.

منزلة القرآن في خطب أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة

 الإمام علي عليه السلام تعرض في كثير من خطبه الى موضوع القرآن الكريم والبحث يطول كثيراً ولا يسع المقال للتحدث عن جميع الأمور، وقد تناول الإمام عليه السلام موضوع القرآن الكريم في أكثر من عشرين خطبة في نهج البلاغة وصف فيها منزلة القرآن الكريم، ودور كتاب الله تعالى في حياة المسلمين وواجب المسلمين إزاء القرآن الكريم وسأكتفي ببعض المقاطع منها ما قاله الإمام علي عليه السلام في الخطبة رقم 133 حيث قال:“كِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، نَاطقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ” يعني بمعنى أن القرآن بين يديكم وفي متناولكم، فلا تهملوا هذا الكتاب بل اهتموا به، ولا تفعلوا به ما فعلت الأمم السابقة بالإنجيل وبالتورات.

ويقول أيضاً في نهج البلاغة واصفاً القرآن أنه كتاب ناطق يتكلم ولايعي من الكلام وهو يتحدث ويدلي بكلامه بكل وضوح، وفي بعض العبارات في خطبه قال: “إن القرآن صامت ناطق” يعني بمعنى أن هذا القرآن الذي لا يتكلم ولكن أنت يمكن أن تستفيد منه من خلال قراءة آياته وأن تتدبر بآياته، وفي الخطبة 157 يصف القرآن الكريم، “ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه ألا إن فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم”، يعني أنتم عليكم أن تلجأوا إلى هذا القرآن ليتحدث إليكم وتستمعوا منه إلى كل ما يفيدكم في دينكم ودنياكم، فيجب أن تتعرفوا على القرآن وتأخذوا من علوم القرآن، فهو علاج لكل مشاكلكم ودواء دائكم ونظم ما بينكم، أي أنه ينظم العلاقات بينكم وبين بعضكم البعض، وبذلك يأمن المجتمع.

كثيرة هي المواضع التي يتحدث فيها الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة عن القرآن الكريم وهي من أبلغ ما يمكن أن يوصف به هذا القرآن والحمد لله رب العالمين.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل