الاهتمام بالنوروز يعني الاهتمام بالتزاور والتحابب وتأليف القلوب؛ فهو اليوم الذي يجتمع فيه الاحباب والاقارب حول مائدة واحدة تجمع الخيرات المعنوية والمادية، تجمع القرآن الكريم والدعاء والاذكار إلى جانب خيرات الطعام والشراب.
في 21 مارس من كل عام يبدأ فصل الربيع، وهو اليوم الذي يعرف بيوم النوروز أي اليوم الجديد.
لقد كان للإيرانيين اهتمام تاريخي بهذا اليوم ثم امتدّ ليشمل دائرتنا الحضارية الاسلامية بأجمعها.
والاهتمام به يعني أولاً الاهتمام بالجمال ويعنى ثانيًا الاهتمام بالحياة، ويعني ثالثاً الاهتمام بجمع القلوب والاجساد والأرواح، وكلها مفردات ذات علاقة بالحراك الحضاري للبشرية.
فالجمال يبرز في الربيع بكل عنفوانه، والأرض تهتزّ وتنبت من كل زوج بهيج، وكان لجمال حلول الربيع التأثير الكبير على مشاعر الناس جميعًا، وخاصة من له حسّ مرهف كالشعراء. فهذا البحتري يعبّر عن مشاعره تجاه حلول الربيع بصورة موحية متحركة فيقول:-
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا/ من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبّه النوروز في غلس الدجى، أوائل وردٍ كنّ بالأمسِ نوّما.
والمتنبي يرى في النوروز من الجمال ما تحسده كل أيام السنة فيقول :-
جاء نيروزنا وأنت مراده/ و ورت بالذي أراد زنادُه
… عظمته ملوك الفرس حتى/ كل أيام عامه حسّادُه
ويقول الشريف المرتضى :-
وأتاك النيروز بالسعد واليمن/ وبنيل الاوطار والآداب
والجمال يحيي في الانسان مشاعر الحبّ أو (العشق).. والعشق له معنى حضاري كبير، لأنه يعني خروج الانسان من ظلمات (الطين) إلى التحليق في أجواء (نفخة ربّ العالمين)، ويعنى خروج الإنسان من قوقعة عبادة الذات والشهوات الهابطة إلى السموّ والارتفاع في سلّم الرقيّ الإنساني.
فالحضاريون يهتمون بالجمال في كل جوانب الحياة، لأنه منطلق حركة الإنسان والمجموعة الانسانية على طريق الكمال.
والاهتمام بالنوروز يعني أيضا كما ذكرنا الاهتمام بالحياة. والطبيعة في هذا اليوم تبدأ تتكلم بلغة الجمال كما عبّر عن ذلك الشاعر البحتري.
والقرآن الكريم يلفت الانظار إلى ظاهرة الحياة في الطبيعة بعد نزول المطر عليها يقول سبحانه :-
﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
لاحظ عبارة (اهتزّت) التي تعني تفجّر حركة الحياة فيها.
ويقول تعالى : ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
والحضاريون يهتمون بمفردة (الاحياء)، وهم في مساعيهم إحيائيون، يدفعون نحو الحياة، ويرون أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين العشق والحياة. ويفتي حافظ الشيرازي بلغة الشعر أن تقام صلاة الميت على من لم يحيى بالعشق.
“هر أن كسي كه در اين حلقه نيست زنده به عشق/ بر او نمرده به فتواي من نماز كنيد”.
أي/ كل من لم يكن في جمعنا حيًا بالعشق/ فأقيموا عليه قبل موته صلاة الميت.
فالجمال يبعث على العشق، والعشق يدفع الى الحياة.
هذه المفردات (الجمال – العشق – الحياة) هي أهم مؤلفات النوروز برؤية حضارية.
ثم إن الاهتمام بالنوروز يعني الاهتمام بالتزاور والتحابب وتأليف القلوب؛ فهو اليوم الذي يجتمع فيه الاحباب والاقارب حول مائدة واحدة تجمع الخيرات المعنوية والمادية، تجمع القرآن الكريم والدعاء والاذكار إلى جانب خيرات الطعام والشراب.
وهذا التزاور والتحابب واجتماع الاصدقاء والاقارب في البيوت أو في الحدائق بين الزهور والرياحين، ووسط مرح الاطفال وبهجتهم يحيي في النفوس المودة والرحمة ويزيل الاحقاد والضغائن ويحقق الهدف من الخلقة وهو (التعارف).
بهذه النظرة الحضارية يجب أن نتلقى النوروز، عندئذ سيكون يوم جمال وحبّ وحياة وجمع للقلوب والارواح.
المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/
الشؤون الدولية