إن تفويض الأمور إلى الله يساهم بتنمية الثقة بالنفس المتوازنة مع التسليم بمشيئة الله، مِمّا يُسهِم في تحسين الأداء الشخصي والمهني، فعندما يُفوض الإنسان أمره لله، ينفتح ذهنه على حلول جديدة، ويكتسب راحة نفسية وذهنية تُساعده على اتخاذ القرارات الصائبة دون ذعر أو تردّد.
ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلى اللهِ سَدَّدَهُ”.
معادلة مهمّة تبين لنا العلاقة العميقة بين ثقة الإنسان بالله وتفويض أموره إليه وبين تسديد الله له وهدايته وإرشاده، فما التفويض؟
التفويض فوق التوكل، التوكل هو الاعتماد على الله تعالى، أو توكيله فيما يريد العبد، وذلك يقتضي أن يحدّد العبد غايته، ويختار هدفه، ويهيّء له ما يلزم من أسباب، ثم يعتمد لبلوغ تلك الغاية وتحقيق ذلك الهدف على الله سبحانه وتعالى، فهو يضم جهده إلى عون الله له.
أما التفويض فهو الاعتماد على الله تعالى في الاختيار، فالله هو الذي يختار له ما يعلم أنه صالح له، وهو يرضى بتقدير الله، إيماناً، بأنه تعالى لا يختار له إلا ما هو صالح له واقعاً ويقيناً في دنياه وفي آخرته.
ولذلك فإن التفويض فوق التوكل وأرقى منه رتبة، وإذا كان التوكل ينشأ من الثقة بالله واليقين بقدرته وقاهريته وأنه مالك الأسباب كلها، فإن التفويض ينشأ مِمّا سبق إضافة إلى يقين الإنسان أن الله تعالى عليم بحاله، حكيم في تقديره له، رحيم رؤوف لطيف به، يعلم مصلحته الواقعية ويقدرها له، فالمفوِّض أمره لله يوكِّل الله في الاختيار له، وهذه من أرقى المراتب الأخلاقية والعبودية لله تعالى، لأنه تسليم مطلق لإرادة الله ومشيئته، ويقين مطلق بحكمة الله ورأفته ولطفه، ولهذا رُوِيَ عن الإمام الحسن المجتبى (ع) أنه قال: “مَنِ اتَّكَلَ عَلى حُسْنِ الاخْتِيارِ مِنَ اللَّهِ لَهُ، لَم يَتَمَنَّ أَنّهُ في غَيْرِ الحَالِ الّتي اخْتارَها اللَّهُ لَهُ”.
هذا من جهة العبد، فأما الله تعالى فإنه يُسدّده حين يفوّض إليه أمره، ويسبب له الأسباب من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، ويجعله في حرزه الحريز، ويقدِّر له ما لا لم يخطر على باله من الخير والصلاح، فهذا نبي الله موسى (ع) يفوّض أمره إلى الله تعالى فيهيّء له من الأسباب ما لم يخطر في باله، ويرسم له مساراً ينتهي به إلى غاية شريفة عظيمة لم يتوقعها، لقد اكتفى بعرض افتقاره إلى الله ولم يطلب منه شيئاً لا استكباراً عن الدعاء، بل تفويضاً لله تعالى، “فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿القصص: 24﴾.
وذاك الرجل من قوم فرعون الذي آمن بنبوَّة موسى (ع) ينصح فرعون وملئه، يحذّرهم من الإصرار على ضلالهم، ويدعوهم إلى الهدى الذي هو عليه، ثم يفوِّض أمره إلى الله، فيقيه الله مكرهم، ويحيق بفرعون وآله العذاب، لقد قصَّ الله علينا قصته وذكر لنا موقفه حيث قال: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿44﴾ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿غافر: 45﴾.
إن تفويض الأمور إلى الله يُعَزِّز من قيم الصبر واليقين، ويُعلِّم الإنسان ضرورة السّعي مع الاعتماد على الله، فالمفوِّض يعمل ويترك النتائج إلى الله تعالى يقيناً منه أن الله سيختار الأفضل والأصلح له، وما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعة أيضاً، فعليها أيضاً أن تفوِّض أمورها إلى الله عند كل خطوة أو قرار أو خيار، وعند كل مواجهة مع عدو غاشم ظالم، تقوم بما عليها وتفوِّض النتائج إلى الله تعالى، ولا يضيع من يكفله الله، ولا يَذِلُّ من يُعِزُّه، مِمّا يفتح المجال للطمأنينة والسكينة، ويخفِّف من أعباء القلق والضغوط النفسية، إذ يدرك المؤمن أن أكبر قوة في الوجود (الله) تدبّر أموره بحكمة لا يدركها العقل البشري وحده.
كما أن تفويض الأمور إلى الله يساهم بتنمية الثقة بالنفس المتوازنة مع التسليم بمشيئة الله، مِمّا يُسهِم في تحسين الأداء الشخصي والمهني، فعندما يُفوض الإنسان أمره لله، ينفتح ذهنه على حلول جديدة، ويكتسب راحة نفسية وذهنية تُساعده على اتخاذ القرارات الصائبة دون ذعر أو تردّد، ولذلك أوصى الإمام الباقر (ع) أحد أصحابه فقال له: “تَخَلَّصْ إلى راحَةِ النفسِ بصِحَّةِ التَّفويضِ” ونُسِبَ إلى الإمام الصادق (ع) أنه قال: “المُفَوِّضُ أمرَهُ إلَى اللَّهِ في راحَةِ الأبَدِ والعَيشِ الدائمِ الرَّغَدِ، والمُفوِّضُ حقّاً هُو العالي عن كُلِّ هِمَّةٍ دُونَ اللَّهِ”.
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي