الصِّدق هو العمود الفقري للشخصية المؤمنة المستقيمة الجديرة بالثقة والاحترام، وهو أيضاً الأساس المتين الذي يقوم عليه المجتمع المؤمن الفاضل، بل وغير المؤمن، والقاعدة المثلى لاستقامة الحياة الإنسانية وثباتها ونموِّها.
ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ كَثُرَ كَذِبُهُ قَلَّ بَهاؤهُ”.
الصِّدق صفة أخلاقية لا تتقدمها صفة أخرى، إنها في أعلى سُلَّم الفضائل الكمالية للإنسان، إذا لم يتصف بها لم تُعِنْه بقية الصفات، وهي واحدة من أهم عوامل بناء العلاقات الموثوقة بين الإنسان والإنسان، فإذا انعدمت لم تستقر علاقة، ولم يثق أحد في أحد، لا في قول، ولا في معاملة، ولا في وعد وعهد.
الصِّدق هو العمود الفقري للشخصية المؤمنة المستقيمة الجديرة بالثقة والاحترام، وهو أيضاً الأساس المتين الذي يقوم عليه المجتمع المؤمن الفاضل، بل وغير المؤمن، والقاعدة المثلى لاستقامة الحياة الإنسانية وثباتها ونموِّها، وهناك اتفاق بشري عام على قيمة هذه الفضيلة الأخلاقية واعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه الحياة الفاضلة، وهذا يكشف عن فطريتها، أي أن الصدق أمر قد فُطِر الإنسان عليه، وامتزج معه في جِبِلَّته الأولى.
يقابل الصدقَ الكَذبُ، وهو من أخبث الصفات وأكثرها سوءاً، وأسوئها أثراً على الفرد وعلى المجتمع، فهو يناقض الفطرة الإنسانية السليمة، ومعه لا يوثَق بشخص، ولا يطمئن أحدٌ إلى أحد، إذ مع الكذب يفقد مصداقيته، فلا تستقيم علاقة، إنه ليدمر العلاقات الاجتماعية، إذ يجعلها مسكونة بالرِّيبة والشَّكِّ، مهجوسة بالقلق الدائم، فإن لم يكن للكذب من أثر اجتماعي سوى ما تقدم لكفاه سوءاً وقُبحاً.
المعادلة التي بين أيدينا تشير إلى واحد من آثار الكذب على الفرد، حيث تربط بينه وبين فقدان الهَيبة، والبَهاء، والجمال الروحي، ونورانية الوجه، فالكذب يُظلم القلب، ويحجب النور الإلهي عنه، ومن المعلوم أن ما يكمُن في باطن الإنسان يتجلّى في وجهه عموماً، أو في حركات بدنه، والكذب من أكثر الأحوال التي تظهر على صفحات وجه الإنسان، ولولا ذلك لَما ابتكر الناس ما يُسمّى بجهاز كشف الكذب، الذي يعتمد على قراءة ما يظهر على وجه الكاذب من تقاسيم وعلامات وتوتر وقلق، فضلاً عمّا سبق فإن الكذب يُفقِد الإنسان مكانته الاجتماعية، وكرامته، وينفضُّ الناس من حوله.
إن الكذب لا يكون في المؤمن، فإذا كان الشخص كاذباً أو كذوباً كشف ذلك عن ادعائه الإيمان وأنه ليس مؤمناً حقيقة، لقد جاء في الحديث عن رسول الله (ص) أنه قد سُئِلَ: “يا رَسُولَ اللَّهِ أَيَكونُ المُؤْمِنُ جَباناً؟ قالَ: نَعَم، قِيْلَ لَهُ: أَيكونُ المُؤمِنُ بَخيلاً؟ قالَ: نَعَمْ، قِيْلَ لَهُ: أَيَكونُ المُؤْمِنُ كَذّاباً؟ قالَ: لا”. ورُوِيَ عنه (ص) أنه قال: “يُطبَعُ المؤمنُ على كُلِّ خَلّةٍ غَيرَ الخِيانَةِ والكذبِ”.
لذلك يجب على الإنسان الذي يقدِّر ذاته أن يجتنب الكذب جدَّه وهزله، وما يُعرَف بالكذب الأبيض، لأنه رغم كونه هزلياً فإنه يُضعِف مناعته الأخلاقية، وعليه أن يراقب نفسه دائماً، كي لا يكون منها كذب أبداً، وليعلم أن الكذب قد يأتيه ببعض النفع أحياناً ولفترة محدودة لكنه حين ينكشف عنه ستره يُهانُ ويُذَلُّ، فالصِّدق أفضل له على كل حال، إذ فيه النفع والنجاة الدائِمَين.
إن هذه الجوهرة الكريمة: “مَنْ كَثُرَ كَذِبُهُ قَلَّ بَهاؤهُ” ليست حكمة راقية وحسب، بل هي معادلة إلهية تحافظ على بهاء الإنسان وكرامته ومنزلته عند الناس، فبالصدق تُبنى المجتمعات وبالكذب تُهدم، فليكن الصدق منهجنا الدائم، لنسمو بأنفسنا وأخلاقنا وتستقيم علاقاتناوتستقر مجتمعاتنا.
بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي