Search
Close this search box.

مَنْ لاحَى الرِّجالَ كَثُرَ أَعْداءُهُ

مَنْ لاحَى الرِّجالَ كَثُرَ أَعْداءُهُ

تفيد معادلة “مَنْ لاحَى الرِّجالَ كَثُرَ أَعْداءُهُ” أن الدخول في جدالات عقيمة أو حادة دون رُقِيٍ في الكلام يؤدي إلى زعزعة الأواصر الاجتماعية وظهور عداوات لا تنتهي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ لاحَى الرِّجالَ كَثُرَ أَعْداءُهُ”.
معادلة بالغة الأهمية، خصوصاً في زماننا هذا حيث بات معظمنا ضيفاً دائماً على وسائل التواصل الاجتماعي المُشرعة أبوابها وصفحاتها أمام الناس، جميع الناس، على اختلاف ثقافاتهم، وانتماءاتهم، ومواقفهم، وخياراتهم، ومستوياتهم العقلية والفكرية والأخلاقية، وكلٌ منهم يريد أن يعبر عن رأيه وقناعاته، وكل يُبدي رأيه بما يقرأ وما يسمع، ومنهم من يتقبل الاختلاف الديني والفكري والسياسي، ومنهم من لا يتقبل، ومنهم من يحاور الآخر باحترام ومنهم من ليس مستعداً أن يحاور في شيء، وإن هو جادل الآخر جادله بعنف كلامي، وتسلَّح في جداله بالسَّبِّ والشَّتم والطّعن، ناهيك عن استعمال الإفك والاختلاق وتزوير الحقائق وتحريف المفاهيم.
في هذا السياق تأتي هذه المعادلة التي يذكرها الإمام أمير المؤمنين (ع) والتي تدعو إلى اجتناب الجدال والنقاش مع من ليس أهلاً لذلك، أو مع الذي لا يريد أن يحاور بل يناور، ولا يريد أن يظهر الحق له أو عليه، بل يتبنى مواقف مسبقة، ويصر عليها ولو كانت واضحة البطلان، فمثل هذا الأفضل اجتناب الدخول معه في جدال ونقاش، واجتناب ملاحاته، وهو المقصود بقوله (ع): “مَنْ لاحَى”.
وفيها أيضاً دعوة إلى الاعتدال أثناء خوض النقاشات وضبط النفس والتزام الهدوء، واعتماد الأساليب اللينة والمقنعة، وضرورة أن يكون الكلام مقنعاً، مُبَرهَناً عليه، مستنداً إلى أُسُسٍ علمية متينة، ومعتمداً على المصادر العلمية التي يعتمدها الطرف الآخر ويؤمن بصحتها أو يعتقد بقدسيتها، مع التأكيد على التهذيب واختيار الكلم الطيب الذي يؤثر في النفوس ويستميلها.
تفيد معادلة “مَنْ لاحَى الرِّجالَ كَثُرَ أَعْداءُهُ” أن الدخول في جدالات عقيمة أو حادة دون رُقِيٍ في الكلام يؤدي إلى زعزعة الأواصر الاجتماعية وظهور عداوات لا تنتهي، يحدث ذلك بين الزوجين، أو الآباء والأبناء، أو الأخوة، أو الشريكين أو سوى ذلك، فالانجرار وراء الجدل العقيم ليس له أي نتيجة إيجابية، بل يخلق العداوة والبغضاء، ويفاقم النزاعات، ويزيد الشُّقَّة بين المختلِفَين.
وبأسف أقول: إن هذا ما حدث ويحدث طول تاريخنا العربي والإسلامي، فإننا نرى الحوار يكاد أن يكون معدوماً بين المسلمين من أتباع المذاهب المختلفة، بل بين أبناء المذهب الواحد ممن يتبني كل واحد منهم منهجاً فكرياً معيناً، ولذلك كنا نجد التباعد بين المسلمين هو الحاكم على علاقتهم بدل أن يقتربوا من بعضهم البعض، ويبنوا قناعات مشتركة، ويحترموا خصوصية كل واحد منهم، ولم يزالوا على ذلك حتى ذهبت ريحهم، وتمكن أعداؤهم منهم مستفيدين من تفرقهم، وتكفير بعضهم بعضاً.
وهكذا الحال في لبنان، لبنان الجميل في تنوعه، والثري في تعدد مذاهبه وأديانه وثقافاته، والقوي بهذه بهذه الميزات التي ميزته عن سواه، نجد أبناءه اليوم يخوضون جدلاً عقيماً في أتفه القضايا، جدل لا يخدم إلا أعداءه، ولا يبدون أي استعداء للانفتاح على بعضهم، وشبك علاقات اجتماعية راقية فيما بينهم، والتحاور فيما يختلفون فيه من قضايا وآراء ومواقف، حتى بات لبنان مسلوباً استقلاله، وسيادته، ونهباً لكل طامع، ومرتعاً لكل عدو، وموطئ قدم لكل باحث عن دور، يتدخلون في الصغير قبل الكبير من شؤونه.
بقلم الكاتب والباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل