الذكرى الـ1500 لمولد النبي(ص) منعطف حضاري يُعيد للأمة الإسلامیة هويتها

الذكرى الـ1500 لمولد النبي(ص) منعطف حضاري يُعيد للأمة الإسلامیة هويتها

 أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعه “صنعاء” اليمنية “د. عبد الملك محمد عيسى” أن الذكرى الـ1500 لمولد النبي (ص) ليست مناسبة للاحتفال فقط بل منعطف حضاري يُعيد للأمة هويتها ورسالتها العالمية، مبيناً أنها فرصة لتأكيد وحدة المسلمين واستلهام أخلاق النبي (ص) كمنهج في بناء المجتمعات.

وتُعدّ ذكرى المولد النبوي الشريف من أسعد الأعياد الإسلامية. وُلد النبي(ص) بصفته خاتم الأنبياء(ص) في السابع عشر من شهر ربيع الأول، وكانت رسالته إقامة الدين الإسلامي وهداية البشرية إلى الحق والصلاح والفلاح. تُعد حياته(ص) المفعمة بالرحمة والمحبة، قدوة فريدة للمسلمين وللبشرية جمعاء. يُجسّد هذا اليوم العزيز الوحدة والمحبة والإنسانية، ويحتفل به المسلمون حول العالم باحتفالات ومراسم خاصة. وبإحياء ذكرى تعاليمه، يُمثّل مولد النبي(ص) فرصة لإعادة النظر في قيم اللطف والإنصاف والتعاطف في المجتمع.

ويصادف هذا العام الذكرى السنوية الـ1500 لمولد النبي محمد(ص)، وهذه المناسبة تذكيرٌ بالسيرة النبوية، بل هي أيضًا دعوةٌ للوحدة والتعاطف والتماسك بين المسلمين وجميع البشر.

ولتسليط الضوء على أهم الصفات الأخلاقية والشخصية للنبي(ص) وكيفية اعادة قراءة السيرة النبوية وتطبيقها في الحياة المعاصرة، وكذلك ضرورة الاستفادة من الذكرى السنوية الـ1500 للمولد النبوي الشريف لتعزيز الوحدة الاسلامية، أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً مع الأكاديمي اليمني وأستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعه “صنعاء” اليمنية “الدكتور عبد الملك محمد عيسى”.

فيما يلي نصّ الحوار:

كيف یمکن أن نستثمر الذكرى السنویة الـ1500 لمولد النبي(ص) في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية؟
إن ذكرى مولد النبي الأكرم (ص) ليست مجرد إحتفال شعائري أو مناسبة زمنية بل هي مفصل حضاري جامع يمكن أن يعاد من خلاله ترميم جسور الأمة المتصدعة، فالأمة الإسلامية اليوم تعاني من إنقسامات مذهبية وسياسية وطائفية أضعفتها ومزّقت وحدتها بينما السيرة النبوية تقدّم لنا أرضية مشتركة تُذيب هذه الانقسامات، الذكرى الـ1500 فرصة لإعادة التأكيد على أن الجامع المشترك بين المسلمين هو رسول الله (ص) الذي جاء بالرسالة الخاتمة لجميع البشر لا لطائفة أو مذهب بعينه ويمكن إستثمار المناسبة في:

1- إطلاق مبادرات للوحدة كأسبوع الوحدة الإسلامية الذي يقام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعقد مؤتمرات فكرية وثقافية تجمع علماء المذاهب المختلفة على مائدة الحوار حول شخصية النبي (ص) ومشروعه الإنساني.
2- تعزيز الخطاب الإعلامي الوحدوي بحيث تبتعد وسائل الإعلام الإسلامية عن إثارة الفتن والاصطفافات وتوظف المناسبة لإبراز ما يجمع لا ما يفرّق.
3- ترجمة قيم السيرة النبوية إلى مشروع عملي للأمة عبر مشاريع إغاثة مشتركة وخاصة لقطاع غزة الذي يتعرض لحملة إبادة جماعية أو مبادرات تعليمية جامعة تحمل اسم النبي (ص) وتترجم رسالته على الأرض.
ما هي أهم الصفات الأخلاقية والشخصية للنبي(ص) التي مكّنته من توجيه الأمة الإسلامية بشكل جيد؟

النبي محمد (ص) لم يكن قائداً عادياً بل جمع بين القيادة الروحية والقيادة السياسية والاجتماعية وقد منحه الله كمالات أخلاقية جعلت الأمة تلتف حوله وتثق بقيادته من أهم هذه الصفات:

1. الصدق والأمانة: عُرف قبل البعثة بلقب “الصادق الأمين” مما جعله موضع ثقة الناس حتى من خصومه.

2. الرحمة الواسعة: جسّد قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فرحم الأطفال والنساء والضعفاء وأوصى بهم خيراً.

3. الشجاعة والثبات: لم يتردد في مواجهة قوى الاستكبار في قريش رغم قلة الناصر وكان ثابتاً أمام كل التهديدات.

4. العدل والإنصاف: لم يحابِ قريباً ولا غنياً في حكمه بل كان العدل ميزانه حتى قال: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
5. التواضع: عاش حياة البسطاء يجلس بينهم ويأكل مما يأكلون ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم.
هذه الصفات مجتمعة جعلت منه قائداً ملهَماً إستطاع أن يكوّن أمة من مجموعة قبائل متفرقة متناحرة.
كيف تعامل النبي(ص) مع مختلف الفئات حتى غير المسلمين وما هي رسالة التعايش الاجتماعي الكامنة في هذا السلوك؟

النبي (ص) كان قائداً إنسانياً شاملاً لا يقتصر إهتمامه بالمؤمنين وحدهم بل شمل حتى غير المسلمين ففي صحيفة المدينة التي تعدّ أول دستور مدني في التاريخ ضمن حقوق اليهود والقبائل الأخرى في العيش بأمن وسلام شريطة الالتزام بالعدالة وعدم الخيانة، كان النبي الاكرم محمد(ص) قدوة في التسامح مع المخالفين فلم يكن يعاملهم بالقسوة ما لم يعتدوا بل دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وعندما أساء إليه البعض قابل إساءتهم بالعفو كما فعل مع أهل مكة يوم الفتح حين قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

الرسالة الكامنة في ذلك أن الإسلام دين تعايش وعدل لا إقصاء فيه ولا طغيان وأن المجتمع المسلم يجب أن يكون مجتمعاً منفتحاً يحتضن التنوع في إطار القيم الكبرى وهو ما يحتاجه عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
كيف يمكننا إعادة قراءة السيرة النبوية وتطبيقها في حياتنا المعاصرة؟
إعادة قراءة السيرة النبوية تعني نقلها من كونها مجرد نصوص تاريخية إلى منهج عملي حي نحن بحاجة إلى أن نرى النبي (ص) لا كصورة في الماضي فحسب بل كقدوة في الحاضر والمستقبل يمكن تحقيق ذلك عبر:
١- التركيز على البُعد الإنساني في السيرة مثل عدالته في الحكم وحرصه على الفقراء وصبره في مواجهة الابتلاءات هذه القيم صالحة لكل عصر.
٢- تدريس السيرة كعلم اجتماعي وسياسي يظهر كيف أسّس النبي (ص) دولة من مجتمع قبلي مفكك لتصبح رسالة عالمية متماسكة.

٣- إحياء مفهوم القدوة العملية بدلاً من الاقتصار على الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ينبغي تفعيل السيرة في حياتنا اليومية في السياسة عبر مقاومة الظلم وفي الاقتصاد عبر تحريم الغش والربا وفي الاجتماع عبر تعزيز التكافل.
برأيكم ما هي الرسالة التي يمكن أن نستمدها من سيرة النبي(ص) ومنهجه في العالم المعاصر الذي يعاني من أزمات أخلاقية واجتماعية؟

العالم اليوم يعاني من إنهيار قيمي يتمثل في الحروب المدمرة منها الإبادة الجماعية في غزة وانتشار العنصرية الصهيونية وانهيار العلاقات الاجتماعية وغياب العدالة سيرة النبي (ص) تمثل بوصلة هداية لإنقاذ البشرية من هذا الانهيار الرسالة الأبرز هي أن:

١- القيم الأخلاقية أساس النهضة لا يمكن لأي حضارة أن تقوم على الظلم والاستبداد والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني المظلوم بل على الصدق والعدل والرحمة.

٢- المستضعفون هم محور التغيير النبي (ص) بدأ دعوته مع الفقراء والضعفاء فكانوا نواة المجتمع الإسلامي وهذا درس للأمم أن التغيير الحقيقي يبدأ من الناس البسطاء وهو ما يقوم به محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران بالتحالف مع اليمن ولبنان والعراق وفلسطين وغيرها.

٣- الإسلام مشروع إنساني عالمي فرسالته ليست محدودة بزمان أو مكان بل جاءت لإنقاذ البشرية جمعاء من الظلم.

٤- مواجهة الاستكبار ضرورة حتمية كما واجه النبي (ص) قوى الطغيان في عصره يجب على المسلمين اليوم أن يواجهوا أشكال الاستعمار والهيمنة مستلهمين الصبر والثبات من سيرته وكسر الهيمنة الأمريكية في العالم.

الذكرى الـ1500 لمولد النبي (ص) ليست مناسبة للاحتفال فقط بل منعطف حضاري يُعيد للأمة هويتها ورسالتها العالمية إنها فرصة لتأكيد وحدة المسلمين واستلهام أخلاق النبي (ص) كمنهج في بناء المجتمعات ولإيصال رسالة الإسلام إلى العالم المعاصر بوصفه دين الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل