Search
Close this search box.

صاحب النفس الزكية ورواية قتله ويوم الظهور!

صاحب النفس الزكية ورواية قتله ويوم الظهور!

من العلامات التي لا تنفك عن يوم الظهور، قتل النفس الزكيّة التي ستكون أقرب من سابقتها ـ وهي الصيحة ـ حيث أشارت إلى أنّ قتل النفس الزكيّة ستتمّ مقاربةً جدّاً ليوم الظهور، وهي خمس عشرة ليلة،

كما في الرواية التالية:

عن الفضل بن شاذان بسنده عن صالح، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (ليس بين قيام القائم وبين قتل النفس الزكيّة إلاّ خمس عشرة ليلة[1])

ويمكن أن تطلق على هذه الروايات (بالمحفّزات) أي المحفّزات للذهنيّة العامّة لتلقي يوم الظهور واستقبال الحدث الجديد.

واهتمام الروايات بمقتل النفس الزكية ينطلق من اهتمامها بما سيصل إليه المجتمع من حالات اللاوعي والانحطاط الفكري التي تمثّلهُ ظاهرة التحدي للحق والاستخفاف بالقيم والمبادئ بسبب ما تسود المجتمع من حالات الاحباط النفسي الناشئ من تقليديات العنف والقوة بدل السلام والتسامح، وإذا كان المجتمع ضحية التزمّت والتقوقع التي تعيشه بعض القيادات المدّعية للإصلاح.

فإن شعوراً بالخيبة يسود البعض لما ترتكبهُ بعض التوجهات من ممارسات لا تهدفُ للإصلاح بقدر ما يساورها قلق التهديد لوجودها إذا هي لم تستخدم هذه الأساليب من العنف بدل الحوار، فالحوار ـ حسب رؤيتها ـ تهديدٌ حقيقي لمبانيها وأسسها، وإذا استسلمت لأي حوار فإن ذلك يعني بداية النهاية لوجودها، لذا فهي ترفض ابتداءً مبادرات الحوار المطروحة.

وستمثّل حالة قتل النفس الزكية أقصى حالات التحدي والرفض لمبدأ الحوار وستستبدله بالعنفِ والقوة، ولعل الرواية التالية تصوّر لنا شاهد الرفض (التقليدي) للحوار واستبداله بإلغاء الآخر.

بإسناده إلى أبي بصير روى المجلسي عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل إلى أن قال:

يقول القائم (عج) لأصحابه: يا قوم إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسلٌ إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.

فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: إمضِ إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين، وإنّا قد ظلمنا واضطهدنا، وقُهرنا وابتزّ منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكية، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتى يخرج فيهبط في عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر حتى يأتي المسجد الحرام، فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويسند ظهره إلى الحجر الأسود ثم يحمد الله ويثني عليه ويذكر النبي (ص) ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس إلى آخر الحديث[2].

وكأن الإمام (عج) أراد أن يذكر الناس بمواقف الرفض وأسلوب العنف التقليدي إبّان حرب صفين حين رفض الشاميون حوارهم مع علي عليه السلام بادئ ذي بدء ورفضهم كذلك حتى في اللحظات الحاسمة من المواجهة بين الصفين. فقد روى نصر بن مزاحم في كتابه (صفين): أن علياً قال: من يذهب بهذا المصحف إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى ما فيه؟ فأقبل فتىً اسمه سعيد فقال: أنا صاحبه، ثم أعادها فسكت الناس، وأقبل الفتى فقال: أنا صاحبه، فقال عليٌ: دونك، فقبضه بيده ثم أتى معاوية فقرأه عليهم ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه[3]…

ولم تغب مشاهد المحاججات التي بعث بها الحسين (ع) أصحابه إلى القوم قبل عاشوراء، بل في يوم عاشوراء كذلك، وكان جواب القوم بسهامٍ يرشقونها نحوهم متحرين قتالهم، وهكذا فعل الحسن بن علي (ع) عند خروجه لمعاوية فقد كان الحوار فاتحة عهد المواجهة.

إذن فالنفس الزكية تمثّل تقليدية الحوار والسلام التي انتهجها أئمة أهل البيت (ع)، وقتله يمثل لغة العنف والرفض لمبدأ الحوار.

ولعل رفض حوار النفس الزكية والعمد إلى قتله هي الصورة المروّعة في سلوكيات الكثير الرافض لمبدأ الحق، وستكون المنطقة الممنوعة التي ينطلقُ منها الإمام (ع) في حركته الإصلاحية كما كان آباؤه (ع) من قبل، وستمثّل مشاهد مقتل النفس الزكية بعد رفض الإجابة؛ هي المرحلة الأخيرة من جدلية الصراع التي تُبيح للإمام (ع) التحرك من خلالها.

ولعل هذا المشهد المروّع حرّك قرائح بعض الشعراء فنعى حالات الاخفاق التي يمرُ بها البعض وهو في خضمِّ الإمتحان الصعب ليراهن على وعيه وتجرّده عن كل نزعةٍ تجافيه عن الحق فقال:

وفي قتل نفسٍ بعد ذاك زكيةٍ

وآخرُ عند البيتِ يُقتلُ ضيعةً

أماراتُ حقٍّ عند من يتذكرُ

يقومُ فيدعو للإمام فينحرُ

*السيد محمد علي الحلو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كمال الدين وتمام النعمة 650 .

[2] البحار: ج52 ص307 ب26 ح81.

[3] صفين لنصر بن مزاحم: 244.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل