Search
Close this search box.

تكليف الأمة تجاه العلماء

تكليف الأمة تجاه العلماء

لم يحفظ العلماء هذا الدين طوال التاريخ ليبقى حبراً على ورق، ولم يشرحوا مسائله ويقرروا براهينه لمجرد الاستهلاك الفكري، وإنما أرادوا حمل هذه الرسالة وحفظها وبيانها للأمة، لتكون طريقاً ومنهاجاً ونظاماً في حياتهم.

إن جهود العلماء هي التي جعلت الدنيا تربة صالحة لزراعة ثمار الآخرة وجناتها، فما هو تكيف الأمة تجاه ذلك كله؟

إنها نعمة يجب أن تشكر، وشكر النعمة وعرفان الجميل لا يكون إلا من خلال الاستفادة من هذه العطاءات، فالتخلي عنهم وتركهم هو تنكر لعطاءاتهم تلك.

مجالسته العلماء:
لقد أكدت الروايات على ضرورة مجالستهم والاستفادة منهم، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
“من استقبل العلماء فقد استقبلني، ومن زار العلماء فقد زارني، ومن جالس العلماء فقد جالسني ومن جالسني فكأنما جالس ربي”1.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام:
“عجبت لمن يرغب في التكثير من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألباء والأتقياء الذين يغنم فضائلهم، وتهديه علومهم وتزينه صحبتهم؟!”2.

وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام:
“جالس العلماء يزدد علمك، ويحسن أدبك”3.

فهذه الروايات تشير بكل واضح إلى فائدتين يستفيدهما الإنسان من مجالسة العلماء:

الفائدة الأولى: هي العلم، الذي يمتلكه هذا العالم، وقد أكدت الكثير من آيات القرآن الكريم على أهمية هذه الاستفادة كقوله تعالى:
{هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}.

والفائدة الثانية: هي الأدب، فدور العالم لا ينحصر بالتعليم وإنما بالتربية والتأديب بآداب الإسلام والتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيضاً ـ. بل إن رواية النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تقول: “من مجالس العلماء فقد جالسني، ومن جالسني فكأنما جالس ربي”، يستفاد منها أن الخير المستفاد من مجالسه العلماء أوسع من أن يُحصر ويشمل كل فائدة ممكنة، لأن الله تعالى هو الخير المطلق، ومجالسته كناية عن الاستفادة المطلقة غير المحدودة، والرواية شبهت مجالسة العلماء بمجالسة الله تعالى، وهذا يعني أن كل خير متوقع من هذه الجلسة.

وقد أوصى لقمان عليه السلام ابنه قائلاً:
“يا بني! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله عز وجل يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء”4.

وهذه الوصية لا يستثنى منها أحد، حتى الزعماء والمسؤولين، إن الروايات تؤكد أن الزعماء والمسؤولين يجب أن يكونوا على باب العلماء لا العكس، ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام:

“الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك”5.

وعندما نطالع توجيهات الإمام الخميني قدس سره نجده يؤكد، ليس مجرد زيارتهم بل يؤكد على ضرورة دعمهم أيضاً، لأنهم الضمان لبقاء الإسلام وحفظه، يقول قدس سره:
“إن الحوزات العلمية هي التي حفظت الإسلام حتى الآن، ولولا وجود العلماء لما بقي الإسلام ذكر، فإن الذي أحيى الإسلام في الظروف السوداء والأزمنة المظلمة هم العلماء، فادعموهم”6.

آثار التخلي عن العلماء:
إن مجالسة العلماء هي الطريق إلى الله تعالى وهي الحصن الذي يحمي الإنسان عند الامتحانات والمصاعب كما يشير إلى ذلك الإمام

زين العابدين عليه السلام في ضمن أدعيته التي تشكل مدرسة كاملة لتربية الإنسان على جميع المستويات، حيث يقول عليه السلام:
“أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني”7.

فالإمام زين العابدين يشير إلى كل تلك الآثار السيئة المترتبة على الابتعاد عن العلماء وترك الاستفادة منهم بكلمة واحدة تختصر كل شيء، هي كلمة “الخذلان” فإن خذلنا الله سبحانه وتعالى فأي شيء سيبقى لنا. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً.

إنذار:
هناك رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجب التوقف عندها والتأمل بها ملياً، لأنها تدق ناقوس الخطر للمسلمين، خصوصاً في هذه الأزمنة، حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم:
“سيأتي زمان على أمتي يفرون من العلماء كما يفر الغنم عن الذئب، ابتلاهم الله تعالى بثلاثة أشياء:
الأول: يرفع البركة من أموالهم.
الثاني: سلط الله سلطاناً جائراً.
الثالث: يخرجون من الدنيا بلا إيمان”8.

نسأل الله تعالى أن لا يكون الزمان المقصود في هذه الرواية هو زماننا.

انتقاد العلماء:
من المشهور أن عدم الوقوع بالأخطاء يعني عدم العمل، فما دام الإنسان يعمل فمن الطبيعي أن يقع ببعض الثغرات والأخطاء التي ينبغي أن يسدها ويصلحها، وهذا جزء من مسيرة التكامل عند الإنسان، والأمر نفسه موجود بالنسبة للمؤسسات وشرائح المجتمع المختلفة، فالمؤسسات وشرائح المجتمع المختلفة هي أيضاً في حالة تكامل دائمة.

والتكامل يقوم على أساس النقد, لأننا إذا لم نكتشف الثغرات والأخطاء لا نتمكن من إصلاحها، واكتشاف هذه الأخطاء لا يكون إلا من خلال النقد.

ولكن هذا النقد بقدر ما هو مفيد في محله هو مضر في غير محله، ويمكنه أن يكون هدّاماً، ويصبح هو بنفسه ثغرة وخطأ ينبغي إصلاحه أيضاً. فهناك نوعان من النقد: نقد بنّاء ونقد هدّام. وهذا أمر طبيعي، فالسكين الواحدة يمكنك أن تستعملها في الغذاء الضروري للبقاء فتكون خيراً وسبباً في البقاء، ويمكنك أن تستعملها في القتل فتكون شراً وسبباً في الموت، والنقد وسيلة كباقي الوسائل يمكنك أن تستعمله في الخير والطاعة ويمكنك أن تستعمله في الشر والمعصية.

في موضوع نقد العلماء والحوزة، فإن النقد البنّاء هو أمر ضروري للتكامل وهو حركة لا يمكن أن تتوقف في يوم من الأيام، لأن التوقف يعني الجمود، وعن الإمام الكاظم عليه السلام:
“من استوى يوماه فهو مغبون”9.

ولكن المشكلة في النقد الهدّام الذي يضر ويخرب، فيكف نميز بينهما؟

النقد البنّاء والنقد الهدّام:
إن مِن أسلم أنواع النقد نقد الذات، فعن أمير المؤمنين عليه السلام:
“معلم نفسه ومؤدبها أحقّ بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم”10.

ومن الطبيعي أن يكون بناءً، لأن الإنسان لا يحمل لنفسه إلا الخير.

ونقد الذات مهمٌ جداً لأنه طريق الكمال كما ذكرنا، وقد مارسه علماؤنا على الدوام، ومن الطبيعي أن يمارسه الإمام الخميني قدس سره، وخاصة عندما يكون خطابه مع الحوزة ومع العلماء، فإنه سيوجه الملاحظات التي تساعد على التقدم في مسيرة الحوزة العلمية، فتوجيه بعض الملاحظات منه قدس سره هو نقد للذات لأنه أحد أفراد الحوزة بل هو قطبها بما له من مقام المرجعية والولاية.

وللتمييز بين النقد البناء والهدام، وضع الإمام قدس سره معايير للتدخل المقبول في إصلاح الجهاز العلمائي تلخّصت بكلماته التالية:

“إننا لا ندعي أبداً أن كل أبناء هذه الطبقة جيدون ومنزهون، وأنه لا حاجة لإصلاحهم، إنهم مثل سائر الطبقات فيهم الجيد والسيئ، والسيئون منه أكثر فساداً وضرراً، كما أن الجيدين منهم أكثر نفعاً من كل الطبقات، أكثر نفعاً للناس والبلاد ولاستقلالها، لكن إصلاحهم لا يكون على يد أمثال رضا خان الذي لم يكن يعرف كيف تكتب كلمة روحاني، بهاء هوَز أم بحاء حطي، إن الذي يحق له أن يمد يده لإصلاح هذا الجهاز لا بد أن يكون حائزاً على الشروط التالية:

1ـ أن يكون متخصصاً في العلوم الدينية، فلا يكون كلامه أعمى وعن جهل.
2ـ أن يكون محباً للدين والعلماء ومعتقداً بضرورة وجود العلماء في البلاد.
3ـ سلامة نيته، فلا يكون تدخله طلباً للنفع الشخصي.
4ـ أن يمتلك عقلاً مدبراً ومميزاً بين الصلاح والفساد، لتكون أعماله مبنية على خطط حكيمة.
5ـ أن يكون له نفوذ علمائي ليتمكن من تنفيذ مخططاته.
هذه الشروط إذا ما توفرت، فإنها تتوفر في العلماء من الدرجة الأولى، أما الباقون فكلهم خارجون عن هذا الحساب”11.

فالذي يحق له أن يتدخل لإصلاح الجهاز العلمائي، هو خصوص العلماء من الدرجة الأولى برأي الإمام كما هو واضح.

أخطاء الأفراد:
من المشكلات التي نبه عليها الإمام الخميني قدس سره في تعاطي الناس مع العلماء، أنهم إذا رأوا خطأ من شخص نسبوه للخط، ولم يقتصروا على سوء الظن بالشخص، وهذا تعاطٍ خطير لأنه سيتسبب بالإساءة إلى الحوزة والعمامة عند أي خطأ أو اشتباه أو تقصير يقع فيه أي معمم.

يقول الإمام الخميني قدس سره:
“إن الناس إذا رأوا سلوكاً منحرفاً من رجل دين فإنهم سيسيئون النظر بكل رجال الدين لا بهذا الشخص الذي رأوا في سلوكه انحرافاً فقط، ويا ليتهم كانوا يقتصرون في إساءة الظن على شخص واحد ولا يعممون الحكم على الآخرين. إن الناس لا يحللون الأمور عندما يرون عملاً غير لائق من معمم، إن بين الكسبة أيضاً والموظفين أفراداً منحرفين وغير مستقيمين، وكذلك بين المعممين أشخاص غير صالحين ومنحرفون، ولكن لو أن بقالاً كان منحرفاً نرى الناس يقولون البقال الفلاني منحرف، ولو أن عطاراً كان منحرفاً يقولون العطار الفلاني منحرف, ولكن إذا قام معمم بعل غير لائق يقولون: المعممون سيئون.!”12.

ويظهر انزعاج الإمام الخميني قدس سره من هذه الحالة بشكل واضح عندما يقول:
“كل من يرى كتاب جواهر الكلام يدرك مدى جهود المجتهدين الذين يتطاول اليوم عليهم عدد من رواد الأزقة ليحددوا لهم تكليفهم!”13.

1- ميزان الحكمة جزء 3، صفحة 2068.
2- ميزان الحكمة جزء 3، صفحة 2067.
3- ميزان الحكمة جزء 1، صفحة 55.
4- ميزان الحكمة جزء 1، صفحة 402.
5- ميزان الحكمة جزء 3، صفحة 2087.
6- من كلام لسماحته بتاريخ 29/2/1979 يوم عودته إلى مدينة قم المقدسة، صحيفة نور جز 8، صفحة 67.
7- ميزان الحكمة جزء 1، صفحة 402.
8- ميزان الحكمة جزء 3، صفحة 2324.
9- ميزان الحكمة جزء 2، صفحة 1110.
10- ميزان الحكمة جزء 1، صفحة 54.
11- من كتاب كشف الأسرار لسماحة الإمام الخميني قدس سره.
12- الجهاد الأكبر صفحة 10.
13- من كتاب كشف الأسرار، للإمام الخميني قدس سره.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل