الأسـرة فـي فكــر الإمـام الخامنئـيّ دام ظله

الأسـرة فـي فكــر الإمـام الخامنئـيّ دام ظله

تحتلّ الأسرة مكانةً كبيرة في سلامة المجتمع ونموّه وارتقائه من جهة، أو في تردّيه وانحطاطه من جهة أخرى؛ إذ إنّها الخليّة الأساس له. من هنا ينظر الإمام الخامنئيّ دام ظله إلى أهمّيّة هذه الخليّة، فيقول: “إنّ مسألة الأسرة هي مسألة مهمّة جدّاً، هي الخليّة الأساس في المجتمع، و(لكن) ليس بمعنى أنّه إذا كانت هذه الخلية سليمة، فإنّ السلامة ستسري في بقية الأجزاء، أو أنّها إذا فسدت فإن باقي الأجزاء ستفسد بتبعيّتها، بل (بمعنى) أنّها إذا كانت سليمة فإنّ الجسم (سيكون) سالماً؛ لأنّ الجسم ليس شيئاً آخر غير الخلايا، وكلّ جهاز هو عبارة عن مجموعة من الخلايا، إذا استطعنا أن نحفظها سالمة، فسيكون الجهاز سليماً. المسألة مهمّة إلى هذا الحدّ.

في الأساس، لا يمكن للمجتمع الإسلاميّ أن يتقدّم ما لم ينعم بمؤسّسة أسريّة سليمة وحيويّة ونشيطة. لا إمكان للتقدّم في المجالات المختلفة، والمجالات الثقافيّة خاصّة، بدون أُسر جيّدة، فالأسرة ضرورة”(1).

قداسة الزواج
إنّ الزواج طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشريّ، وسبب الألفة والمحبّة، والمعين على العفّة والفضيلة، وبه يتحصّن الجنسان. ومن هنا، كان استحبابه استحباباً مؤكّداً، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما بُني بناءٌ في الإسلام أحبّ إلى الله تعالى من التزويج”(2)؛ لذا كان للزواج بعده المقدّس الذي لا ينبغي سلبه بأفعالٍ مشوِّهة كما يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله: “إنّ للزواج قداسةً من وجهة نظر الأديان التي أعرفها في الغالب، مراسم الزواج هي مراسم دينيّة يجريها المسيحيّون في الكنيسة، واليهود في معابدهم، والمسلمون يجرونها حين يقدرون في المشاهد المشرّفة أو في الأيّام المباركة وبواسطة علماء الدين. حين يقوم عالم الدين بعقد القران فإنّه يُبيّن بعض التعاليم الدينية. بناءً على هذا، فإنّ الصبغة صبغة دينيّة. إنّ للزواج بُعداً مقدّساً، ولا ينبغي نزع هذا البُعد المقدّس عن الزواج”(3).

هدف الحياة الأسريّة
إنّ الاستقرار والسكينة من أهمّ ما يحتاجه الإنسان في حياته؛ إذ إنّ سعادته تكمن في أن يكون بمأمن من الاضطراب والقلق. وهذه الأجواء الآمنة لا يمكن أن تتوفّر إلّا في ظلّ أسرة صالحة.

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: “انظروا إلى هذه الآية الشريفة وما فيها عن المرأة والرجل، في أجواء الأسرة على وجه الخصوص، تقول الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (الروم: 21)؛ أي ليس من جنس آخر، بل من حقيقة واحدة، ومن جوهر واحد، ومن ذات واحدة. ومن الطبيعيّ أنّهما يختلفان في بعض الخصائص بسبب تفاوت وظائفهما.

ثمّ يقول تعالى: ﴿لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ أي جُعلت الزوجيّة في الطبيعة البشريّة لهدف أكبر، وهو الاستقرار والسكينة إلى جانب الزوج ذكراً كان أو أُنثى، فالرجل حينما يأوي إلى داره، يجد جوّاً آمناً وزوجة عطوفاً وأمينة إلى جانبه، وكذا يمثّل الرجل بالنسبة إلى المرأة ملاذاً تعشقه، فتركن إليه وتحتمي به، والأسرة تضمن هذه الأجواء لكلا الجنسين. الرجل يحتاج إلى المرأة ضمن إطار الأسرة من أجل توفير السكينة والاستقرار لنفسه، والمرأة بحاجة إلى الرجل ضمن إطار الأسرة من أجل الحصول على الاستقرار والأمن”(4).

دعامتا الأسرة؛ مودّة ورحمة
المودّة هي الحبّ الظاهر أثره في مقام العمل، والرحمة نوعٌ من تأثرٍ نفسانيّ عند مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال، وحاجته إلى رفع نقيصته، فيدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه، وإنّ من أجلّ موارد المودّة والرحمة المجتمع المنزليّ(5).

يقول دام ظله: “المقطع الآخر من الآية له معنى جميل أيضاً، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)، وهذه المودّة لا يكتمل معناها بدون المحبّة، ولا الرحمة تصدق فيما إذا رافقها العنف.

الطبيعة التي أودِعت في الرجل والمرأة، في ظلّ الجوّ الأُسريّ، توجب قيام علاقة محبّة ومودّة فيما بينهما. بيد أنّ هذه العلاقة إذا ما طالها التغيير، كأن يتصرّف الرجل في البيت وكأنّه المالك، أو أن ينظر إلى المرأة بعين الاستغلال والاستخدام فهذا ظلم. وممّا يؤسف له أنّ الكثيرين يمارسون هذا الظلم. وهكذا الحال أيضاً خارج إطار الأسرة”(6).

سنّ الزواج
لم تحدّد الشريعة الإسلاميّة سنّاً معيّناً للزواج، بل هو أمر مرتبط بالقدرة على تحمّل هذه المسؤوليّة وتحقّق مواصفات معيّنة، والإمام الخامنئيّ دام ظله يدعو إلى الاعتدال والتوازن في ذلك، فلا إفراط ولا تفريط.

“أمّا سنّ الزواج، فيجب أن لا يكون فيه إفراط أو تفريط. قد يفضّل بعض الناس التعجيل في الزواج، إنّي لا أعارض هذا النمط من الزواج طبعاً، ولا مؤاخذة على من يريد التزويج مبكّراً جدّاً، ولكن لا ضرورة للتأكيد عليه، ولا ينبغي التأخير فيه كما يفعل الغربيّون ويتزوّجون في سنّ الثلاثين أو الأربعين. ثمّ إنّ النزعة الأنانيّة السائدة في ذلك المجتمع تجعل الكثير من الرجال في سنّ الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين يتزوّجون فتيات شابّات، فيكون بينهما فاصل في العمر شاسع. وهذا طبعاً من أسباب عدم استقرار الحياة الزوجيّة”(7).

من المعايير الإيجابيّة للزواج
يرى الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ العقبات في طريق الزواج لا تقتصر على المشاكل الاقتصاديّة فحسب، بل ثمّة مشاكل ثقافيّة تتمثّل في الأعراف والتقاليد، التي قد تحول إلى حدٍّ ما دون حصول الزواج كما ينبغي؛ لذا يشير دام ظله إلى بعض المعايير المطلوبة والمساعدة على تحقيق الزواج، منها:

1 – البساطة: “إذا درجت العادة على إقامة مراسم الزواج على بساطتها وبعيداً عن البهرجة والتشريفات، فإنّني أتوقّع حلّ الكثير من المشاكل. وأساس الزواج في الإسلام يقوم على البساطة، وهذا ما كان سائداً مطلع انتصار الثورة، غير أنّ ثقافة التكاثر والتفاخر والثراء عقّدت الأمور إلى حدٍّ كبير”(8).

2 – عدم المبالغة في المهر: “أوصي بتسهيل أمر الزواج وعدم المبالغة في المهر، وتحاشي تكلّف الأثاث الباهظ الثمن، وأن لا يكون في حفلات الزواج تبذير أو إسراف، وهذا أمر جدير بأن تُبذل في إشاعته الجهود. ويا حبّذا (لو توجد) دعاية إعلاميّة وثقافيّة بشأنه من أجل أن يتنبّه إليه الناس. وإذا هم تنبّهوا إليه، أعتقد أنّ أمر الزواج سيصبح أكثر سهولة”(9).

3 – التساهل وعدم التشدّد: “يجب التساهل في أمر الزواج وعدم التشدّد في الشكليّات؛ لكي يتسنّى للشباب الزواج بسهولة. ويجب أن يتوفّر العزم والهمّة لدى الأسرة ولدى الفتيان والفتيات أنفسهم، وأن لا يكون في المجتمع إحجام عن الزواج”(10).

4 – الرضى ومراعاة الذوق: “أرى من اللازم مراعاة ذوق الفتى والفتاة نفسيهما ورغبتيهما. والحقيقة هي أنّني أقول بنمط آخر من الرضى، غير الرضى الذي يتناوله عالم المباحث الحقوقيّة، والذي يشترط رضى الفتى والفتاة كشرط لصحّة عقد الزواج. أمّا الرضى الذي أرغب في وجوده كشرط لتحقّق الزواج، فهو أن تكون الظروف على نحو يؤدّي إلى إيجاد المحبّة بينهما، وأن لا يتمّ الزواج أساساً بدون توفّر عنصر المحبّة. لا بمعنى ضرورة وجود المحبّة قبل الزواج، وإنّما ينبغي على العموم توفّر شيءٌ من الإعجاب والميل، أي أن يحصل ميل من الفتاة نحو الفتى، ومن الفتى نحو الفتاة؛ ليكون بمنزلة الأرضيّة التي تقوم عليها المحبّة الدائمة”(11).

من المعايير السلبيّة في الزواج
يؤكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله رفض بعض المعايير التي تقع حجر عثرة في طريق الزواج الناجح وتأسيس الأسرة، مبيّناً أنّ الإسلام قد ترك الميدان مفتوحاً، ولم يطرح إلّا قيماً ذات أهمّيّة من الدرجة الأولى في عمليّة التزويج، ولم يقيّد الناس تقييداً صارماً، ومن هذه المعايير المرفوضة:

1 – معيار الغنى: “أمّا المعايير التي أرغب في أن تُرفض بشدّة، فمنها معيار الغنى؛ أي حينما يريد الشابّ أو الشابّة الإقدام على الزواج يجب أن لا يضع أيّ منهما نصب عينه ثروة الخطيبة أو الخطيب؛ لأنّ هذا يُعَدّ في رأيي عنصر إغفال، وليس نقطة إيجابيّة حقيقيّة، ويجب أن لا تؤخذ بعين الاعتبار”(12).

2 – البروز الاجتماعيّ: “الجانب الثاني الذي يجب أن لا يُعار له أيّ اهتمام هو جانب البروز الاجتماعيّ. فقد طرق سمعي أنّ بعض الناس يبحث كي يجد زوجاً لابنته أو زوجة لابنه، ممّن يتّصل بالأسر المشهورة أو أن يكون له منصب رفيع -وهذه الظاهرة قلّما توجد، لحسن الحظّ، بين الفتيان والفتيات أنفسهم، وإنّما هي ممّا يهتمّ به الآباء والأمّهات- وهذا في رأيي معيار مغلوط”(13).

3 – عوامل الجذب الظاهريّة: “كما توجد عوامل جذب ظاهريّة تستقطب اهتمام الشبّان، وهذه أيضاً يجب أن لا تُتّخذ -حسب رأيي- كمعيار للزواج. كأن يبحث الشباب والشابّات، عمّا يشدّ أبصارهم، فيعتبرونه معياراً وافياً. وهذا أيضاً مما نحذّر وننذر منه بشدّة، ولا نريد للفتيان والفتيات التورّط في هذا الفخّ”(14).

1- من كلام له دام ظله بمناسبة ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام ويوم المرأة، بتاريخ 19/06/1418ه.ق.
2- الفصول المهمّة في أصول الأئمّة، الحرّ العامليّ، ج 2، ص 321.
3- من كلام له دام ظله في لقاء المشاركين في الملتقى الثالث للأفكار الاستراتيجيّة في موضوع المرأة والأسرة، بتاريخ 14/01/2012م.
4- من كلام له دام ظله بمناسبة ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام ويوم المرأة، بتاريخ 19/06/1418ه.ق.
5- تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائيّ، ج 16، ص 166.
6- من كلام له دام ظله بمناسبة ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام ويوم المرأة، بتاريخ 19/06/1418ه.ق.
7- من كلام له دام ظله بمناسبة ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام، بتاريخ 19/06/1419ه.ق.
8- من كلام له دام ظله بمناسبة أسبوع الشباب في الجمهوريّة الإسلاميّة، بتاريخ 11/01/1419ه.ق.
9- من كلام له دام ظله بمناسبة ولادة السيّدة الزهراء عليها السلام، بتاريخ 19/06/1419ه.ق.
10- (م. ن.).
11-(م. ن.).
12-(م. ن.).
13-(م. ن.).
14- (م. ن.).

للمشاركة:

روابط ذات صلة

شرح وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ (4)
شرح وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ (4)
وصية الشهيد المجاهد أحمد مهنا اللامي
وصية الشهيد المجاهد أحمد مهنا اللامي
قصّة زيارة القائد لعائلة الشهداء "كاركوب زاده"
قصّة زيارة القائد لعائلة الشهداء "كاركوب زاده"
وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ (3)
وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ (3)
الشخصية الوسواسية
الشخصية الوسواسية

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل