Search
Close this search box.

الحسـد.. إفلاسٌ وشـقـاء

الحسـد.. إفلاسٌ وشـقـاء

عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: قالَ رَسُــولُ اللّــه صلى الله عليه وآله: قالَ اللّه عَزَّ وَجــلّ لِمُــوسَى بنِ عُـمْراِن: يا ابْــنَ عُمْـران لا تـحْسُدَنَّ النّــاسَ عَلى ما آتَـيْتُــهُمْ مِـنْ فَضْلي ولا تَمُدَّنَّ عَيْنيــْكَ إِلى ذلِكَ وَلا تُتْبِــعْهُ نَفْسَكَ فَإنَّ الحاسِدَ ساخِطٌ لِنِعَــمي، صادٌّ لِقِسْمِيَ الَّذي قَسَــمْتُ بَيْنَ عِبادي وَمَنْ يَــكُ كذلِكَ فَلَــسْتُ مِنْهُ وَلَيْــسَ مِنّي” (1). 

إن الحسد حالة نفسيَّة يتمنى صاحبها سلب الكمال والنِّعمة اللذين يتصورهما عند الآخرين، سواء أكان يملكهما أم لا، وسواء أرادهما لنفسه أم لم يردهما. وهذا يختلف عن الغبطة، لأن صاحب الغبطة يريد النِّعمة التي توجد لدى الآخرين أن تكون لنفسه، من دون أن يتمنَّى زوالها عن الآخرين. وأمَّا قولنا: “النعمة التي يتصوَّرها عند الآخرين” فنعني به أنَّ تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقية. فطالما تبيَّن أن الأمور التي تكون بحدِّ ذاتها من النَّقائص والرَّذائل، يتصوَّرها الحسود من النِّعم والكمالات، فيتمنَّى زوالها عن الآخرين. والمعيار في معرفة هذه الحالة النفسيَّة هو توهُّــم الكمال وتصوُّر وجود النِّعمة، لا النِّعمة نفسها، فالّذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية، أو موهومة ويتمنَّى زوالها، يعـدُّ حسوداً.

* أسباب الحسد
للحسد أسباب كثيرة، يرجع أكثرها إلى رؤية الذِّلة في النَّفس تماماً كمـا أنَّ الأمر في الكبر نوعاً يتمُّ على عكس ذلك. فإنَّ المرء عندما يجد في نفــسه كمالاً لا يجده في غيره، تنشأ عنده حالة من الترفُّع والتعزُّز والتَّعالي في نفسه، فيتكبّر، وإذا لاحظ الكمال في غيره، انتابته حالة من الذلِّ والانكسار. ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات نفسانية، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصوُّر ذلَّة في تساوي غيره معه، مِثل أن يحسد صاحب الكمال والنِّعمة مثيله أو الذي يليه. ويمكن القول إنَّ الحسد هو ذلك الانقباض والذلُّ النَّفسي اللَّذان تكون نتيجتهما الرَّغبة في زوال النِّعمة والكمال عن الآخرين.  وقـد حصـر بعضهـم كالعلَّامة المجلسـي “رحمه الله”(2) أسباب الحسد في سبعة أمور:
الأوَّل: العداوة.
الثَّاني: التعزُّز حين يكون سبب الحسد عزّة يشعر بها الحاسد ولا يطيق معها أن يملك غيره ما يظن أنه سيكون سبباً لاستكباره عليه.
الثالث: الكبر حين يكون في طبعه أن يتكبَّر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته وهو المراد بالتكبر.
الرابع: التعجُّب أن تكون النِّعمة عظيمة والمنصب كبيراً فيتعجَّب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا (يس: 15) و﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا (المؤمنون: 47)، وأمثال ذلك كثيرة فتعجَّبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنهم بشر مثلهم فحسدوهم وهو المراد بالتَّعجب.
الخامس: الخوف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه.
السَّادس: حبُّ الرئاسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها.
السابع: خبث الطِّينة حين لا يكون بسبب من هذه الأسباب، بل لخبث النّفس وشحّها بالخير لعباد الله. ولكنني أعتقد كما أشرت إليه سابقاً، أنَّ معظم هذه الأسباب بل كلها يعود إلى رؤية ذلِّ النفس.

* مفاسد الحسد
اعلم أن الحسد نفسه أحد الأمراض القلبيَّة المهلكة، ويتولّــد منه أيضاً أمراض قلبيَّة كثيرة، كالكبر وفســـاد الأعمال، وتعدّ كلّ واحدة منها من الموبقات، وتشكّـــل سبباً مستقـــلاً لهلاك الإنسان. وأما مفاسد الحسد فسنكتفي بما نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام: “آفَــةُ الدّيــنِ الحَسَــد والعُــجْبُ وَالــفَخْرُ”(3). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: “إِن الرَّجُــلَ لَيَــأْتى بِأي بادِرَةٍ فَــيُكَــفَّرُ، وَإنَّ الحَسَــدَ لَيَــأكُــلُ الإيمان كَمـــا تَــأْكُــلُ النّــار الحَطَبَ”(4).

ومن المفاسد الكبيرة التي لا تنفك عن الحسد، سخط الحسود على الخالق ووليِّ نعمته وإعراضه عن تقديراته تعالى.  ومن مفاسد هذا الخلق الذميم، كما يقول العلماء، ضيق القبر وظلمته. فهم يقولون إنَّ صورة هذا الخلق الفاسد الرديء، التي فيها ضيق نفساني وكدر قلبي، تشبه ضيق القبر وظلمته، فضيق القبر أو اتساعه منوط بضيق الصدر أو انشراحه. وقلّما يوجد الضِّيق والضَّغط والكدر والظَّلام الّذي يحصل في القلب بسبب الحسد في خلق فاسد آخر. وعلى أيّ حال إنَّ صاحب هذا الخلق يعيش في الدنيا معذَّباً مبتلى، ويكون له في القبر ضيق وظلمة، ويحشر في الآخرة مسكيناً متألِّماً.

هذه هي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقيَّة الأخرى، أو الأعمال الفاسدة الباطلة، التي يمكن أن تتولَّد منه والغِيبة، والنَّميمة، والشتم، والإِيذاء، وغير ذلك مما هو من الموبقات والمهلكات. فعلى الإنسان العاقل أن يشمّر عن ساعد الجدّ لينقذ نفسه من هذا العار وإيمانه من هذه النَّار المحرقة والآفة الصَّعبة، وأن ينجو بنفسه من ضغط الفكر وضيق الصَّدر في هذه الدنيا وهما نوعان من العذاب المرافقان للعمر كلّه وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ، ومن غضب الله تعالى. على الإنسان أن يفكِّر قليلاً ليدرك أن أمراً له هذا القدر من المفاسد يجب أن يُعالج، مع العلم أنَّ حسدك لن يضرَّ المحسود، فلا تزول نعمته بمجرَّد حسدك له، بل يكون له نفع دنيوي وأخروي، وذلك لأنَّ شقاءك وحزنك وأنت عدوُّه وحاسده يعدُّ نفعاً له. فهو يرى أنَّه متنعِّم وأنت معذَّب بتنعُّمه، وهذه نعمة له. وفي الآخرة أيضاً يكون حسدك له نفعاً له، وخصوصاً إذا كان الحسد قد دفع بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل، مما يستوجب أخذ حسناتك وإعطاءَها له، فتعود أنت مفلساً، ويزداد هو نعمة وعظمة.

* المعالجة العملية للحسـد
من أبرز أساليب العلاج العملية لهذه الرذيلة هي أن تتكلَّف إظهار المحبَّة للمحسود وترتِّب الأمور بحيث يكون هدفك هو معالجة مرضك الباطني، وأن تعمل خلافاً لما تريده النفس، وأن تترحم عليه وتحترمه وتجلّه. واحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، واعرض أعماله الصالحة على نفسك وعلى الآخرين، وتذكّر صفاته الجميلة.  صحيح أن هذا سوف يكون متكلفاً في بادئ الأمر ولكن لمَّا كان الهدف هو إصلاح النَّفس وإزالة هذه المنقصة والرذيلة، فإنَّ نفسك سوف تقترب في النِّهاية من الحقيقة، وينقص تكلُّفك شيئاً فشيئاً، وترجع نفسك إلى حالها وتصبح ذات واقعيَّة. قل لنفسك، على الأقل: إنَّ هذا الإنسان عبد من عباد اللّه، ولعل اللّه نظر إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما أنعم من النعم وخصّه دون غيره بها. وليعلم أنه إذا اتخذ طريق المحبة فإنَّه سرعان ما يكون موفقاً، لأنَّ نور المحبة قاهر للظُّلمة ومزيل للكدر، ولقد وعد اللّه تعالى المجاهدين أن يهديهم وأن يعينهم بلطفه الخفيِّ ويوفِّقهم. إنُّه وليّ التوفيق والهداية.

(1) الكافي، الكليني، ج2، ص307.
(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج70، ص 240.
(3) الكافي، م. س، ج2، ص307
(4) م.ن، ص306.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل