Search
Close this search box.

سيماء الصالحين

سيماء الصالحين

 أثر التفكير بالمكروه(*)

نقل آية الله السيّد أحمد الفهري(1) أنّ العارف الشيخ رجب علي الخياط(2) رحمه الله حكى له ذات يوم: كنتُ ذاهباً في أحد الأيّام إلى السوق لعملٍ ما، وبينما أنا أسير في الطريق، إذ خطر في ذهني تفكيرٌ بمكروه، فاستغفرت الله منه. وحينما كنتُ أسير. إذ مرَّت من جانبي مجموعة إبل تحمل الحطب إلى المدينة، وفجأةً، رفسني أحد الجمال. ولولا أنّني ابتعدتُ عنه سريعاً، لأصابتني رفسته! فذهبتُ إلى المسجد. وبقيتُ أفكّر في عِلّة هذا الأمر، ودعَوتُ الله أن يُطلعني على حقيقته.

فقيل لي في عالم المكاشفة: “هذا نتيجة تفكيرك بالمكروه الذي خطر في بالك”!

فقلت: ولكنّني لم أقترف ذنباً!

فقيل لي: “ولذلك رفسة الجمل لم تصبك”!

أحد الانعكاسات القيّمة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يخضعون لتلك العناية الإلهيّة. هي تنبيههم إلى عيوب أنفسهم. فقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “إذا أراد الله عزّ وجلّ بعبد خيراً فقّهه في الدين. وزهّده في الدنيا، وبصّره بعيوب نفسه”(3).

 لأحفظ له ماءَ وجهـه(**)

كما ينقل أحد تلامذة العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: “كان المرحوم السيّد عليّ القاضي -أستاذ العلّامة الطباطبائيّ في العرفان- من ناحية الأخلاق العمليّة آيةً عجيبةً. ويعرف أهل النجف، وخصوصاً أهل العلم، الكثير من قصصه. كان في منتهى الفقر، وكانت عائلته كبيرة. وكان في منتهى التسليم والتفويض والتوحيد. بحيث لم يخرجه فقره ذرّةً عن مساره.

كما قال حدّثني أحد أصدقائي في النجف. : ذهبت ذات يوم إلى دكّان بائع الخضار، فرأيت المرحوم السيّد القاضي منحنياً ينتقي الخسّ. إلّا أنّه، على عكس المتعارف، كان يختار الخسّ الذابل ذا الأوراق الخشنة. وقفت أتأمّله إلى أن انتهى من الانتقاء، وقدّم الخسّ لصاحب الدكّان ليزنه، وبعد ذلك وضعه السيّد تحت عباءته ومضى. وكنت عندها طالباً شابّاً، وكان المرحوم القاضي رجلاً مسنّاً، فتبعته وقلت له: مولاي، لديّ سؤال، لماذا اخترت، بعكس الجميع، الخسّ الذابل غير المرغوب فيه؟.

قال: عزيزي، هذا الرجل بائعٌ فقير، وأنا أساعده أحياناً، ولا أريد أن أعطيه شيئاً بلا عوض؛ لأحفظ له عزّته وماء وجهه، أوّلاً، و لكي لا يعتاد على (الأخذ) مجّاناً فيتكاسل في الكسب، ثانياً و من ناحية أخرى بالنسبة إلينا، لا فرق بين الخسّ الطريّ وهذا الخسّ. وأنا أعلم أنّ هذا الخسّ لن يشتريه منه أحد؛ فمنعاً لتضرّره وخسارته اشتريته منه”.

(*) مقتبس من كتاب كيمياء المحبّة، ص 85.
(**) مقتبس من كتاب: سيماء الصالحين، ص 293.
1.السيّد أحمد الفهري ممثل سماحة الإمام الخامنئي دام ظله في لبنان وسوريا مدة من الزمن، وكان سادن الحضرة الزينبيّة في دمشق، له مؤلفات عدّة، كما قام بتعريب بعض كتب الإمام الخميني قدس سره، توفي سنة 2006م.
2.عالم وعارف ربّاني ولد في طهران، زاول عمل الخياطة، ليخدم المستضعفين من الحلال الطيب، وأتحف مدرسة السير والسلوك بالكثير من الآداب والتوجيهات والمراقبات، تناقلت دروسه الأخلاقيّة 5 أجيال متتالية، توفي في الريّ جنوب طهران، عام 1961م، ودفن في مقبرة الشيخ الصدوق (رحمه الله).
3. الفيض الكاشاني، الوافي، ج 26 ص 190.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل