Search
Close this search box.

ما هو الحج الإبراهيمي عند الإمام الخميني ؟

ما هو الحج الإبراهيمي عند الإمام الخميني ؟

الشيخ حسين انصاريان

   يرى الإمام أنّ من أهداف الحج «إيجاد التفاهم وتعزيز أواصر الوحدة الاسلامية آ» : «من مهمات فلسفة الحج إيجاد التفاهم، وتعزيز الاخوّة بين المسلمين، وعلى العلماء والخطباء طرح المسائل الأساسية والسياسية والاجتماعية مع إخوتهم في الدين وتهيئة مشاريع لحلها، ليطرحوها بدورهم على العلماء وأصحاب الرأي لدى عودتهم إلى بلدانهم آ».

   وأخيراً فانّ الحج بنظر الإمام « بمستوى القرآن يستفيد منه الجميع لكنّ المفكّرين والخائضين غمراته والمتحسسين لآلام الأُمّة الإسلاميّة لو خاضوا لجج معارفه ولم يخشوا الاقتراب منه والغوص في أحكامه وسياساته الاجتماعية لاصطادوا من صدف هذا البحر كمية أعظم، من جواهر الهداية والرشد والحكمة والانعتاق ، ولارتووا وإلى الأبد من زلال حكمته ومعرفته آ»14. صلى الله على روحك وبدنك يا إمام، فهل هناك أجمل وأشمل وأدق من هذه العبارات عن فلسفة الحج ؟

   يضيف الإمام  : «ولكن ما العمل ؟ وإلامَ تشكو هذا الغم الكبير ؟ فقد أصبح الحج كما القرآن مهجوراًآ».

آ« ليس حجاً هو الحج الخالي من الروح والحركة والقيام والبراءة والوحدة ، والحج العاجز عن هدم صروح الكفر والشرك.

   أيها الأعزاء، يمكنكم أن تزيلوا هذا الغم عن روح الإمام الطاهرة، صحيح انّه رحل عنّا، بيد أن رسالته تُثقل كواهلنا فرداً فرداً.

   وقد لخّص الإمام الباقر(عليه السلام) جدّ إمامنا هذا الكلام في عبارة واحدة وقال  : في تلك الأيام العصيبة التي كلكل فيها ظلّ السلطة الجائرة على العالم الإسلاميّ  : آ« إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم، ويعرضوا علينا نصرهم آ»15.

   يُريد الإمام الباقر(عليه السلام) أن يبيّن لنا من خلال استعماله لتعبير الأحجار أنّ الحج المجرد من الفلسفة الإبراهيمية للحج لايعدوكونه طوافاً بالأحجار.

يقول الإمام الخميني  : آ« التكليف الإلهي للحجاج في هذه البرهة الزمنية أن ينكروا كلّ موضوع يُشم منه رائحة الاختلاف والوقيعة بين صفوف المسلمين. ويعتبروا البراءة من الكفار وقادتهم واجباً من واجباتهم في المواقف الكريمة، ليكون حجّهم حجّاً ابراهيمياً وحجّاً محمدياً، وإلاّ سيصدق عليهم القول المعروف  : ما أكثر الضجيج ، وأقل الحجيج ! آ»16.

   كان هذا جانباً من رؤى إمام الأمّة وهو يتناول القضايا التي تخصّ فلسفة الحج وأُسس الحج الإبراهيمي، وعلى قاعدة هذه الفلسفة والأُسس يختلف محتوى الحج بدوره، كما يختلف الحجاج والقائمون على شؤون الحج.

   وقبل أن أختم هذا الحديث، أتطرق باختصار إلى محتوى الحج الذي يختلف في الحج الابراهيمي عن غير الإبراهيمي في كلّ مناسكه من التلبية إلى الرمي، إذ يرى الامام أنّ كلّ أعمال الحج وحركاته وسكناته تنطوي على محتوى حيوي تربوي محرك خاص، وحينما يقول الحاج : آ« لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك…آ» لا يكون قوله صادقاً وحقيقياً إلاّ حينما يصغي من أعماقه لنداء الحق ويستجيب لدعوة الله تعالى.

   فالمسألة هنا مسألة الحضور في المحضر، ولا يستطيع أن يقول لبيك إلاّ من يحس بهذا الحضور، فإنكم وأنتم في غرفة مغلقة الأبواب لا يوجد فيها غيركم لا تقولون آ« نعم »، إنّما تتفوّهون بهذه الكلمة حينما يوجد من يناديكم، فتشهدون وتسمعون صوته ودعوته، فالمسألة هي مسألة الحضور في المحضر ومشاهدة جمال المحبوب، وكأن الملبي في هذا المحضر قد خرج عن حالته الطبيعية، وتخلى عن ذاته.

   إلهي! هل لنا أن ندرك ولو للحظة واحدة المعنى الحقيقي للحج والمعنى الحقيقي للإحرام ومفهوم التلبية ؟

   يصوّر الإمام العزيز هذه الحالة بشكل يبدوأنّ الملبي في محضر الله يخرج عن وضعه الطبيعي، ويكرر التلبية ثمّ ينزهه عن الشريك بالمعنى المطلق ، أي  : اللهمّ إني لا أُشرك بك مطلقاً، وأبرأ من كل الطواغيت الكبار والصغار، ولا استجيب إلاّ لك، كما قال الامام الصادق(عليه السلام) في الحديث المروي عنه  :

آ«وأحرم عن كلّ شيء يمنعك من ذكر الله، ويحجبك عن طاعته، كلّ ما اشَغَلَك عَنِ اللهِ هوَ صَنَمُك”

   أحرِم عن كل ما يبعدك عن محضر الله، ويجعلك غافلاً عن ذكره، ويحجبك عن طاعته، وحرّمه على نفسك، وحينما تلبي آ«لبِّ تلبيةً صادقة ، خالصة ، زاكية لله ـ عزّ وجلّ ـ في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقىآ». وحينما تتمسك بعروة الولاية الوثقى وهي الوجهة السياسية الأساسية للحج، قل آ«لبيك» بإخلاص وصدق ، وقل  : اللّهم أتيت لأقول لك آ«لبيك» ولغيرك آ«لاآ».

أللّهم أفِدْنا من الحج كما يفهمه أولياؤك وينتفعون منه.

أللّهم وفّقنا لأداء الحج كما جسّده لنا الامام العزيز الذي نقف الآن في محضره وتشهدنا وتحيطنا روحه الطاهرة.

أللّهم صِلْ ثورتنا بثورة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) العالمية، وسدّد قائد الثورة آية الله الخامنئي واكتب له النصر المبين.

الهوامش  :

1 ـ ابراهيم : 35.

2 ـ بيام استقامت (نداء الاستقامة) : 7.

3 ـ آ«ما للحج ولأخذ حقوق المسلمين والمحرومين من الظالمينآ». بيام استقامت : 7.

4 ـ آ«ما للحج واستعراض المسلمين لانفسهم كقوة عظمى تمثل القوة الثالثة في العالمآ». بيام استقامت : 7.

5 ـ آ«ما للحج وثورة المسلمين ضد الانظمة العميلةآ». بيام استقامت : 7.

6 ـ بيام استقامت : 8.

7 ـ نفس المصدر.

8 ـ صحيفه نور 18 : 67.

9 ـ المائدة : 97.

10 ـ صحيفه نور : 19  : 43.

11 ـ صحيفه نور : 19  : 43.

12 ـ الحج : 26.

13 ـ صحيفه نور18 : 87.

14 ـ بيام استقامت : 8.

15 ـ بحار الأنوار 99 : 374(ط. بيروت).

16 ـ صحيفه نور19 : 46.

17 ـ بمعنى أجِبْ

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل