Search
Close this search box.

بيت المقدس.. العمق الديني عند المسلمين‏

بيت المقدس.. العمق الديني عند المسلمين‏

الشيخ مصطفى قصير

“القدس الشريفة” اسم المدينة المقدّسة التي تمتلك تاريخاً عريقاً، وتحتل موقعاً مميزاً في قلوب المؤمنين ومنزلة خاصة عند الأديان بما فيها الدين الإسلامي، كان يطلق عليها في الماضي اسم “بيت المقدس” وربما كان اسماً لخصوص المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقيل هي الأرض المقدسة التي أمر موسى عليه السلام قومه أن يدخلوها كما في القرآن الكريم (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين).
هذه المدينة تعاني اليوم من الأسر والاحتلال ومن محاولات التدنيس والتشويه وتزوير المعالم التاريخية، وقد أطلق الإمام الخميني العظيم قدس سره على الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك اسم “يوم القدس” في خطوة لافتة جاءت بعد الانتصار الكبير للثورة الإسلامية في إيران لتدلل على الارتباط الوثيق بين الثورة الإسلامية في إيران وبين القضية الفلسطينية، ولتحث المسلمين كافة على تعبئة قواهم ورص صفوفهم وحشد طاقاتهم لتحرير القدس الشريفة وإنقاذ المسجد الأقصى من أيدي الغزاة الغاصبين والصهاينة المحتلين.

اليوم الذي جعله الإمام الخميني قدس سره رمزاً ومناسبة لاستعادة روح الجهاد والمقاومة وتحرير المقدسات لم يأت اختياره عشوائياً ولا مصادفة، بل جاء مقصوداً، نظراً لما يمثله شهر رمضان المبارك والجمعة والعشر الأواخر م الشهر المبارك على الخصوص، وهي أيام صوم وعبادة وإخلاص وتزكية وصفاء وارتباط بالله عز وجل، وإنها أيام بركة ورحمة ومغفرة ودعاء واستجابة، ولن يجد المسلمون أفضل من هذه الأيام المباركة للسعي من أجل فك أسر المدينة المقدسة وبيت المقدس والمسجد الأقصى، ورفع راية التوحيد على أركانه والآذان بالتكبير في أرجائه.
كل ذلك من أجل إخراج القضية الفلسطينية من قمقم الحصار القومي والإقليمي إلى دائرة أوسع بكثير وهي دائرة العالم الإسلامي والقوى الإسلامية، عبر إبراز البعد الديني، والتركيز عليه وربط القضية بعقيدة المسلمين ومشاعرهم وعواطفهم وأحاسيسهم وصلاتهم وصومهم وحجهم.

* من أين يكتسب الزمان أو المكان قدسية؟
سؤال قد يخطر بالبال، فالمسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة والمسجد الأقصى في بيت المقدس، أماكن لها حرمتها وقدسيتها عند المؤمنين، وهكذا كل مسجد وكل بقعة أرض لها حرمة أو قداسة لا تكتسب قداستها وموقعها من خلال ما فيها من سقوف وجدران وما فيها من زخارف وفنون عمرانية، وإنما من خلال حركة التوحيد والعبادة لله والارتباط به تعالى التي تجري فيها، فعندما ينتصر إبراهيم عليه السلام على الشياطين التي حاولت أن تثنيه عن الطاعة والتسليم لأمر ربه بذبح ولده إسماعيل، وعندما يفوز إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) بأرقى مستوى من مستويات التسليم والاستسلام لأمر الله تعالى، يصبح المكان الذي جرت في أنحائه هذه العملية العظيمة مشعراً من مشاعر الله، يؤمه المسلمون ويحجَّون إليه، ويتلمسون خطوات التوحيد الخالص والفناء التام بين يدي الباري عز وجل.
إنه إذاً ظرف مكاني اكتسب قدسيته من الحدث التوحيدي والفعل العبادية الخالص الذي وقع فيه.
أضرحة الأنبياء والأولياء والأئمة الأطهار قدسيتها تنتقل من قداسة الأجساد الطاهرة المطهرة التي تضمنتها واحتضنتها.
والزمان كذلك، هو ظرف يكتسب مكانة ومنزلة من خلال الحدث الذي يرتبط به ويقع فيه، والميزان دائماً باتجاه ما يسمو بالإنسان ويقربه إلى ربه، ويضعه على الصراط السوي، ولذا كان شهر رمضان أفضل الشهور وليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق.

* “بيت المقدس”:
وعليه، فإن بيت المقدس له قدسية خاصة في جميع الأديان، وعند المسلمين بشكل خاص، وليس ذلك من جهة الآثار القديمة القائمة فيه أو المندثرة، وإنما هو من جهة كونه بيت “بنته الأنبياء، وكسنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلاّ وقد صلى فيه نبي أو أقام فيه ملك، على ما روي عن ابن عباس.
واسمه يشير إلى شأنه وشرفه ومكانته، فإن القدس هو الطهارة والتنزه عن الأدناس، وأولها وعلى رأسها دنس الشرك والوثنية، فهو مكان عبادة وتطهر عن الذنوب، ومكان ينزه الله فيه ويقدس، يوحد فيه ويطاع وهذا هو ميزان القداسة عندنا.
بل يمكن أن يقال إن اتخاذ “بيت المقدس” قبلة في بداية البعثة النبوية الشريفة يكشف عن تلك المكانة، حيث أن القبلة أثناء الصلاة هي وجهة محسوسة ومادية ترمز إلى وجهة حركة المصلي وإلى وجهة ارتباطه العقائدي والإيماني والقلبي، وتؤكد هذه القضية كمال الترابط والانسجام بين الأديان المحقة التي هي مراحل متوالية لدين الله الواحد الذي لا يتغير ولا يتبدل، وإن تغيرت الرسل والأنبياء، أو تغيرت بعض الأحكام العبادية على مستوى الشكل والظاهر لا على مستوى المضمون والجوهر (إن الدين عند الله الإسلام).
ويؤكد ذلك أن الرسل عليه السلام الذين بعثهم الله تعالى لهداية البشر يأتي كل واحد منهم مصدقاً لما بين يديه ومؤيداً لمن سبقه من الأنبياء والرسل، وكذلك شأن الكتب التي أنزلها الله تعالى.
القرآن الكريم يأمر بالإيمان بكل الرسل والأنبياء فيقول:
(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).

* أولى الناس ببيت المقدس:
يتمسك الصهاينة بوعد توراتي مزعوم في الترويج لحركتهم العدوانية، مفاده أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى هذه الأرض لأولاد إبراهيم عليه السلام بكل ما فيها، حتى أبناء القبائل الذين كانوا يقطنون هناك، ثم يتوسع العطاء هذا ليشمل الأرض الواقعة بين النيل والفرات.
والذي يهمنا التركيز عليه هنا ليس النقاش في صحة الوعد التوراتي وعدمه، فإن التوراة المتداولة لا يشكل أحد في أنها حرفت وعيرت معالمها، وإنما البحث في علاقة الصهاينة بهذا الأمر، وصلاحيته للعصور التي جاءت بعد عصر إبراهيم، بل بعد عصر موسى (عليهما السلام).
وفي هذا المجال يجدر التأكيد على أن الله سبحانه وتعالى لا يجعل من الانتماء النسبي للنبي أي نبي نشأ مستقلاً وكاملاً للفضل واستحقاق العطاء الإلهي والمنزلة الرفيعة الكرامة عند الله.
فإنه تعالى يخاطب نوحاً عليه السلام في شأن ابنه المبتعد عن الصلاح فيقول: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح).
ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سلمان الفارسي: “سلمان منا أهل البيت”. فالميزان إذاً هو الانتماء العقيدي والانقياد العملي والتبعية في كل شي‏ء.
وعلى هذا الأساس يصبح أهل الصلاح وأهل الإيمان والتقوى هم أتباع الرسل والأنبياء وهم أول الناس بهم في أي عصر كانوا وفي أي بقعة عاشوا.

* القرآن الكريم يتناول هذه النقطة بصراحة فيقول:
(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذي اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين).
ويمكن أن يقال على نفس القاعدة أولى الناس بموسى وبعيس وبغيرهما من الأنبياء والرسل الكرام هم الذين اتبعوهم على مبادئ‏ دينهم الذي هو الإسلام، وثلة المؤمنين في عصرنا الحاضر الذين يرفعون شعار الدين الحق عقيدة وعملاً ومنهجاً هم أتباع الرسل والأنبياء وأئمة الهدى، وهم ورثة الكتب والرسالات، وهم الأولى بكل المقدسات، لأنهم الأقدر على الحفاظ على قدسيتها وانتمائها الصحيح.
فنحن أهل القدس والمسجد الأقصى، كما أننا أهل مكة ومنى والبيت الحرام والمسجد النبوي الشريف.
(ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل