لقد انتصر ذلك المجاهد في سبيل الله (الحسين عليه السلام) على العدوّ، من جميع الجهات، حيث وقف بمظلوميّة في مواجهة ذلك العالم وسُفكت دماؤه وأسِرت عائلته، وهذا درس للشعوب. نُقل عن زعماء كبار في عصرنا الحالي – وهم ليسوا بمسلمين – أنّهم قالوا: “لقد تعلّمنا طريق الجهاد من الحسين بن عليّ عليه السلام”. وإنّ ثورتنا – الثورة الإسلاميّة – هي أيضاً واحدة من تلك الأمثلة. لقد تعلّم شعبنا أيضاً من الحسين بن عليّ عليهما السلام، وأدرك أنّ القتل ليس دليلاً على الهزيمة وفهم أنّ التراجع أمام العدوّ، القويّ في الظاهر، موجب للشقاء والذلّ. ومهما كان العدوّ قوياً، فإنّه إذا صمدت الفئة المؤمنة والجبهة المؤمنة أمامه بالتوكّل على الله، ستكون الخاتمة هزيمة العدوّ وانتصار الفئة المؤمنة، وهذا ما أدركه شعبنا[1].
الصمود في مواجهة لوم الخواصّ
إنّ السير على طريق الله له معارضون على الدوام. ولو أنّ شخصاً من هؤلاء الخواصّ الذين تحدّثنا عنهم[2] أراد أن يقوم بعملٍ حسن – العمل الذي يجب القيام به – فقد ينبري له بضعةُ أفراد من أولئك الخواصّ أنفسهم باللوم على موقفه ذاك، قائلين: “أيّها السيّد، ألا عمل لديك؟ أجُننت؟ أليس لديك عائلة وأطفال؟ لماذا تسعى وراء أعمال كهذه؟! مثلما كانوا يفعلون في أيّام ثورتنا. لكنّ الخواصّ يجب عليهم أن يثبتوا، وإنّ إحدى ضرورات جهاد الخواصّ هي أنّه ينبغي الصمود والثبات في قبال هذه الملامة وهذا التقريع[3].
حفظ الدّين في ظلّ الاستقامة والصمود
يختلف زماننا كثيراً عن زمن الإمام الحسين عليه السلام. ففي ذلك اليوم كان الإمام وحيداً، واليوم، إنّ حفيد الحسين إمام الأمّة (رضوان الله عليه) ليس وحيداً. لو كان للإمام الحسين – في ذلك اليوم – آلاف عدّة من الشباب المتحمّس الشجاع أمثالكم لقضى على كلّ أجهزة بني أميّة، ولأقام الحكومة الإسلاميّة. ولو كان للإمام الصادق والإمام الباقر والإمام موسى الكاظم وبقيّة الأئمّة عليهم السلام – الذين كانوا يواجهون أجهزة الجور والظلم- 500 إلى 1000 شخص أمثالكم، أيّها الشباب المضحّون في حرس الثورة، 100 شخص، 500 ألف من أمثالكم لتغلّبوا على كلّ أعدائهم، لقد كانوا وحيدين، غرباء، وقد حفظوا الدّين بوحدتهم وغربتهم ومظلوميّتهم، وفي النهاية باستشهادهم ومقتلهم. واليوم سيحفظ شعبنا هذا الدّين بقوّته[4].
صمود في ظروف استثنائيّة
الحسين بن عليّ عليهما السلام في هذا المجال شخص فريد[5]، بمعنى أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لم يظهر هكذا مقاومة. وهذا ليس معناه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يستطع إظهار ذلك، لا! فالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مقاومة من الحسين بن علي عليهما السلام وأقوى، ولا شكّ في ذلك، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام، كما إنّ الإمام الحسن عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام، والأمر هو كذلك، إلّا أنّ ظرف الزمان والمناسبة قد منح هذه الفرصة فقط للحسين بن عليّ عليهما السلام ليظهر مثل هذه المقاومة. بالطبع لو كان الإمام الحسن عليه السلام في نفس تلك الظروف لقام بالعمل نفسه، ولو لم يكن عمله أفضل فهو بالتأكيد لن يكون أقلّ، اعرفوا هذا الأمر، فالنبيّ الأكرم هكذا أيضاً، وأمير المؤمنين عليه السلام كذلك.
إنّ درس مقاومة الإمام الحسين عليه السلام درس لا يُنسى.
لم يكن على الأرض غير تلك المجموعة المعدودة التي اجتمعت حول الإمام الحسين عليه السلام، ولم يكن هناك شخص آخر كان مستعدّاً ليكون معه حتّى آخر المسير. وقد رأيتم بالنهاية! كان هناك أهل الكوفة بشعاراتهم وكلماتهم التي بقيت موجودة إلى ما قبل الخطر بقليل، وقبل وقوع الخطر فرّ الجميع، وتركوا الحسين عليه السلام وحيداً. يعلم الإمام الحسين عليه السلام ذلك ويعرفهم وقد صمد وقاوم في تلك الظروف العجيبة[6].
* من كتاب: دروس عاشوراء – جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
[1] في لقاء حشد من مختلف طبقات المجتمع، بمناسبة حلول شهر محرّم الحرام، 10/4/1371ش- 1/7/1993 م.
[2] في إشارة إلى بحث العوام والخواص، الذي جاء في بداية هذا الخطاب: “إذا نظرتم إلى المجتمع البشريّ، أي مجتمع كان، وفي أيّة مدينة أو بلد، تجدون الناس فيه يُقسمون- من وجهة نظر معيّنة – إلى فئتين: فئة تسير عن فكر وفهم ووعي وإرادة، وهي تعرف طريقها وتسلكه وليس نظرنا هنا إلى صوابيّة مسلكها أو خطئه – هذه الفئة يمكن تسميتها بالخواص. وفئة أخرى لا تنظر لترى ما هو الطريق الصحيح، وما هو الموقف الصائب،..” وهي التي تسمّى بالعوام.
[3] في جمع من قادة فيلق محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، 2/3/1375ش- 23/5/1997 م.
[4] في جمع من عناصر ومسؤولي فيلق موسى بن جعفر عليهما السلام، 25/5/1367ش- 16/8/1989 م.
[5] يراجع الفقرة التي ستلي ص105 تحت عنوان: المقاومة العالمة والمدركة..حيث جاء في كلمة الإمام الخامنئيّ: إنّ المعلّم الكبير لهذه المقاومة العالمة هو الحسين بن عليّ عليهما السلام. فمهما حقّقنا وأنجزنا نشعر بالحقارة غير العاديّة في مقابل الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام”.
[6] في مراسم ذكرى ولادة الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام ويوم الحرس في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة 26/2/1362ش- 16/5/1984 م.