في ظلّ الحرب الاقتصادية والثقافية والأمنية التي يشنّها الغرب على الشعب الإيراني، تبرز المساجد، وأئمة الجمعة والجماعة، وتنظيمات التعبئة بوصفها الجسور الأكثر أصالة بين المجتمع والدولة، ووسائطَ فاعلة في نقل المشكلات والحلول إلى صُنّاع القرار.

فالعبور من الحرب الاقتصادية والثقافية الراهنة يتطلّب تضافر الجهود بين الدولة والنظام والشبكات الشعبية، التي تُعدّ المساجد وأئمة الجمعة والتعبئة أعمدتها الراسخة والجديرة بالثقة.

في هذا الظرف الصعب، حيث يواجه الشعب الإيراني حربًا مركّبة ومعقّدة وطويلة النفس في المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية، وتستهدف الضغوط الخارجية بشكل مباشر معيشة الناس وحياتهم اليومية، تزداد أهمية المؤسسات الشعبية الأصيلة أضعافًا مضاعفة. فالمساجد، وأئمة الجمعة والجماعة، وقواعد التعبئة، تمثّل أعمق شبكة اجتماعية في بنية البلاد، ويمكن أن تكون الحلقة الواقعية الرابطة بين الشعب ومراكز القرار.

إنّ بناء الدولة وحلَّ أزمات البلاد في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يتحقّق من غير الارتكاز على هذه القواعد الشعبية. فدراسة المشكلات الميدانية بدقة، واستخلاص المطالب الحقيقية، ونقل “المشكلة والحل” في وقت واحد من عمق المجتمع عبر المساجد والشبكات المتدينة، يمكن أن يُسهم إسهامًا مباشرًا في صنع قراراتٍ أكثر دقّة وعدلاً.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الغرب بكلّ طاقته إلى احتجاز اقتصاد الشعب الإيراني ومعيشته كرهينةٍ سياسية، فإنّ ثقة الناس بالنظام تتوقف على بناء مناخٍ من المصداقية والفعالية الحقيقية في الحكم. وهذه الثقة لا تترسخ إلا حين تتعامل الدولة بجدّية مع ظواهر مثل الرشوة والاحتكار والفساد المنظّم وضعف كفاءة بعض المسؤولين وتقصير الدوائر الإدارية، فتحوّل المطالبة بالعدالة إلى فعلٍ ملموسٍ في حياة الناس.

وفي ظلّ الحالة الراهنة التي تكاد تتّسم بسمات الظروف الحربية، فإنّ غياب التعبئة المتناغمة مع الحرب الاقتصادية والإعلامية يُعدّ أحد التحدّيات الكبرى. لذا ينبغي للأجهزة الرقابية والقضائية أن تواجه عناصر الإخلال بالنظام الاقتصادي بموقف حاسمٍ وشفافٍ ورادع، حتى تصبح كلفة الفساد أكبر من منفعته.

ومن الإجراءات الفعالة في تقليل الضغوط المعيشية: إحياء التعاونيات الاستهلاكية والإسكانية، وتوسيع آليات الإنتاج وصولًا إلى الاستهلاك بهدف القضاء على الوسطاء الطفيليين، وإعادة الاقتصاد إلى قواعده الشعبية. وقد أثبتت التجربة أنّ الصمود الاجتماعي في الأزمات ينبعُ قبل كلّ شيء من المشاركة المجتمعية ومن قوة المؤسسات الأهلية.

وفي وقتٍ يسعى فيه العدو إلى إثارة الفتنة والفوضى وخلق الانقسام الاجتماعي، لا تمتلك الشوارع القدرة على حلّ الأزمات. فطرح المطالب من خلال منابر راسخة وعقلانية مثل المساجد ومقارّ التعبئة، يتيح إمكان الحوار والتكامل الاجتماعي، ويمنع الخصوم من استغلال السخط الشعبي.

كما أنّ إصلاح نظام الأجور والرواتب على قاعدة الكفاءة، وتنفيذ سياسة المساواة في الدخل، ومنع ظهور الفوارق الخيالية بين المستويات المعيشية، تمثل استحقاقًا أساسيا للعدالة الاجتماعية في النظام الإسلامي.

إلى ذلك، فإنّ خفض تكاليف الدواء والعلاج بل وجعلها مجانية للفئات محدودة الدخل يسهم بصورة مباشرة في صون الكرامة الإنسانية وزيادة رأس المال الاجتماعي الوطني.

وينبغي أن تُصمَّم برامج التنمية والنهوض الاقتصادي على نحوٍ يجعل ثمارها تصلُ مباشرةً إلى الفقراء وذوي الدخل المنخفض. كما أنّ الحوار الصادق والمستمر بين الحكومة والشعب عبر وسائل الإعلام الوطنية، بحضور الخبراء الذين يقدمون حلولًا عملية إلى جانب شرح المشكلات، من شأنه أن يعزز الأمل والثقة في المستقبل.

وفي هذا السياق، يؤدي الخيّرون، وأهالي الأحياء، والمبادرون الاقتصاديون، وأصحاب المكانة الاجتماعية دورًا مكمّلًا لا غنى عنه إلى جانب الدولة والشعب. فاعتماد نظامٍ عادلٍ لتحديد الإيجارات من قبل الملاك، وتعزيز الرقابة الشعبية بالتعاون مع أجهزة التفتيش لمحاربة الغلاء، وإزالة مواطن الفساد في مجالات حساسة مثل الوقود والطحين والعملات، هي خطواتٌ عملية يمكن أن تُخفّف بوضوح من وطأة الأزمة الاقتصادية.

وبالجملة، فإنّ الخروج من الحرب الاقتصادية والثقافية الراهنة يتطلب تلاحمًا حقيقيًا بين الدولة والنظام والشعب، وتعاونًا متكاملًا بين مؤسسات الحكم والشبكات المجتمعية التي تشكّل المساجد وأئمة الجمعة والتعبئة مفاصلها الرئيسة وأعمدتها الموثوقة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل