تعد الحرب المعرفية اليوم مجالا مستقلا قائما بذاته ضمن الحروب الحديثة. فإلى جانب المجالات العسكرية الأربعة التي تعرف وفق البيئة (البرية، البحرية، الجوية، والفضائية)، وكذلك المجال السيبراني الذي يربط بينها جميعا، أظهرت الأحداث الأخيرة التي أخلت بتوازن القوة الجيوسياسية أن هذا المجال الجديد من الحرب قد نشأ بالفعل ويجري توظيفه عمليا.
تنشط هذه الحرب على المستوى العالمي، إذ أصبح البشر اليوم متصلين ببعضهم البعض رقميا على نحو شامل. وهي تستند إلى تكنولوجيا المعلومات وأدواتها، والآلات، والشبكات، والأنظمة المرتبطة بها. أما هدفها فواضح: عقولنا وإدراكنا، سواء على المستوى الفردي أم الجماعي.
تعرف الهجمات في هذا المجال وتنظم وتهيكل بطريقة تهدف إلى تغيير أو تحريف أفكار القادة وصناع القرار، وأفراد الطبقات الاجتماعية أو المهنية المختلفة، والرجال والنساء في الجيوش، أو على نطاق أوسع، سكان منطقة أو دولة أو مجموعة من الدول.
الهجوم المعرفي بلا حدود، ويمكن أن يخدم أهدافا متعددة، كما يستطيع التكيف مع استراتيجيات أخرى قيد التنفيذ، من بينها:
- السيطرة على أراض مثل منطقة حدودية، أو شبه جزيرة، أو مجموعة جزر؛
- التأثير في الانتخابات أو إثارة الاضطرابات الشعبية؛
- إحداث خلل في الخدمات داخل المؤسسات الوطنية أو المحلية، والمستشفيات، وخدمات الطوارئ، وإمدادات المياه والطاقة أو الصحة؛
- شن هجمات على أنظمة النقل، والمجالات الجوية، والممرات البحرية الحيوية؛
- سرقة المعلومات عبر التسريب غير المقصود أو مشاركة كلمات المرور… وغيرها.
الحرب المعرفية هي فن توظيف الأدوات التكنولوجية لإحداث تغيير في إدراك ومعرفة الأهداف البشرية، وهي أهداف غالبا ما تكون غير مدركة لمحاولات الاستهداف هذه. كما أن الجهات المسؤولة عن مواجهتها أو الحد من آثارها أو إدارة تداعياتها، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الوعي الكافي، بسبب بطء أو عدم فاعلية الاستجابات التنظيمية والبيروقراطية.
الحرب المعرفية حاضرة في كل مكان
الحرب المعرفية تستخدم بالفعل اليوم، بنجاح متفاوت، وليس بالضرورة تحت هذا المسمى، من قبل فاعلين دولتيين وغير دولتيين، ومؤسسات وشركات مختلفة، بما في ذلك منظمات إرهابية وحركات دينية متطرفة وغيرها.
ويشمل هؤلاء الفاعلون وحدات متخصصة عالية المهارة تعمل في مجال الاستخبارات الرقمية، إلى جانب منظمات صناعية وشركات منخرطة في المنافسة، أو في مجالات أكثر شيوعا مثل التسويق والتلاعب بسلوك المستهلكين المحتملين.
في جميع هذه الحالات، يتمثل الهدف في الهيمنة، أو إثبات التفوق، أو حتى السيطرة والتدمير. وقد بلغت هذه الممارسات اليوم مستوى لم يعد بإمكان القادة السياسيين تجاهله.
مفهوم الحرب المعرفية
يستخدم مصطلح الحرب المعرفية في الولايات المتحدة منذ عام 2017 بهذا المعنى، لا سيما لوصف الأساليب العملياتية المتاحة للدول أو جماعات النفوذ، التي تسعى إلى التلاعب بالآليات المعرفية للعدو أو لمواطنيه من أجل إضعافهم أو اختراقهم أو التأثير فيهم أو حتى إخضاعهم وتدميرهم.
ورغم أن هذه المهمة الواسعة كانت دائما جزءا من فنون الحرب، فإننا نواجه هنا مجالا ناشئا يتطلب مزيدا من التوضيح والتأطير المفاهيمي.
فالحرب المعرفية تمثل مزيجا من التقنيات السيبرانية الحديثة في إطار الحرب المعلوماتية، مع العناصر الإنسانية للقوة الناعمة، إلى جانب جوانب من التلاعب النفسي (العمليات النفسية – PSYOPS). وغالبا ما تتضمن هذه الممارسات عرضا منحازا ومشوها للواقع، يتم التلاعب به رقميا، ويصمم بما يخدم مصالح القائمين عليه.
وقد وفرت أدوات الاتصال الجديدة إمكانات غير محدودة، وفتحت الطريق أمام أساليب وأهداف جديدة. وهذه التعقيدات المتزايدة ينبغي أن تدفع الضحايا المحتملين إلى تطوير حالة دائمة من المقاومة والمرونة المعرفية، حتى وإن كان الضحايا في الغالب لا يدركون وقوع الهجوم إلا بعد فوات الأوان.
المرتكزات الأساسية
تعد الحرب المعرفية المجال الذي توظف فيه جميع عناصر الحرب المعلوماتية، بما يشمل الأبعاد العملياتية لعلم النفس وعلوم الأعصاب، القائمة على نظرية النظم والتعقيد، في إطار العمل العسكري. وتقع هذه الحرب عند تقاطع مجالين عمليين كانا يداران سابقا كل على حدة:
من جهة، العمليات النفسية وعمليات النفوذ (القوة الناعمة)؛
ومن جهة أخرى، العمليات السيبرانية (الدفاع السيبراني) التي تستهدف إضعاف أو تدمير الأصول المعلوماتية المادية.
ويتيح هذا التقاطع ربط المفاهيم ووجهات النظر المختلفة القادمة من الأوساط العلمية والعسكرية والاستخباراتية المتنوعة، وينتج مقاربة متعددة التخصصات لدراسة تأثير التقنيات الحديثة على الإنسان.
ولا يقتصر الهدف الرئيس للحرب المعرفية على دعم الاستراتيجية أو هزيمة العدو دون قتال، بل هو حرب على ما يفكر فيه مجتمع العدو، وما يحبه، وما يؤمن به، عبر تغيير الإدراكات. إنها حرب على طريقة تفكير العدو، وعلى كيفية عمل عقولهم، ونظرتهم إلى العالم، وتطور تفكيرهم المفاهيمي. والنتيجة المرجوة هي تغيير رؤيتهم للعالم، بما يؤثر تبعا لذلك في استقرارهم النفسي، ويقينهم، وقدرتهم التنافسية، ورفاههم.
والهدف المعلن هو مهاجمة أو استغلال أو إضعاف، أو حتى تدمير، آليات بناء الواقع الفردي، والثقة الذهنية، والاطمئنان إلى العمليات والمقاربات اللازمة لعمل المجموعات والمجتمعات، بل وحتى الدول، بكفاءة. وعلى الرغم من اختلاف بعض الجوانب التقنية (السيبرانية)، فإنها تعد مكملة للعمليات النفسية.