المقدمة: الاعتكاف والحاجة إلى المراجعة الفقهية
لقد تحوّل الاعتكاف، وهو شعيرة توحيدية عريقة وسنة نبوية حسنة، في العقود الأخيرة من مجرد عمل عبادي محدود في زوايا المساجد، إلى شعيرة عظمى يشارك فيها ملايين المسلمين على مستوى العالم الإسلامي. هذه السعة والانتشار، لا سيما بين جيل الشباب، تُبرز أكثر من أي وقت مضى ضرورة إعادة قراءة مبادئه وحدوده الفقهية، وإجراء دراسة ميدانية لما يُهدد هذه الشعيرة من آفات.
يُعدّ كتاب «موسوعة الاعتكاف» جهدًا شاملًا استغرق عشر سنوات من التتبع، حيث قام بتحليل هذه العبادة في ضوء المذاهب الإسلامية الثمانية، معتمدًا على نظرة مقارنة استدلالية. وقد سعى مؤلف الأثر، حجة الإسلام والمسلمين محمد أمين بورأميني، من خلال تتبعه لآراء أكثر من ٧٠ مفسرًا وفحص أكثر من ٤٠٠ مصدر أصيل، إلى إزالة غبار الزمان عن وجه هذه السنة النبوية، والرد على الحاجات الفقهية المستجدة في مواجهة متطلبات العصر الحديث.
وفي حوار أجرته معه «هفته نامه افق حوزه» (جريدة أفق الحوزة الأسبوعية)، تناول الأستاذ محمد أمين بورأميني تحديات تطبيقية تتجاوز المناقشات النظرية، مثل: الاعتكاف في المساجد الجامعية والصنفية، وضرورة بقاء هذه الشعيرة شعبية ومستقلة عن المؤسسات الحكومية، وإحياء سنة التواجد البسيط للعلماء بين المعتكفين.
أولًا: الدافع والتأليف
سُئل الأستاذ بورأميني عن دافعه لتأليف هذا الأثر المرجعيّ، فأجاب:
نشأت شرارة هذا العمل بعد الانتهاء من كتاب «المرويّ من كتاب علي (ع)». فقد اقترح آية الله جواد فاضل لنكراني أن أتولى مسؤولية تأليف عمل جامع حول الاعتكاف، بناءً على طلبٍ من مسؤول «اللجنة المركزية للاعتكاف» (حجة الإسلام تكيئي).
وبعد دراسة أولية، قمت بتصنيف الهيكل العام للأثر في محاور مختلفة تشمل: الاعتكاف في القرآن الكريم، والروايات، والفقه، والتاريخ، وكتب الأخلاق. وقد استغرق هذا المشروع ما يقارب عشر سنوات، خُصصت له أوقات ما بعد الظهر بالكامل، مع تتبع دقيق لآيات القرآن، وأقوال المفسرين (سواء من الشيعة أو أهل السنة)، وروايات المصادر الأولية لكلا الفريقين.
ثانيًا: هيكل الموسوعة ومنهجيتها
تم تدوین الموسوعة في مجلدات مختلفة على النحو التالي:
- المجلد الأول والثاني: مخصص بالكامل لمباحث القرآن والروايات، مع تصنيف مقارن بين مصادر الشيعة والسنة.
- المجلد الثالث وما يليه (ستة مجلدات): مخصص للفقه المقارن (الاستدلالي والفتوائي).
الابتكار المنهجي:
بخلاف الهياكل التقليدية في الكتب الفقهية، تميّز هذا الأثر بما يلي:
- تبويب وفصل مبتكر: تقديم جديد لترتيب المطالب الفقهية.
- ملف السير التاريخي لكل مسألة: تتبع آراء الفقهاء الإمامية بالتسلسل الزمني، من ابن بابويه والشيخ المفيد والشيخ الطوسي وصولًا إلى الفقهاء المعاصرين (تحت عنوان «الفقه الإمامي»)، للكشف عن تطور الآراء الفقهية.
وقد أشار المؤلّف إلى أن هذا التتبع التاريخي كشف له عن عظمة وجودة الجهود التي بذلها فقهاء السلف، مبديًا إعجابه الشديد بشخصية العلامة الحلي وقدرته الفائقة على تأليف دورات فقهية كاملة بمنهجيات مختلفة.
نطاق المذاهب الثمانية:
يشمل العمل دراسة الاعتكاف من منظور المذاهب الفقهية الثمانية:
- فقه الإمامية (الشيعة الاثنا عشرية): وهو المحور الرئيس.
- فقه الزيدية.
- فقه الإسماعيلية: تم الاكتفاء بما توفر من مصادره.
- المذاهب السنية الأربعة: الحنفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي.
- فقه الظاهرية.
- فقه الإباضية.
وقد سار العمل «مسألة محور»، حيث يقدّم في كل مسألة آراء الإمامية أولًا، ثم الزيدية، ثم باقي مذاهب أهل السنة.
ثالثًا: تطور الآراء الفقهية وتحديات المكان
يُشير الأستاذ بورأميني إلى أن أبرز التطورات الفقهية التي لمسها تتعلق بمسألة مكان الاعتكاف، التي ترتبط مباشرة بمدى انتشار هذه الشعيرة:
1. الخروج من حصر المساجد الأربعة:
كان القول القوي قديمًا يحصر الاعتكاف في المساجد الأربعة (الحرام، والنبوي، والكوفة، والبصرة). ولكن مع التطور الفقهي القائم على الروايات المعتبرة، تحطم هذا الحصر، وأصبحت الفتوى المشهورة على صحة الاعتكاف في «المسجد الجامع» (الذي لا يختص بفئة أو قبيلة). هذا التوسيع الفقهي فتح الباب أمام المشاركة المليونية للمعتكفين.
2. نقد «المساجد الصنفية» (كالمساجد الجامعية):
يُشدد المؤلّف على أن التعريف الدقيق للمسجد الجامع هو الذي لا ينحصر بفئة أو صنعة معينة. وبناءً عليه، يرى أن الاعتكاف في مساجد الجامعات محل إشكال فقهي جديّ؛ لأن هذه المساجد، بحكم قيود الحراسة والدخول، هي صنفية وليست مفتوحة لعموم الناس، مما قد يخدش شرط جامعيتها ويثير شبهة في صحة عبادة الشباب، رغم أن هذا يفتح الباب لاستفتاء الفقهاء المعاصرين الذين قد يكتفون بمطلق المسجد.
رابعًا: ضرورة الاعتكاف للإنسان المعاصر وسبل الإحياء
في عالم تسيطر عليه الآلة، يرى المؤلّف أن الاعتكاف ضرورة حيوية لـ «تغذية الروح» والعودة إلى الفطرة التوحيدية، فهو محطة لإعادة البناء وتصفية الروح والجسد.
1. العودة إلى «النموذج النبوي» للخلوة:
يؤكد بورأميني على ضرورة العودة إلى النموذج النبوي للاعتكاف الذي كان بعيدًا عن الضجيج والبرامج المبالغ فيها. فالاعتكاف ليس «احتفالًا» أو «مخيمًا ترفيهيًا»، بل هو خلوة بالحقّ. ويُستدل بسيرة النبي (ص) الذي كان يطلب الاستغفار سبعين مرة في اليوم ليزيل غبار الدنيا عن قلبه، مشيرًا إلى أن الخلوص هو ما يحتاجه الإنسان المتعب من صخب الحداثة.
2. الاستقلال عن المؤسسات الحكومية:
يجب أن يحافظ الاعتكاف على طابعه الشعبي وأن يكون مستقلًا عن التمويل الحكومي أو البلدي المترف. فالبركة والقداسة تكمن في البساطة والطعام القليل الذي يُقدّم من إخلاص الناس والخيرين.
3. حضور العلماء بين المعتكفين:
أكبر درس يُستفاد من سيرة المراجع الكبار (كقصة اعتكاف جده مع آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني)، هو ضرورة تواجد العلماء بين المعتكفين. يجب تشجيع العلماء من الرتب المختلفة على التواجد في المسجد بشكل غير رسمي وبدون مكبرات صوت، بحيث يجلس العالم في زاوية، ويتجمع حوله الطلاب والشباب لإجراء «مذاكرات علمية ومعنوية وجهًا لوجه» بعيدًا عن التشريفات، لردم الفجوة بين العلماء والجمهور.
خامسًا: المجالات البحثية غير المستكشفة
أشار المؤلّف إلى أن البحوث المستقبلية يجب أن تنتقل من النظرية إلى التطبيق والمجتمع، مع التركيز على ما يلي:
- الدراسات التطبيقية والآفات الميدانية: دراسة الاحتياجات والآفات التي تهدد الاعتكاف الجماهيري (مثل الابتعاد عن الخلوة النبوية)، وتحديد دور الدولة في دعم البنى التحتية دون التدخل في الجانب الروحي للشعيرة.
- تصحيح الأوهام الزمانية: التأكيد على أن الاعتكاف الأساسي والكامل هو في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأن اعتکاف رجب، وإن كان ذا فضيلة، لا يصل إلى مرتبة الاعتكاف الرمضاني، وذلك لمواجهة الفكرة الخاطئة بأن «اعتكاف الشيعة في رجب».
- دراسة سيرة المعصومين (ع): استخلاص الدلالات الالتزامية من سيرة الأئمة المعصومين حول الخلوة والاعتكاف، لا سيما في ظل قلة التقارير بسبب التقيّة.
الخلاصة:
الاعتكاف هو «محطة لإعادة بناء الإنسان». وكي يتحقق تأثيره الأعظم على الشباب، يجب أن نُحافظ عليه بسيطًا وعميقًا، يجمع بين «الخلوة الفردية» و**«الاستفادة من محضر العالم»**، وأن يكون عامًا يضم مختلف طبقات المجتمع في تجربة روحية خالصة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





