الوكالة / الحوزة العلمية
كانت السيدة زينب (عليها السلام) شخصية فريدة تمتعت بذكاء حاد، وشجاعة نادرة، وصبر لا نظير له. وقد شاركت الإمام الحسين (عليه السلام) عن وعيٍ كامل بمسيرته وآلامه، وتمكنت بخطبها وإدارتها لمرحلة الأسر من إبقاء رسالة عاشوراء حيّة في وجدان الأمة. وقد ورد في شأن وفاتها أنها كانت وفاةً طبيعية، كما نُقل احتمال استشهادها.
أفادت وكالة أنباء الحوزة أن من أبرز الأسئلة المطروحة حول السيدة زينب (سلام الله عليها)، والتي تناولها الباحثون والمؤرخون بالدراسة، سؤال كيفية وفاتها.
ويُذكر في عدد من المصادر أن السيدة زينب (ع) مرضت بعد ما لاقته من صنوف المصائب والشدائد، ثم توفيت وفاةً طبيعية، وهو احتمال يبدو أقرب إلى الواقع، نظراً لما تحمّلته من أعباء نفسية وجسدية جسيمة.
كما احتمل بعضهم أنها سُمِّمت بأمر من أعوان يزيد، فنالت الشهادة، وهو احتمال غير بعيد؛ لأن وجود السيدة زينب بعد واقعة كربلاء كان يمثل شاهداً دائماً على فظائع تلك الأحداث، ونقضاً عملياً لشرعية الحكم الأموي، الأمر الذي لم يكن يزيد قادراً على تحمّله. وغالباً ما تُرتكب مثل هذه الجرائم في الخفاء دون ترك ما يثبتها تاريخياً.
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ وفاتها، والمشهور أنها توفيت يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة 62 للهجرة.
وفيما يلي استعراض موجز لمحطات من حياتها الحافلة، منذ ولادتها وحتى وفاتها:
الميلاد، الزوج والأبناء
وُلدت السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) في المدينة المنورة، في الخامس من جمادى الأولى من السنة الخامسة أو السادسة للهجرة. واسمها المبارك زينب، وكنيتاها أم الحسن وأم كلثوم. ومن ألقابها: الصديقة الصغرى، العصمة الصغرى، ولية الله العظمى، ناموس الكبرى، شريكة الحسين (عليه السلام)، العالِمة غير المعلَّمة، الفاضلة الكاملة، وغيرها.
والدها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أول أئمة الشيعة، ووالدتها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام). أما زوجها فهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ويذكر كتاب إعلام الورى أن لها ثلاثة أبناء: علي، وعون، وجعفر، وبنتاً تُدعى أم كلثوم.
ذكاء وذاكرة استثنائيان
يكتب صاحب كتاب أساور من ذهب عن ذكاء السيدة زينب (عليها السلام) وذاكرتها الفذة، قائلاً إن من أعظم الشواهد على نبوغها أنها روت الخطبة الطويلة والعميقة التي ألقتها السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) دفاعاً عن حق أمير المؤمنين (عليه السلام) واحتجاجاً على غصب فدك، وذلك بحضور الصحابة.
ويروي عبد الله بن عباس، مع مكانته العلمية الرفيعة، هذه الخطبة عنها، ويعبّر عنها بلقب «عقيلتنا». وقد نقل أبو الفرج الأصفهاني في كتاب المقاتل قول ابن عباس:
«حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي (عليهما السلام)…».
واللافت أن السيدة زينب (عليها السلام) حفظت هذه الخطبة، بما تحويه من معارف إسلامية عالية وفلسفة تشريعية عميقة، وهي في سن الطفولة، لا تتجاوز السابعة من عمرها، مما يجعلها واحدة من رواة هذه الخطبة البليغة ذات الدلالات الكبرى.
تعلقها الخاص بالإمام الحسين (عليه السلام)
ينقل العلامة الجزائري في كتاب الخصائص الزينبية أن السيدة زينب (عليها السلام) كانت، وهي رضيعة في المهد، تبكي وتضطرب إذا غاب عنها أخوها الحسين (عليه السلام)، وتهدأ وتبتسم ما إن يقع نظرها عليه. ولمّا كبرت، كانت إذا همّت بالصلاة تنظُر إلى وجه الحسين (عليه السلام) قبل أن تُقيم صلاتها.
مرافقته شرطاً في زواجها
ذُكر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين زوّج ابنته زينب (عليها السلام) من عبد الله بن جعفر، اشترط ضمن عقد الزواج ألا يمنعها زوجها من مرافقة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) متى أرادت السفر معه.
وعندما حاول عبد الله بن جعفر ثني الإمام الحسين عن التوجه إلى العراق دون جدوى، بعث بابنيه عون ومحمد مع الإمام، وأمرهما بنصرته والجهاد دونه.
شجاعة تضاهي شجاعة الحسين
لقد تناولت الدراسات غالباً دور السيدة زينب (عليها السلام) في كربلاء، وفي رعاية الأسرى ونقل رسالة عاشوراء. غير أن شجاعتها لا تقل شأناً عن شجاعة الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى مع تفاوت المقام من حيث الإمامة.
ويقول الشيخ شوشتري إن الإمام الحسين خاض في كربلاء ميداناً واحداً، بينما خاضت السيدة زينب ميدانين: الأول في مجلس عبيد الله بن زياد، والثاني في مجلس يزيد. وإذا كان الحسين (عليه السلام) قد دخل ساحة المعركة بزي رسول الله وعمامته، حاملاً سيفه ورمحه، فإن زينب (عليها السلام) واجهت الطغاة بالكلمة والموقف والثبات.
الزهد في متاع الدنيا
عاشت السيدة زينب (عليها السلام) في بيت زوجها عبد الله بن جعفر في رغد من العيش، تحيط بها وسائل الراحة والخدم. لكنها حين علمت بعزم الإمام الحسين (عليه السلام) على الخروج، تركت كل ذلك عن وعيٍ وبصيرة، وألقت بنفسها في بحر الآلام والمحن.
ومنذ الليلة الثامنة والعشرين من رجب، حين غادرت مع أخيها المدينة خفية متجهة إلى مكة، كانت على يقين بما ستواجهه من مصائب، وفق ما ورثته من العلم عن جدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبويها. ومع علمها بأن العاقبة ستكون الأسر والتشريد، لم تتردد لحظة في المسير.
لا فراق عن الحسين (عليه السلام)
أقامت السيدة زينب (عليها السلام) في مكة منذ الثالث من شعبان سنة 60 هـ. ولما تبيّن للإمام الحسين (عليه السلام) أن جنود يزيد يخططون لاغتياله سرّاً في الحرم، خرج من مكة يوم التروية (8 ذو الحجة) متجهاً إلى العراق، وكانت زينب (عليها السلام) ضمن الركب.
وحين قال ابن عباس للإمام: «إن كنت لا بد ذاهباً، فلا تصحب النساء»، سمعت زينب ذلك، فأخرجت رأسها من الهودج وقالت: «يا ابن عباس! أتريد أن تفرّق بيني وبين أخي الحسين؟! لا كان ذلك أبداً».
الأسر: مجد زينب وسر خلود عاشوراء
عاشت السيدة زينب (عليها السلام) بعد واقعة كربلاء قرابة سنة وستة أشهر. وقد سيقت مع سائر سبايا آل البيت إلى الكوفة ثم إلى الشام. ومع أن قيادة القافلة كانت للإمام زين العابدين (عليه السلام)، فإن السيدة زينب اضطلعت بدور محوري في إدارة شؤون الأسرى.
وألقت خطبتها البطولية في الكوفة، فزلزلت الوجدان العام. وحين تفاخر عبيد الله بن زياد بما عدّه نصراً، وسألها باستخفاف: «كيف رأيتِ صُنع الله بأهل بيتك؟» أجابت بثبات:
«ما رأيت إلا جميلاً، أولئك قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه».
وعندما أمر ابن زياد بقتل الإمام زين العابدين، احتضنته زينب (عليها السلام) قائلة: «إن أردتَ قتله فاقتلني معه»، فتراجع عن قراره.
وفي دمشق، واجهت يزيد في مجلسٍ أقامه احتفالاً بما زعم أنه نصر، وقد وضع رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في طشت وضربه بعصاه. فخطبت زينب (عليها السلام) خطبتها الشهيرة التي كسرت غروره وفضحت جرائمه، حتى اضطر إلى إظهار الندم وإرجاع القافلة إلى المدينة مكرّمة.
وفي المدينة لم تصمت زينب (عليها السلام)، بل واصلت أداء دورها الرسالي، فأثارت الرأي العام ضد حكم يزيد، مما دفع والي المدينة للسعي إلى نفيها. وتذكر بعض المصادر أنها قصدت الشام حيث توفيت، بينما يذكر آخرون أنها هاجرت إلى مصر، وتوفيت فيها يوم 15 رجب سنة 62 هـ.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل
المصادر
- منتخب التواريخ، ص 67
- زينب الكبرى من المهد إلى اللحد، ص 592
- اللهوف، ص 218؛ مقرم، مقتل الحسين، ص 324؛ الإرشاد، ج 2، ص 144
- الإرشاد، ص 116–117؛ بحار الأنوار، ج 45، ص 117
