كان المرحوم آية الله الشيخ المحقق الداماد فقيهاً محققاً، متواضعاً، قليل الادّعاء، وقد بلغ من الرصانة العلمية منزلةً دفعت كبار علماء الحوزة إلى الخضوع في مجلس درسه. وقد نُقل عنه—في رؤيا رآها أحد العلماء بعد وفاته—أن نجاته كانت بسبب محبته للسيدة زينب الكبرى (عليها السلام) واحترامه لقبة أمير المؤمنين (عليه السلام).
أفادت وكالة أنباء الحوزة أن آية الله العظمى الشيخ عبد الله جوادي الآملي، ذكر في أحد دروسه الأخلاقية، ذكريات مهمة عن أستاذه الراحل آية الله المحقق الداماد، فقال:
كان المرحوم آية الله المحقق الداماد من النوادر في الحوزة العلمية؛ رجلاً بلغ الذكاء والفهم لديه درجة لا يُتصوَّر معها الفهم السريع. فهمُ درسه كان يتطلب جهداً بالغاً؛ فكثيرون كانوا يحضرون درسه ثم ينصرفون دون أن يدركوا عمقه.
كان يتمتع بقدرات بدنية ونفسية عالية، ولم يكن يقبل أي عمل سوى العلم، وقد كان شديد العزم، يقضي ساعات طويلة في التحضير لكل درس. ولذلك كان أغلب الأساتذة المشهورين في زمانه من تلامذته.
وأضاف:
في الحوزة العلمية، بعد المرحوم آية الله البروجردي، لم يكن هناك درس أكثر عمقاً وتحقيقاً من درس السيد الداماد، وإن كان لدرس الإمام الخميني (قده) في الأصول حساب خاص. السيد الداماد كان عالِماً بلا ادّعاء، وكان درسه كذلك: عميقاً، متيناً، بعيداً عن الاستعراض.
ثم أشار إلى وفاته قائلاً:
للأسف، انتقل إلى رحمة الله قبل أن يبلغ السبعين من عمره، ومع ذلك كان جميع هؤلاء الأعلام—الذين كان بعضهم يُعدّ من نجوم الدرجة الأولى في ذلك الوقت—يخضعون له في مجلس درسه. وقد شكّلت وفاته مصاباً عظيماً لنا جميعاً.
ويتابع آية الله جوادي آملي:
في ليلة وفاته، رأى أحد أساتذة الحوزة الكبار—وهو من تلامذته وممن تربطه به صلة قربى—المرحوم المحقق داماد في عالم الرؤيا. فسأله: ماذا جرى لك بعد الوفاة؟
(وأود هنا التأكيد على أن احترام أهل البيت (عليهم السلام)، ومنهم السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، والذوات المقدسة، ليس مجرد أدب ديني دنيوي، بل هو مما ينفع الإنسان في ذلك الحشر العظيم).
ويضيف ناقلاً عن ذلك العالِم:
رأيتُ حاله حسناً جداً. فقد توفي في ذلك اليوم وشيّعناه، وفي ليلته رأيته في المنام. فسألته: كيف كان حالك بعد الموت؟ فالدخول إلى عالم آخر في أول مرة أمر بالغ الصعوبة.
فقال: أمران كانا سبب نجاتي: المحبة للسيدة زينب الكبرى، وتعظيم القبة البيضاء.
ثم يعلّق الراوي:
عندما استيقظت من النوم، كان معنى المحبة للسيدة زينب الكبرى (سلام الله عليها) واضحاً لدينا، لكنني لم أفهم المقصود بـ«القبة البيضاء». فبحثت في الأمر، وتبين أن قبة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف لم تكن في السابق مطلية بالذهب، بل كانت بيضاء. ولهذا نجد في أشعار العرب في مدحه (عليه السلام) قولهم:
«يا صاحب القبة البيضاء في النجف».
وختم آية الله جوادي آملي كلامه بالقول:
إن القبة البيضاء هي القبة النورانية لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل تغشيتها بالذهب. وقد قال المرحوم المحقق الداماد: هذان الأمران كانا سبب نجاتي.
وهذا أمر حقيقي، لا مجاملة فيه ولا مجاز.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل
المصدر:
درس خارج علوم القرآن – 3 آبـان 1402 هـ.ش = 25 أكتوبر 2023 م
