بيروت-أنّ دعوة الله عز وجل للناس إلى التدبّر في القرآن الكريم هي من أجل التفكير فيما هم فيه، ويكون ذلك بالعقل الذي منحه الله سبحانه وتعالى وميّزهم به عن غيرهم من المخلوقات.
خاطب الله عزّ وجل عباده المؤمنين من طريق القرآن الكريم للوعظ والإرشاد والتوعية، فاحتوى أحكام شرعية وتوجيهات وتنبيهات وعلوم سبقت عصر نزوله، كما تضمّن كتاب الله تعالى قصص السالفين للعبرة، وبذلك يكون قد ألقى سبحانه وتعالى الحجّة على العباد بأن يسيروا في الحياة بشكل سليم، يضمنوا الدنيا والآخرة، كون الدين الإسلامي لا يتعارض مع أن يعيش المسلم حياته ولكن ضمن الضوابط.
وممّا ورد في القرآن الكريم في سورة النساء آية رقم (82) في قوله تعالى: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”، فما المقصد من هذه الآية؟
سماحة الشيخ أمين ترمس وفي حديث خاص لوكالة “شفقنا” شرح هذه الآية في سياقها، بأنّ الله سبحانه وتعالى كان يتحدّى المنافقين والكفار العرب وقريش فيما شكّكوا فيه من القرآن الكريم، وأنّه من عند محمد (ص) وليس وحيا من الله عز وجل، فنزلت هذه الآية تحاكي هؤلاء وتخاطب عقولهم، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يريد أن يفرض الإيمان على الناس ولا يكرِه أحدا على الإيمان والإسلام، يريد لهؤلاء أن يأتوا إلى الإسلام طوعا وأن يفكّروا بعقولهم، وهذه الدعوة كانت حتى للمسلمين في البحث عن أصول الدين، عن الاعتقاد بالله سبحانه وتعالى التي لا يجوز فيها التقليد، عليهم أن يبحثوا بعقولهم للوصول إلى ما يعتقدون به.
واعتبر سماحته أنّ التدبّر هو النظر في عواقب الأمور، يعني هذه الآية عندما تأمر بالتدبّر هو أن ينظروا في عواقب هذه المسألة التي دعيوا إليها، ودليل من قبل الله عز وجل على أنّ القرآن وحي نزل من عند الله تعالى على لسان النبي محمد (ص) الذي كان يتلوه على المسلمين وعلى عامّة الناس في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة.
ما معنى التدبّر في القرآن الكريم؟
ولفت الشيخ ترمس إلى أنّ الإنسان بطبعه يتفاوت ويختلف مهما بلغ من مقامات البلاغة والفصاحة، ويختلف من زمان إلى آخر قوة وضعفا، مثلا المؤلّف البارع الذي كتب كتابا بعد عشرين سنة كتب كتابا آخر نجد بينهما اختلاف، بل أكثر من هذا قد نجد الاختلاف من أوّل الكتاب إلى آخره، يعني المؤلّف عندما يبدأ بكتابة موضوع معيّن نجد في بدايته أسلوب ومنهج يختلف عن نهاية نفس الكتاب، وهذا أمر طبيعي في البشر، لذا طلب الله سبحانه وتعالى من الناس أن يتدبّروا في هذا القرآن الذي نزل خلال 23 سنة من بدايته إلى نهايته، على ما فيه من علوم ومن أمور متنوّعة، من قصص الأنبياء وعلوم الغيب، والتاريخ والسياسة والأحكام، وكثير من العلوم التي يحتاجها الناس، ولا نجد فيه اختلاف بين هذه العلوم على الإطلاق.
وتابع: “لا يمكن لإنسان واحد أن يكون ملمّا بكل هذه العلوم التي ذكرت في القرآن الكريم، حتى لو رجعنا إلى العلماء القدامى الذين كتبوا في شتى العلوم في الطب أو الاجتماع أو الفلسفة والمنطق وغير ذلك من أيام سقراط وأرسطو، وفي زمن ابن سينا وابن خلدون، نجد أنّ تلك العلوم في ذلك العصر كانت قمّة في الذكاء، ومن أعلى المستويات في حينها، وخضع لها الجميع في عصرهم، ولكن بعد مدة من الزمن أصبحت هذه النظريات أو أكثريّتها بن بطلانها ولم تذكر إلّا من باب التاريخ، لماذا؟ لأنّ مكتشفها وواضعها كان إنسان، والإنسان يختلف ويتفاوت خلال هذه المراحل التي مرّ بها، لذا ظاهرة عدم الاختلاف أو ظاهرة التناسل كما يعبّر عنها هي خاصة بالقرآن الكريم”.
كيف صدّق الناس أنّ القرآن الكريم هو وحي من عند الله تعالى؟
هناك عدة أوجه استدلّ بواسطتها الناس على صدق ما جاء به النبي محمد (ص) من القرآن الكريم، أبرزها:
أوّلا الفصاحة والتناسق بين الألفاظ والكلمات، كان العرب في ذلك العصر في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، وتحداهم الله سبحانه وتعالى أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يستطيعوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة أيضا عجزوا عن ذلك، ولو كان باستطاعتهم أن يأتوا بسورة لما كانوا بحاجة إلى شن الحروب لمحاربة النبي (ص) وإبطال دعوته، ولكنهم عجزوا وهم في قمة البلاغة والفصاحة، ممّا يدل على أنّ ما جاء به رسول الله (ص) لم يكن من عند البشر، وفق ما أكّده الشيخ ترمس.
الأمر الثاني هو ما اشتمل عليه من أخبار الغيب، فإنّ الله تعالى ذكر جملة من الأمور التي حصلت فيما بعد وهذا لا يعلمه إلا الله عز وجل.
أمّا الأمر الثالث وهو الذي ينفع في الآية التي نتحدّث عنها وهو سلامة القرآن الكريم من الاختلاف، لذا أذعن البعض ورضخ بعد أن عجز عن الرد على النبي (ص) بالعلم والكلمة، وأقرّوا واعترفوا بأنّ هذا وحي من الله تعالى وآمنوا بالنبي (ص) وبما جاء به.
ورأى الشيخ ترمس أنّ دعوة الله عز وجل للناس إلى التدبّر في القرآن الكريم هي من أجل التفكير فيما هم فيه، ويكون ذلك بالعقل الذي منحه الله سبحانه وتعالى وميّزهم به عن غيرهم من المخلوقات، كي يرشدهم إلى الحق بشرط إزالة الموانع من أمامه، وعند العمل بتلك الوصايا سيكتشفوا بأنّ ما جاء به النبي (ص) وحي من عند الله تعالى، ويعترفوا ويؤمنوا، وبذلك يكونوا قد خلّصوا أنفسهم من الضلالة وسعدوا في الدنيا والآخرة.
أمّا من تعنّت وأصرّ على ضلاله ووقف في وجه النبي (ص)، إمّا حسدا من عند نفسه وإمّا طمعا بالدنيا وما فيها، مات ذكرهم وانطوت صفحتهم في التاريخ، وفي نهاية المطاف كانت الغلبة والنصرة للنبي (ص) والإسلام.





