مدرسة الشهيد الصدر ليست مدرسةً نظريةً منعزلة في زاوية الحجرة: الانتقال من «فقه الأحكام» إلى «فقه النظريات»

مدرسة الشهيد الصدر ليست مدرسةً نظريةً منعزلة في زاوية الحجرة: الانتقال من «فقه الأحكام» إلى «فقه النظريات»

لم يكن الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر مجرد أصولي بارز في امتداد التقليد السائد في الحوزات العلمية؛ بل كان مؤسسًا لِـ«مدرسة مستقلة في علم الأصول»، أدخل من خلالها – عبر ابتكارات منهجية، ورؤية حضارية، وإعادة تعريف لوظيفة علم الأصول – الفقهَ الشيعي في مرحلة جديدة. إن دراسة الشخصيات المحورية في نشر أفكاره الأصولية، وتقارير دروسه، وخصائص مدرسته الأصولية، تُظهر أن هذه المدرسة الفكرية لم تُفضِ فقط إلى توسعة كمية للفقه، بل فتحت – من خلال طرح «فقه النظريات» وتجاوز الفقه الجزئي – آفاقًا جديدة لترقية وظائف الفقه في مواجهة القضايا الكبرى الاجتماعية والسياسية والحضارية.

أفاد مراسل شبكة الاجتهاد أن الجلسة العلمية المعنونة:
«خصائص المدرسة الأصولية للشهيد الصدر وقدرتها على تطوير الفقه والارتقاء به»
قد عُقدت بمشاركة حجة الإسلام حسين زمانيان، أستاذ الحوزة والجامعة، بتنظيم من الحوزة العلمية المروية، وبالتعاون مع «بيت قادة الدين الشباب».

وقد سعى هذا الباحث في فكر الشهيد الصدر، من خلال تقديم الشخصيات المحورية في نشر وشرح أفكاره وآرائه، واستعراض التقارير المختلفة لدروسه الأصولية، إلى بيان أهم خصائص هذه المدرسة الأصولية، ونسبتها إلى تطوير الفقه والارتقاء به؛ وهي مدرسة تتجاوز «فقه الأحكام» وتطرح «فقه النظريات»، لتجعل الفقه علمًا استراتيجيًا قادرًا على الإجابة عن القضايا الأساسية للمجتمع، والسير نحو بناء الحضارة الإسلامية. وفيما يلي التقرير التفصيلي:

1- الشخصيات المحورية في نشر الفكر الأصولي للشهيد الصدر

فيما يتعلق بالشهيد الصدر، لا يمكن التعرف على مدرسته الفكرية ما لم يتعرف المرء على أصول فقهه.
لقد كان للشهيد الصدر تلامذة بارزون كُثُر، غير أن اثنين منهم يُعدّان الشخصيتين المحوريتين الأساسيتين في نشر أفكاره الأصولية:

الأول:
آية الله السيد كاظم الحائري، من مراجع التقليد، الذي يرقد حاليًا في فراش المرض، نسأل الله تعالى له الشفاء العاجل. وقد أعلن قبل سنوات تنحيه عن المرجعية، ودعا مقلديه وعامة الناس إلى الرجوع إلى سماحة قائد الثورة الإسلامية. ويعود هذا الموقف إلى أحد المباني الفكرية للشهيد الصدر، الذي كان يرى المرجعية والقيادة مؤسسةً واحدة. وبوجه عام، يُعد آية الله الحائري من أبرز ناشري الفكر الأصولي للشهيد الصدر.

الثاني:
آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (رحمه الله)، الرئيس السابق للسلطة القضائية، والرئيس الأسبق لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وعضو فقهاء مجلس صيانة الدستور، وهو أول من طرح الفكر الأصولي للشهيد الصدر بشكل جدي في الحوزة العلمية في إيران.

تقارير دروس الشهيد الصدر الأصولية

حتى الآن نُشرت خمسة تقارير من دروس الشهيد الصدر في علم الأصول، ولا تزال تقارير أخرى قيد التحقيق والإعداد للنشر في مركز أبحاث الشهيد الصدر:

1. بحوث في علم الأصول – للمرحوم آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي.

2. مباحث الأصول – لآية الله السيد كاظم الحائري.

3. بحوث في علم الأصول – لعبد الستار الشيخ حسن عبد الله، العالم اللبناني، ويُعرف أيضًا بعنوان «أصول في علم الوصول».

4. مختارات في علم أصول الفقه – بقلم آية الله السيد محمد الصدر، المعروف بـ«الشهيد الصدر الثاني».

5. جواهر الأصول – لآية الله الأنصاري.

وكان آية الله الهاشمي الشاهرودي أول من نشر هذه التقارير في إيران، وأدخل مباحث الشهيد الصدر الأصولية إلى فضاء الحوزة العلمية الإيرانية.

خصائص التقارير المختلفة

يتميّز تقرير آية الله الهاشمي الشاهرودي من جهتين:
أولًا، كونه أول تقرير نُشر في إيران.
وثانيًا، أنه حظي بتصديق الشهيد الصدر نفسه، ويُعدّ – بحسب تعبيره – «تقريرًا معتمدًا».

أما كتاب مباحث الأصول لآية الله الحائري، فيتميّز بكونه أكثر تفصيلًا، وأوضح بيانًا، وقد جاء في سبعة مجلدات. ومع أن عباراته في بعض المواضع موجزة وخالية من الحواشي الزائدة، إلا أن كثرة التوضيح تجعله أكثر فائدة لكثير من طلاب العلم.

كذلك، فإن كتاب بحوث في علم الأصول لعبد الستار الشيخ حسن عبد الله، وبما يُقال إنه تفريغ صوتي لتدريس الشهيد الصدر نفسه، يُعدّ مناسبًا لمن يرغب في التعرّف على لغة الشهيد الصدر وألفاظه مباشرة.

الشهيد الصدر: مدرسة أصولية مستقلة

صرّح كلا التلميذين الرئيسيين (آية الله الهاشمي الشاهرودي وآية الله الحائري) في مؤلفاتهما بأن الشهيد الصدر لم يكن تابعًا لأي مدرسة أصولية سابقة، بل كان صاحب مدرسة أصولية مستقلة، لا يمكن إدراجه تحت أي من المدارس الأصولية المعروفة، مع بقائه متصلًا بالتقليد الأصولي الشيعي.

2- خصائص المدرسة الأصولية للشهيد الصدر

الدعوى الأساسية هنا هي أن المدرسة الأصولية للشهيد الصدر أدّت إلى تطوير الفقه وإلى الارتقاء بوظائفه في آنٍ واحد.
وقد استُخرجت الخصائص السبعة لهذه المدرسة أساسًا من مقدمة كتاب بحوث في علم الأصول لآية الله الهاشمي الشاهرودي، واستُكملت بملاحظات من مباحث الأصول لآية الله الحائري.

الخاصية الأولى: الشمول والموضوعية

يرى آية الله الهاشمي أن هذه المدرسة تمتلك منطقها الخاص، ومعرفتها الخاصة، وفلسفتها وكلامها، ومنهجها التدريسي المميز. وهي مدرسة تتسم بالجامعية، بحيث تُكمل أجزاؤها بعضها بعضًا كما تُكمّل قطع الأحجية الواحدة الأخرى.
ويشبه هذا الوصف ما يُقال عن الموسوعات العلمية التي تغطي موضوعًا واحدًا من جميع جوانبه بشكل منسجم.

ويرى الشهيد الصدر أن المدرسة الفكرية – كالدين – كلٌّ مترابط، وله مفتاح، وهذا المفتاح هو علم أصول الفقه.

الخاصية الثانية: استيعاب الفروض والإحاطة بالمسائل

ويقصد بها الإحاطة بجميع الاحتمالات والفروض الممكنة في كل مسألة.
ويتجلّى ذلك بوضوح في كتاب الحلقات، حيث يعمد الشهيد الصدر إلى استعراض كل الفروض الممكنة، ثم يقدّم الأدلة الإيجابية لرأيه، وينقد الآراء المخالفة نقدًا تفصيليًا.

ومن أمثلة ذلك بحث «التسامح في أدلة السنن»، حيث يناقش الشهيد الصدر أربع احتمالات في فهم روايات «من بلغ»، ويحللها جميعًا تحليلًا دقيقًا، وصولًا إلى النتيجة المختارة.

الخاصية الثالثة: الإبداع والتجديد

يرى آية الله الحائري أن الشهيد الصدر أدخل علم الأصول مرحلة جديدة كليًا، يمكن تسميتها بـ«أصول الصدر».
ومن أبرز مظاهر هذا التجديد: نظرية حساب الاحتمالات، التي أعاد من خلالها بناء مباحث مثل حجية الخبر المتواتر، والإجماع، والسيرة.

وقد بلغت درجة الإبداع في هذه المدرسة حدًّا جعل بعضهم يفسّر عدم شيوع الحلقات في الحوزات بكثرة ابتكاراتها وجرأتها على تجاوز البنى التقليدية.

الخاصية الرابعة: المنهجية والتنظيم

تميّز الشهيد الصدر بذهنية بنائية شاملة، أعاد من خلالها هندسة علم الأصول انطلاقًا من تعريفه له بأنه:
«علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط الفقهي».

وبناءً على هذا التعريف، رتّب مباحث الأصول ترتيبًا منطقيًا يبدأ بحجية القطع، ثم الأدلة الاجتهادية، فالأصول العملية، ثم تعارض الأدلة، بحيث يحصل الطالب على رؤية شاملة لبنية العلم.

الخاصية الخامسة: الجمع بين المنطق والوجدان

حرص الشهيد الصدر على أن تكون تحليلاته العقلية العميقة منسجمة مع الفهم العرفي والوجدان الإنساني، كما يظهر ذلك في نظريته حول «القرن الأكيد» في بحث الوضع اللغوي، في مقابل نظرية التعهّد.

الخاصية السادسة: الذوق الفني والحسّ العقلائي

لم يكتفِ الشهيد الصدر بالتحليل النظري، بل حرص على بيان منشأ الظهورات والنتائج، والقدرة على إقناع المخاطَب عقلائيًا، لا الاكتفاء بادعاء النتيجة دون تحليل جذورها.

الخاصية السابعة: النظرة الحضارية

وهذه هي الخاصية الأهم.
فمدرسة الشهيد الصدر ليست مدرسة نظرية منعزلة، بل مشروع لإقامة الدين وبناء الحضارة الإسلامية.
وقد بدأ الشهيد الصدر علم الأصول بنفي النظرة العلمانية، وعرّف الحكم الشرعي بأنه تشريع إلهي لتنظيم حياة الإنسان في جميع أبعادها: الفردية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.

نظرة واقعية في الفكر

يتميّز الشهيد الصدر بنظرة واقعية، تظهر بوضوح في بحوثه الفقهية، كما في تحليله لموضوع البنك، حيث يبدأ بدراسة «واقع البنك» قبل الحكم عليه.

3- نماذج من أثر الفكر الأصولي في تطوير الفقه

يرى الشهيد الصدر أن العلاقة بين الفقه والأصول علاقة تفاعلية، وكلما تطور علم الأصول ارتقى الفقه.
ومن نماذج ذلك تحليله لمفهوم «السيرة»، حيث اعتبر أن الممضى من قبل الشارع هو الارتكاز الذهني لا مجرد السلوك الخارجي، مما فتح آفاقًا جديدة في استثمار السيرة في القضايا المستحدثة.

الانتقال من فقه الأحكام إلى فقه النظريات

من أعظم إسهامات الشهيد الصدر أنه نقل الفقه من مستوى الأحكام الجزئية إلى مستوى النظريات الكلية.
ففي الاقتصاد، لا يكفي السؤال عن حلّية أو حرمة فعل معيّن، بل لا بد من بناء نظرية في المال، والإنتاج، والبنك، وتوزيع الثروة.

وهكذا تحقّق على يده تطويرٌ كمي للفقه وارتقاءٌ كيفي بوظائفه.

4- الأسئلة والأجوبة

ما علاقة فقه النظريات بمقاصد الشريعة؟
أوضح زمانيان أن الشهيد الصدر لا يتبنى مقاصد الشريعة بالمعنى السني، بل يطرح مفاهيمه ضمن إطار «منطقة الفراغ» وبنيته الفكرية الخاصة.

ما أبرز مؤلفات الشهيد الصدر؟
أحال إلى موقع مركز أبحاث الشهيد الصدر، وإلى كتب مثل السيرة والمسيرة، وشرح الصدر، وشروح الحلقات، ومؤلفاته الاقتصادية كـاقتصادنا والبنك اللاربوي.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل