صرّح الأستاذ محمد تقي سبحاني قائلاً: نحن بحاجة إلى تجديد العلوم الإسلامية ضمن إطار منسجم ومتكامل. وفي هذا الإطار، يمكن تعريف الفقه والأخلاق بوصفهما علمين متكاملين ومرتبطين بعمق، يشتركان في أسس معرفية ومنهجية واحدة، ويتوجهان نحو غاية واحدة هي تكامل الإنسان في مسار العبودية لله. هذه الفكرة ليست عودة إلى الماضي، بل هي خطوة إلى الأمام للاستجابة لتعقيدات العالم المعاصر.
وبحسب تقرير شبكة الاجتهاد، عُقدت الجلسة التمهيدية الحادية عشرة من سلسلة الجلسات التخصصية للمؤتمر الوطني «الفقه والأخلاق»، تحت عنوان «نحو تقارب الفقه والأخلاق»، وذلك بمشاركة وتقديم حجة الإسلام والمسلمين محمد تقي سبحاني، في قاعة اجتماعات معهد أبحاث القرآن والحديث في مدينة قم.
وقد أُتيحت هذه الجلسة للحضور المباشر، كما بُثّت مباشرة عبر الإنترنت للمهتمين، وتولى أمانتها العلمية حجة الإسلام السيد محمد باقر ميرصانع، الأستاذ المساعد في قسم الأخلاق النظرية بالمعهد. وكان المحور الرئيس للنقاش هو تفكيك العلاقة التاريخية بين الفقه والأخلاق، وبيان ضرورة تقاربهما من أجل الاستجابة لحاجات المجتمع الإسلامي الراهنة.
تاريخ الانفصال: الفقه الإسلامي في مقابل الأخلاق اليونانية
في مستهل حديثه، قام الأستاذ سبحاني بتقسيم «السلوك العملي» في التراث الإسلامي إلى أربعة تيارات: الفقهي، والأخلاقي، والعرفاني، والعبادي (الدعائي)، مشيراً إلى الجذور التاريخية المختلفة لكل منها. وأوضح قائلاً:
> «السلوك الفقهي متجذّر في التراث الإسلامي الأصيل، أما السلوك الأخلاقي – بوصفه علماً منظَّماً ذا بنية معرفية – فيعود بجذوره إلى الثقافة اليونانية، وقد دخل العالم الإسلامي عبر حركة الترجمة. أما السلوك العرفاني، فله في الغالب جذور في التقاليد الشرقية».
وبيّن أن هذا الاختلاف في المنطلقات التاريخية أدّى إلى تشكّل هذه الحقول المعرفية منذ البداية بوصفها علوماً منفصلة، دون ترابط عضوي حقيقي فيما بينها.
الفروق الجوهرية: من الموضوع إلى الغاية
وعدّد عضو الهيئة العلمية في معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية خمسة محاور أساسية تميّز الفقه عن الأخلاق:
1. الموضوع:
موضوع الفقه هو «الفعل والسلوك» (سواء الجوارحي أو الجوانحي)، في حين أن موضوع الأخلاق الكلاسيكية هو «الملكات والصفات النفسية».
2. الأحكام:
تدور الأحكام الفقهية حول محاور: الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والإباحة؛ بينما تتعلق الأحكام الأخلاقية بمفاهيم «الفضيلة والرذيلة» أو «الحسن والقبح».
3. المنهج والمصادر المعرفية:
يعتمد الفقه أساساً على المصادر الوحيانية (الكتاب والسنة)، وينظر إلى الأحكام بوصفها تعبدية، في حين تقوم الأخلاق – في التقليد اليوناني–الإسلامي – على العقل، والوجدان الأخلاقي، والتجربة الإنسانية.
4. الغاية والهدف:
غاية الفقه هي تحقيق العبودية والطاعة لله وإيجاد الاتصال بالذات الإلهية، بينما تهدف الأخلاق إلى تزكية النفس، وتخليتها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل.
5. ضمانة التنفيذ:
ضمانة تنفيذ الأحكام الفقهية هي الطاعة والمعصية في الإطار الديني، في حين أن ضمانة الأحكام الأخلاقية غالباً ما تكون داخلية ووجدانية.
محاولات تاريخية غير مكتملة للتقارب
وأشار رئيس قطب «تعميق الإيمان الديني ومواجهة المعتقدات المنحرفة» في مكتب الإعلام الإسلامي، إلى جهود مفكرين مثل الإمام محمد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وفيض الكاشاني، والملّا مهدي النراقي في جامع السعادات، في سبيل الربط بين الفقه والأخلاق، لكنه قيّم هذه الجهود بأنها غير كافية.
وأوضح أن تلك المحاولات لم تنجح لا على مستوى المباني والأسس ولا على مستوى النتائج والآثار في إحداث تقارب جذري بين العلمين، بل انتهت في أفضل الأحوال إلى تلفيق سطحي أو فصلٍ في مجالات التطبيق. فعلى سبيل المثال، لجأ الغزالي لحل الإشكال إلى التصوف، وجعل الفقه والأخلاق تحت مظلة العرفان.
الآثار الإشكالية للانفصال في العصر الحديث
واعتبر رئيس مؤسسة معارف أهل البيت (ع) أن غياب التقارب بين الفقه والأخلاق هو مصدر أزمات عملية في العصر الحاضر، وقال:
> «إننا اليوم، بسبب هذا الانفصال، عاجزون عن تقديم نموذج عملي منسجم لنمط الحياة الإسلامية. فالفرد المتديّن يجد نفسه حائراً بين التوصيات الفقهية والتعليمات الأخلاقية، لأن هذين المجالين لا يستندان إلى منظومة معرفية موحّدة ومتكاملة».
وأشار إلى أن هذا الإشكال يظهر بوضوح في قضايا مثل الثروة، والتوكل، وغيرها من المفاهيم، حيث تُقدَّم أحياناً قراءات تبدو متعارضة داخل التراث الإسلامي نفسه.
الحل المقترح: إعادة بناء ضمن تصنيف معرفي جديد
وفي خلاصة حديثه، شدّد مسؤول الجمعية العلمية لعلم الكلام الإسلامي في الحوزة العلمية بقم على أن الحل لا يكمن في تجاهل الفوارق، ولا في الإصرار على الفصل التام، بل في إعادة بناء عضوية لهذين العلمين ضمن نظام تصنيف معرفي جديد.
وأكد الأستاذ سبحاني في الختام:
> «نحن بحاجة إلى تجديد العلوم الإسلامية ضمن إطار منسجم. وفي هذا الإطار، يمكن للفقه والأخلاق أن يُعرَّفا بوصفهما علمين متكاملين ومرتبطين بعمق، يشتركان في مبانٍ معرفية ومنهجية واحدة، ويتجهان نحو غاية واحدة، هي تكامل الإنسان في مسار العبودية. هذه الفكرة ليست عودة إلى الماضي، بل هي خطوة إلى الأمام للاستجابة للحاجات المعقّدة لعالم اليوم».
الأسئلة والأجوبة والخلاصة النهائية
في الجزء الختامي من الجلسة، طرح الحضور والمشاركون عبر الإنترنت أسئلة حول إمكانية تفعيل هذا التقارب عملياً، وعلاقة علم الكلام بالأخلاق، وطبيعة الاعتبارية في تقسيم العلوم.
وفي إجابته، أكّد الأستاذ سبحاني على ضرورة تحويل هذا الطرح إلى مشروع بحثي جاد، واعتبر أن لمؤسسات مثل معهد أبحاث القرآن والحديث ومركز أبحاث الأخلاق وعلم النفس دوراً محورياً في دفع هذا المشروع إلى الأمام.
كما قام أمين الجلسة العلمي بتلخيص النقاشات، مؤكداً على أهمية هذا الحوار للخروج من الوضع الراهن، وتقديم نماذج متماسكة للتديّن في العصر الحاضر.
ويُذكر أن هذه السلسلة من الجلسات تُعقد في إطار المشروع البحثي «التناسبات بين الأخلاق والفقه»، ومن المقرر أن تستضيف آراء متنوعة لمفكرين من الحوزة والجامعة.
ترجمة مركز الاسلام الأصيل


