يحذّر أمير المؤمنين علي (ع) في الخطبة 140 من نهج البلاغة من عيب الناس والتسرّع في الحكم عليهم، مبيّنًا أن ذلك لا يُعدّ ظلمًا لهم فحسب، بل قد يكون في بعض الأحيان ذنبًا أعظم من الذنب الذي ارتكبوه هم أنفسهم. وهذه الرسالة الأخلاقية تمثّل دليلًا عمليًا للتزكية الذاتية وبناء مجتمع سليم قائم على الرحمة.
اعتبار الناس مذنبين ليس أمرًا هيّنًا
في التعاليم الإسلامية، يحتلّ الاهتمام بإصلاح النفس والابتعاد عن إصدار الأحكام وعيب الآخرين مكانة أساسية. وقد حذّر أمير المؤمنين علي (ع)، في خطب نهج البلاغة وبنظرة عميقة وبنّاءة للإنسان، مرارًا من الوقوع في فخ الشعور بالتفوّق الذاتي وإطلاق الأحكام المتسرّعة على الآخرين.
وتُعدّ الخطبة 140 من نهج البلاغة من جملة الكلمات التي تُبرز الخطر العظيم لعيب الناس، إذ ترسم بوضوح الحدّ الفاصل بين الإصلاح والتقريع، وتُبيّن أن الحكم على الآخرين بالذنب قد يكون في بعض الأحيان ذنبًا أثقل من الذنب الذي وقعوا فيه. إن التأمّل في هذه الكلمات يقودنا إلى فهم أعمق لمسؤولية الفرد، ودور الرحمة الاجتماعية، وأهمية التزكية الذاتية في تكوين مجتمع طاهر وسليم.
إن ذكرى مولد الإمام علي (ع) تمثّل فرصة ثمينة لإعادة قراءة كلماته النورانية، ولا سيّما في نهج البلاغة، ذلك السفر الغني بالأفكار الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والدينية، والاستفادة من مواعظه الأخلاقية في بناء حياة أفضل.
يقول أمير المؤمنين (ع) في مواصلة الخطبة 140، بعد أن نهى عن عيب المذنبين وأكّد أن عيب الناس ذنب أعظم من الذنب الذي ارتكبه الشخص المعيَّب، ما نصّه:
«لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَ عَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ، لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَر»؛
أي: والله، لو لم يكن قد عصى الله بذنب كبير، وكانت معصيته مقتصرة على ذنب صغير، فإن جرأته على عيب الناس واتهامهم بالذنب أعظم من ذلك الذنب نفسه. أي حتى لو لم يكن قد ارتكب ذنبًا كبيرًا، فإن الحكم على الآخرين بالذنب يُعدّ ذنبًا أكبر من خطئه الشخصي.
إن اعتبار الناس مذنبين ليس أمرًا بسيطًا؛ فمثل هذا السلوك قد يدفع الشخص إلى الاستمرار في ذنبه، بينما لو قوبل بالرفق، وسُعي إلى فهم أسباب وقوعه في الخطأ وإزالة أسبابه، فإن ذلك لا يمنعه فقط من تكرار الذنب، بل يدفع المجتمع بأسره نحو الطهارة والصلاح.
ثم يقول (ع): «يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ، فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَ لَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ، فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ»؛
أي: يا عبد الله، لا تُسارع إلى عيب أحد بسبب ذنبه؛ فلعلّ ذلك الذنب قد غُفر له. فقد يكون الإنسان قد ارتكب ذنبًا ثم تاب عنه، وغفر الله له، وعليه فلا يجوز وصفه بالمذنب أو عيبه. وكذلك لا تأمن على نفسك إذا ارتكبت معصية صغيرة في ظاهرها، فلا تظنّ أنها أمر هيّن ومغفور، إذ قد يكون ما تراه صغيرًا عظيمًا عند الله. فصِغَر الذنب وكِبَره لا يُقاسان بالموازين البشرية، بل قد يكون للفعل آثار اجتماعية تجعله كبيرًا في ميزان الله، فيستوجب العذاب.
ثم قال (ع): «فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ، وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ»؛
أي: فليمتنع كلّ من اطّلع منكم على عيب غيره عن عيبه، بسبب علمه بعيوب نفسه. وينبغي أن يكون شكره لله على سلامته من الذنب الذي ابتُلي به غيره شغله الشاغل، بحيث لا يكتفي بترك عيب الناس، بل يحمد الله أيضًا على أن عصمه من الوقوع في ذلك البلاء.

