تطوّر أدوار الاجتهاد والتشريع: من النص إلى الخوارزمية

تطوّر أدوار الاجتهاد والتشريع: من النص إلى الخوارزمية

لقد مرّ الاجتهاد، بوصفه المحرّك الدينامي لاستنباط الأحكام في الفقه الإسلامي، بتحوّلات عميقة عبر مسيرته التاريخية. فمن العصور الأولى التي كان فيها الاعتماد منصبًّا على فهم ظواهر النصوص فحسب، إلى عصر ازدهار التفريع والتطبيق، ثم مراحل الركود والعودة، كانت كل مرحلة تعكس مقاربة خاصة لمصادر الشريعة ولمتطلبات العصر. وما يلفت النظر في هذا المسار هو العلاقة الدائمة بين الاجتهاد و«المسائل الواقعية»؛ تلك المسائل التي تارةً تتجلى في صورة وقائع مستجدّة، وتارةً أخرى في تعقيدات تنزيل القواعد الكلية على مصاديق متغيّرة.

تطوّر مراحل الاجتهاد من المعرفة النظرية إلى الحيوية العملية

وفقًا لرؤية تحليلية، يمكن تلخيص تطوّر الاجتهاد في ثلاث مراحل كبرى:

1. مرحلة المحورية النصّية دون تطبيق
وهي المرحلة التي كان فيها الاجتهاد يقتصر غالبًا على فهم ظواهر النصوص، دون أن يبلغ مرتبة التفريع والتنزيل العملي.

2. مرحلة التنظير دون الاستمرارية
وفيها، وعلى الرغم من تشكّل التفريع والتطبيق، برزت تحديات متعددة، من قبيل: الركود، وتقليد السابقين، وعدم الالتفات إلى تحوّل الموضوعات، وغياب الموازنة المنهجية بين الفروع والأصول.

3. مرحلة الاجتهاد الحركي المنظّم
وهي المرحلة التي لا تقتصر على توظيف المصادر المعتبرة فحسب، بل تُعنى كذلك بدراسة أبعاد القضايا، وتحولات الموضوعات، والعلاقة المنطقية بين الفروع والأصول. ويُعدّ الإمام الخميني (رضوان الله عليه) بحقّ رائد هذه المرحلة الكبرى وقائدها في الاجتهاد الفقهي.

وعلى الرغم من أن الزمن لم يطل كثيرًا منذ نضوج هذه المرحلة واستقرارها، فإن الحوزات العلمية، بل والعالم الإسلامي بأسره، شهد نهضة عظيمة في الفقه الاجتهادي؛ نهضة جرى فيها التصدّي للمسائل المستحدثة في مختلف المجالات: الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والحقوقية، والجنائية، والجزائية، والدولية، والحكومية. فقد كان الإمام الخميني (ره) من جهة متّصفًا بأعلى مراتب الاستدلال والعمق في الفقه الاجتهادي، ومن جهة أخرى ذا إحاطة تامة بعناصر ومتطلبات الحكم الإسلامي. ومن هنا، استطاع أن يؤسّس منهجًا جديدًا في الاجتهاد الفقهي، قاده إلى ذروة النضج العلمي والعملي.

وبتطبيق هذا المنهج الفقهي في مختلف الساحات الفردية والاجتماعية والحكومية، تبلورت استجابات حيوية وملائمة لمشكلات العصر وتحدّياته، واكتسب الفقه بنية متماسكة وإطارًا مشرقًا ومستدامًا.

وفي هذه المرحلة، ومع الارتكاز على المصادر القطعية (الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع)، والابتعاد عن المصادر الظنية الشخصية (كالقياس والاستحسان)، لم يُنظر إلى الاجتهاد بوصفه مصدرًا مستقلاً في عرض النص، بل باعتباره «أداة في خدمة النص»، تمكّن المجتهد من مواكبة الظواهر المستجدّة وإيجاد حلول للمسائل الناشئة.

الاجتهاد والتشريع: جناحا الحوكمة الإسلامية

في الأنظمة القانونية الحديثة، يُعدّ التشريع عملية قائمة على فهم المجتمع، واستشراف حاجاته، وصياغة قواعد وحلول بشرية لمواجهة التحديات. ويقوم الاجتهاد في الفقه بدور مماثل، غير أن منطلقاته لا تستند إلى الإرادة البشرية، بل إلى مصادر الشريعة.

وفي العصر الحديث، كان من أعظم الخطوات العملية لتقريب الفقه من التشريع تأسيسُ الدستور في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أُضفيت الصفة العملية على ضرورة عدم تعارض القوانين العادية معه، أو انسجامها مع أحكامه. غير أنّ التحدي الحقيقي يبرز حين تتجاوز سرعة التحولات الاجتماعية قدرة الاستنباط الفقهي على المواكبة، فيلجأ مجلس الشورى الإسلامي، بدل الرجوع إلى منابع التشريع لتحقيق مقاصد التقنين في النظام الإسلامي، إلى تقليدٍ غير مكتمل لقوانين وأنظمة سائدة في أنظمة قانونية أخرى. وفي مثل هذا المسار، لا تُحلّ مشكلات المجتمع، بل قد تتحول المشكلة نفسها، عبر التضخيم، إلى إشكالية جديدة أكثر تعقيدًا.

عصر الخوارزمية والذكاء الاصطناعي: نحو نموذج اجتهادي جديد

نحن اليوم نعيش عصر الذكاء الاصطناعي؛ عصرًا باتت فيه الحوكمة دون الرجوع إلى البيانات أمرًا غير ممكن. وفي هذا العصر:

1. أصبحت المسائل أكثر تعقيدًا وتعدّدًا في الأبعاد (مثل الحقوق الرقمية، والتقنيات الحيوية، والعقود الذكية).

2. تحوّلت البيانات إلى مصدر مساعد في الاستنباط (إذ يمكن للبيانات الضخمة أن تُحلّل موضوعات الأحكام بدقة أعلى).

3. فاقت سرعة توليد الأسئلة الجديدة قدرة الأساليب التقليدية على الإجابة.

في ظل هذه الظروف، إذا توقّف الاجتهاد عند حدود مرحلته الثالثة – أي مرحلة الدينامية والتنظيم – فإنه يواجه خطر «الجمود داخل الحيوية»؛ أي حيوية في الأدوات، مع جمود في الرؤى والتصورات. لقد تحوّل عصر الخوارزميات وهيمنة البيانات إلى مرحلة جديدة تفرض بروز نماذج اجتهادية مبتكرة؛ فإن أُحسن فهم هذه المرحلة، أمكن الإمساك بزمام البيانات، وإلا فإن البيانات والخوارزميات ستفرض هيمنتها على الفهم الاجتهادي نفسه.

استراتيجيات تعزيز تفوّق منظومة الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي

لدرء المخاطر التي تهدّد الاجتهاد في هذا العصر، تبرز ضرورة وضع استراتيجيات علمية واعية، من أبرزها:

1. الاجتهاد المتمحور حول المسألة مع التركيز على تحليل الموضوع
صحيح أن تشخيص الموضوع قد يتم خارج المنظومة الفقهية، إلا أن المجتهد في العصر الحديث مطالب بأن يجعل «تحليل الموضوع» في صدارة عملية الاستنباط. ويمكن للذكاء الاصطناعي، عبر توفير بيانات اجتهادية وتعريف خوارزميات لتحليل الموضوعات، أن يساعد الفقيه على إدراك أدقّ لواقع المسألة، من خلال تحليل منظّم للبيانات الاجتماعية والاقتصادية والحيوية.

2. تطوير «الفقه الخوارزمي» بوصفه فرعًا من فقه بناء الأنظمة
كما شهدنا نشوء فقه الاقتصاد، وفقه السياسة، وفقه الطب، فإن الحاجة باتت ماسة اليوم إلى تأسيس «فقه خوارزمي» يُعنى بالأطر الحاكمة للذكاء الاصطناعي، وتنقيب البيانات، واستقلالية الأنظمة، والخصوصية الرقمية، بما يمنع تشويه البيانات الاجتهادية، ويضمن تحليلها تحليلاً موجّهًا ودقيقًا.

3. توظيف الذكاء الاصطناعي كمساعد للمجتهد
إن تصميم أنظمة ذكية للاستنباط، قادرة على استرجاع الروايات، وتحليل الآراء الفقهية، وتنقيح القواعد الأصولية، من شأنه أن يرفع دقة الاجتهاد وسرعته بصورة ملحوظة.

4. توسيع دائرة الاجتهاد الجماعي والشبكي
إن مواجهة تعقيدات العصر تتطلب تعاون فرق متعددة التخصصات (الفقه، القانون، الفلسفة، علوم الحاسوب، الأحياء، وغيرها) ضمن «هيئات اجتهادية» مشتركة، تسهم في تعميق التفاعل البيني ورفع جودة الإنتاج العلمي.

خاتمة القول

إن عصرنا هو عصر الخوارزمية والمقاربة المسائلية. ولكي يحقق الاجتهاد تفوقًا حقيقيًا في هذا العصر، لا بد له من الانتقال من «الاجتهاد في النص» إلى «الاجتهاد في النص والسياق»؛ أي الوفاء للنصوص والقواعد من جهة، ومراعاة السياقات الاجتماعية والتقنية والإنسانية من جهة أخرى.

ولا يتحقق ذلك إلا بصون الإرث الحركي لمدرسة الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، وفتح آفاق الاجتهاد الذكي والنظامي. فحيوية الاجتهاد مرهونة بأن يكون الفقه ليس مجرد مجيب عن الأسئلة، بل كاشفًا دقيقًا عن المشكلات، ومولّدًا للأسئلة في عالم بالغ التعقيد. والغاية النهائية هي بناء منظومة اجتهادية لا تكون منفعلة وردّ فعلية، بل فاعلة ومبادِرة. فقهٌ يسبق المشرّع، ويغنيه عن تقليد النماذج الوافدة، عبر تشخيص واعٍ للحاجات، ومعالجة حكيمة لها.

عندئذٍ، لن يكون الاجتهاد مجرد محرّك للماضي، بل بوصلة للمستقبل؛ مستقبلٍ لا تحكمه البيانات، بل تُسخَّر فيه البيانات لخدمة حكمة الشريعة.

الكاتب:
د. محمدرضا فارسيان
باحث وأستاذ جامعي
نائب رئيس معهد البحوث في مجلس صيانة الدستور

ترجمة مركز الاسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل