لا يخفى على أحد ما لأهمية الاقتداء بالشخصيات السامية والبارزة من دورٍ محوري في الارتقاء الفردي والاجتماعي. وقد اختزن الدين الإسلامي الحنيف كنزًا فريدًا من النماذج الراقية التي لا تُلهم المسلمين فحسب، بل الإنسانية جمعاء. وفي طليعة هذه النماذج المشرقة، يبرز مقام النساء العظيمات اللواتي اضطلعن بأدوار مفصلية في المنعطفات الحساسة من تاريخ الإسلام، وأسهمن بوعيٍ وإيمانٍ وصبرٍ في حفظ الرسالة الإلهية واستمرارها.
ومن بين هذه الشخصيات النسائية الفريدة، تبرز السيدة خديجة الكبرى (س) والسيدة زينب الكبرى (س) بوصفهما مثالين متكاملين للمرأة الرسالية، رغم اختلاف الزمان والميدان. فقد مثّلتا حضورًا حاسمًا في مرحلتين بالغتي الخطورة من تاريخ الإسلام: مرحلة التأسيس الأولى، ومرحلة حفظ الرسالة بعد أعنف محاولات طمسها. وهذا ما يدعونا إلى الوقوف عند أوجه الشبه العميقة بين هاتين السيدتين، وتحليل العوامل المشتركة التي جعلتهما في مصاف أعظم نساء الإسلام.
المحور الأول: الدعم المطلق للولاية والقيادة الإلهية
إن نصرة القيادة الإلهية والوقوف إلى جانب وليّ الحق من الركائز الأساسية في المنظور الإسلامي، وهي نصرة شاملة لا تقتصر على التأييد اللفظي، بل تمتد إلى الدعم المادي والمعنوي والفكري، بل والتضحية بالنفس.
دعم السيدة خديجة (ع) للرسول ﷺ:
الدعم المالي: بذلت ثروتها الهائلة دون تردد في سبيل نشر الإسلام، حتى قال النبي ﷺ:
«ما نفعني مال قط كما نفعني مال خديجة»(1).
الدعم النفسي والعاطفي: كانت الملاذ الآمن للنبي ﷺ في أوقات الشدة، وأول من صدّق برسالته عند نزول الوحي، فبعثت في نفسه الطمأنينة والثبات.
أنموذج القانتات والمؤمنات: جسّدت الطاعة الكاملة لله والإيمان العميق برسوله، كما يشير قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ…﴾(2).
دعم السيدة زينب (ع) للإمامة:
نصرة الإمام الحسين (ع): حضورها إلى جانبه في كربلاء، ومواكبته في مسيرته الجهادية، وتحملها المصائب حفاظًا على بقاء خط الإمامة.
حماية الإمامة بعد عاشوراء: رعايتها للإمام زين العابدين (ع) وصيانة حياته خلال فترة الأسر.
أنموذج القانتات والمؤمنات: بلغ إيمانها وطاعتها حدّ التضحية بكل شيء كي لا تسقط راية الحق.
وهكذا، كانت نصرة الولاية لدى كلتا السيدتين ممارسةً عملية متجذرة في الوعي والإيمان، لا مجرد موقف عاطفي عابر.
المحور الثاني: الإيثار والتضحية الفريدة
الإيثار في القرآن الكريم
يُعدّ الإيثار من القيم الأخلاقية المركزية في الإسلام، وقد عبّر عنه القرآن بقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(3).
ويشمل الإيثار المال، والنفس، والراحة، بل وحتى أغلى ما يملك الإنسان.
إيثار السيدة خديجة (ع):
الإيثار المالي: وضعت كامل ثروتها في خدمة الدعوة الإسلامية دون منٍّ أو تردد.
إيثار الراحة: تحمّلت قسوة الحصار في شعب أبي طالب رغم نشأتها المرفّهة.
مصداق المتصدّقات: كان عطاؤها مثالًا حيًا للمعنى الواسع للصدقة في آية الأحزاب (35).
إيثار السيدة زينب (ع):
الإيثار النفسي والوجداني: قدّمت إخوتها، وأبناءها (عون ومحمد)، وأبناء إخوتها وأعزّ أحبّتها في سبيل الله.
التضحية بالطمأنينة الشخصية: آثرت أداء رسالتها في تبليغ عاشوراء على كل اعتبار ذاتي.
مصداق الصابرين والصابرات: اقترن إيثارها بصبر استثنائي جعلها من أعظم رموز التضحية في التاريخ الإسلامي.
المحور الثالث: البصيرة والمعرفة العميقة
البصيرة في المفهوم القرآني
البصيرة هي الفهم العميق للواقع، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، والنفاذ إلى ما وراء الظواهر، وهو ما تؤكد عليه آيات أولي الألباب والتدبر.
بصيرة السيدة خديجة (ع):
أدركت عظمة شخصية النبي ﷺ وأمانته قبل البعثة، وكانت أول من آمن برسالته.
وعت انحرافات المجتمع الجاهلي، فآمنت بالإسلام عن وعي ومعرفة.
بصيرة السيدة زينب (ع):
فهمت بعمق فلسفة عاشوراء وأهدافها الإلهية.
كشفت الحقيقة في خطبها بالكوفة والشام، وأبطلت الدعاية الأموية.
قولها الخالد: «ما رأيتُ إلا جميلًا» يمثّل ذروة الرضا والبصيرة.
وهكذا، كانت كلتاهما مثالًا صادقًا لقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾.
المحور الرابع: الصبر والثبات في طريق الله
الصبر في القرآن الكريم
الصبر من أعظم الفضائل الإيمانية، ويشمل الصبر على البلاء، وفي الطاعة، وعن المعصية. قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(4).
صبر السيدة خديجة (ع):
صبرت على أذى قريش والحصار الاقتصادي والاجتماعي.
رضيت بالفقر بعد الغنى في سبيل الله.
كانت مثالًا راسخًا للصبر في الطاعة والبلاء.
صبر السيدة زينب (ع):
صبرت على فاجعة كربلاء بكل ما حملته من فقدٍ وألم.
ثبتت في الأسر، وألقت خطبها بوقار وشجاعة.
صبرها كان تجسيدًا حيًا لقوله تعالى: ﴿وبشّر الصابرين﴾.
الخلاصة
إن أوجه الشبه بين السيدة خديجة (ع) والسيدة زينب (ع) — في نصرة القيادة الإلهية، والإيثار، والبصيرة، والصبر — ليست تشابهات عرضية، بل هي نتاج إيمان عميق ووعي رسالي راسخ. وقد تجسدت في حياتهما صفات آية الأحزاب (35) بأبهى صورها.
وفي زمن تتعاظم فيه التحديات الأخلاقية والروحية، يظلّ التأمل في سيرتهما والاقتداء بهما من أنجع السبل لبناء الإنسان الرسالي، وتربية جيل ثابت على الحق، واعٍ بمسؤوليته، قادر على الجمع بين الإيمان والعمل.
لقد كانتا — رغم اختلاف الزمن والميدان — متحدتين في الهدف الإلهي، وستبقيان على الدوام منارات هداية ومشاعل نور لكل الباحثين عن الحقيقة.
الهوامش والمصادر:
1- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، قم، دار الثقافة، 1414هـ، ص 468.
2- سورة الأحزاب، الآية 35.
3- سورة الحشر، الآية 9.
4- سورة البقرة، الآية 155.
ترجمة : مركز الاسلام الأصيل



