علي راد
شبكة الاجتهاد: يشكّل «فقه الأمن» في فضاء الفقه المعاصر محاولةً لفهم وتنظيم القواعد الدينية المتعلّقة بالنظام العام، والحماية، وتأمين المصالح العامة، في ظروف تكون فيها التهديدات والمخاطر والأضرار قادرة على تعريض المجتمع بأسره لعدم الاستقرار. ولا يُقصد بـ«السوق» في معجم فقه الأمن مجرد مكان لتبادل السلع والخدمات؛ بل هو رمزٌ لشبكة معقّدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، تحكم تفاعلاتها قواعد مكتوبة وغير مكتوبة.
إنّ التقاء «مسألة السوق» و«فقه الأمن» يفتح فضاءً إشكاليًا وحيويًا في آنٍ واحد أمام المفكّرين الدينيين، والحقوقيين، وصنّاع السياسات: كيف يمكن تنظيم السوق ضمن إطار فقهي يضمن الأمن الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي للمجتمع؟ وتتمثل أهم مجالات التقاطع بين السوق وفقه الأمن فيما يلي:
1. الأمن الاقتصادي والعدالة التوزيعية
قد تؤدي الأسواق، إذا ما افتقرت إلى الكفاءة، إلى توزيع غير عادل للموارد والدخول، وهو ما يُنتج بدوره حالةً من انعدام الأمن الاجتماعي والسياسي. فالعدالة الاقتصادية تحتل مكانةً تأسيسية في الفقه الإسلامي. والإشكال المطروح هو: كيف يمكن للقواعد الفقهية التقليدية، التي تشكّلت غالبًا في سياقات اقتصادية تاريخية مغايرة، أن تستجيب لمسائل مثل اللامساواة الهيكلية، والتهرّب الضريبي، وتعقيدات النظام المالي الحديث، بما يضمن تحقيق الأمن الاقتصادي؟
2. الربا، والأدوات المالية الحديثة، وكفاية الرقابة
يؤكّد تحريم الربا في الفقه الإسلامي على ضرورة المعاملة العادلة ومنع الاستغلال المالي. غير أنّ دخول الأدوات المالية الحديثة إلى النظام المصرفي المعاصر قد جعل الحدود الفقهية أكثر تعقيدًا. وهنا يبرز سؤال محوري أمام فقه الأمن: ما حكم الأدوات التي تُنتِج هياكل عالية المخاطر في أسواق المسلمين وقد تفضي إلى أزماتٍ نظامية شاملة؟ إنّ الجواب الفقهي عن هذا السؤال يتطلّب، من جهة، فهمًا تخصصيًا لطبيعة هذه الأدوات وآثارها على استقرار الاقتصادين الوطني والدولي، ومن جهة أخرى، إدراك أبعادها الأمنية وانعكاساتها على الجوانب الاجتماعية والثقافية المختلفة.
3. الاحتكار، وتنظيم الأسعار، والأمن الغذائي
تُعدّ أسواق السلع الأساسية من أبرز مصاديق الارتباط المباشر بين السوق والأمن. فالاحتكار أو الإخلال بتوزيع هذه السلع يمكن أن يهدد الأمن الغذائي. وقد قرّر الفقه الإسلامي، من خلال تحريم الاحتكار، مسؤوليةً أخلاقية وقانونية لضبط المخازن وتنظيم السوق. ويقع على عاتق فقه الأمن هنا تحديد الحدّ الفاصل بين حق الملكية والمصلحة العامة، وتبيين الأدوات المشروعة (القانونية، والحكومية، والشرعية) لمواجهة السلوكيات السوقية المدمّرة.
4. النظام الاقتصادي والأمن العام
قد يتعارض مبدأ السوق الحرة المطلقة مع المصالح العامة، كما في حالات إنتاج أو عرض السلع الخطرة، أو الإضرار بالبيئة، أو التهرّب من الضرائب. ويمكن لفقه الأمن أن يوفّر إطارًا لإضفاء المشروعية على التدخل القانوني، شريطة الالتزام بالعدالة، واحترام الملكية المشروعة، ومراعاة مبادئ الشريعة. ومن الضروري إعادة تعريف مفهومي «المصلحة» و«الضرر» في ضوء الاعتبارات الأمنية.
5. التكنولوجيا، والسوق الرقمية، والأمن السيبراني
لقد أفرز ظهور الأسواق الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والعملات المشفّرة، وأنظمة المعلومات، تحدياتٍ أمنية جديدة لم تكن مطروحةً بوضوح في الفقه التقليدي. ومن منظور فقه الأمن يبرز التساؤل التالي: هل يؤدّي استخدام التقنيات الحديثة في المعاملات، أو في معالجة بيانات العملاء، أو في أنظمة الدفع الإلكتروني، إلى أنماط جديدة من انتهاك الحُرمات، أو الاعتداء على الخصوصية، أو تهديد استقرار السوق؟ وكيف يمكن وضع قواعد شرعية–قانونية ملائمة لمعالجة هذه القضايا؟
الخاتمة
يتّضح مما سبق أنّ مسألة السوق وفقه الأمن تمثّل مجالًا متعدّد الأبعاد، يستدعي إعادة نظر في المفاهيم الفقهية، وتفاعلًا بين التخصّصات المختلفة، وسياساتٍ ذكية قائمة على المعرفة. فالفقه الإسلامي، بما يملكه من تراثٍ غني في قواعد العدالة الاقتصادية والأخلاقية، قادر على أن يشكّل أساسًا متينًا لتنظيم السوق بما يضمن الأمن العام؛ شريطة تحديث هذه القواعد في ضوء فهم دقيق لتعقيدات الأنظمة الاقتصادية المعاصرة والتقنيات الحديثة، وتطبيقها ضمن عملية تفاعلية قائمة على الأدلة. وبهذه الطريقة يمكن بناء أسواقٍ تحترم المصالح الفردية، وفي الوقت ذاته تكفل الأمن والرفاه الجماعي.





