عندما نتحدث عن «القيم الأخلاقية في الإسلام» فإننا نواجه منظومة مترابطة، هادفة، وعميقة التأثير، تسعى إلى تحويل الحياة الإنسانية إلى عبادة مستمرة. فالأخلاق، في هذا التصور، ليست زينةً للحياة، بل هي جوهر الدين والغاية الأساسية من بعثة الأنبياء. وقد عبّر النبي الأكرم ﷺ عن هدف رسالته بقوله:
«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»(1).
هذا النسق القيمي متجذّر في التوحيد، ويبلغ كماله عبر ولاية أهل البيت(ع)، وتتجلّى ثماره يوم القيامة. كما أنّ القيم الأخلاقية في الإسلام، إلى جانب تنظيم علاقة الإنسان بالله وبنفسه، تعتني بدقّة بتنظيم العلاقات الاجتماعية، والتعامل مع البيئة، بل وحتى التعامل مع الحيوانات، مقدِّمةً نموذجًا شاملًا للحياة الفردية والجماعية.
ومن الأعمدة الرئيسة في هذا النظام الأخلاقي رعاية الحقوق، التي تتجلى في مفهوم واسع هو «محورية التكليف المسؤول».
ففي الإسلام، يقابل كلَّ حقٍّ تكليفٌ، والالتزام بهما معًا هو مظهر العدالة والتقوى. وقد أحصى الإمام زين العابدين(ع) في رسالة الحقوق عشرات الحقوق، بدءًا من حق الله تعالى، وحق النبي ﷺ، وحق الإمام(ع)، وصولًا إلى حقوق الجار، والصديق، وزميل العمل، بل وحتى حقوق أعضاء الجسد واللسان(2).
وبهذا الفهم، تتحول الحياة إلى ساحة مقدسة لتحمّل المسؤولية. ويتصدر هذه الحقوق «حق النفس» أو حق الإنسان على نفسه، ويشمل التربية، وطلب العلم، وحفظ الصحة، واجتناب المعصية.
ثم تأتي حقوق الآخرين، كالوالدين والزوجة والأبناء، بتأكيد بالغ؛ حتى إنّ الإحسان إلى الوالدين جاء مباشرة بعد التوحيد في القرآن الكريم(3).
هذا الإطار يرفض كل أشكال الأنانية أو العداء للمجتمع، ويقيم توازنًا حكيمًا بين الفرد والجماعة.
وعلى مستوى أعمق، يؤكد الإسلام على الفضائل الباطنية المُنشِئة للسلوك، وهي المحرّك الأساس لفعل الخير وترك الشر.
ومن هذه الفضائل:
الإيمان، والتقوى، والصدق، والإخلاص، والحياء، والصبر، والشكر، والرضا. فهذه القيم تشكّل القوة الدافعة الداخلية للإنسان. فـ«الإيمان»، بوصفه الأساس، يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم والحياة، و«التقوى» كملكة روحية تحصّنه من الوقوع في المعصية، و«الإخلاص» ينقّي الأعمال من آفة الرياء وحب الظهور(4).
وقد قال الإمام علي(ع): «الدين هو الإخلاص». وهذه الفضائل تشبه جذور شجرة باسقة، فيما تمثل السلوكيات الحسنة أغصانها الظاهرة؛ ومن دون تقوية الجذور، تبقى الأخلاق الظاهرة هشّة وغير مستقرة.
أما السمة الفارقة للنظام الأخلاقي في الإسلام فهي الجمع بين العقلانية والعاطفة، والموازنة بين الدنيا والآخرة. فمن جهة، يُشدّد على التدبير العقلي، والإنصاف، والوفاء بالعهد، وإقامة العدل في مختلف شؤون الحياة، وهي الأسس التي يقوم عليها أي مجتمع متحضّر.
ومن جهة أخرى، يؤكد على الرحمة، والعفو، والإحسان، والإيثار بما يتجاوز حدّ العدل المجرد.
ويدعو القرآن المؤمنين إلى التعاون على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان(5).
ويبلغ هذا التوازن ذروته في سيرة أهل البيت(ع)، إذ كان الإمام علي(ع) مثالًا فريدًا في العدل، وفي الوقت نفسه أسوة في العفو والكرم.
وبهذا المعنى، لا تمثل الأخلاق الإسلامية رهبانية وانسحابًا من الدنيا، ولا ماديةً خالصة، بل هي إعمار الدنيا في طريق الارتقاء بالآخرة.
ونتيجة هذا النظام الأخلاقي هي نشوء حضارة يكون فيها التقدم المادي في خدمة الكمال المعنوي للإنسان، وتكون الكرامة الإنسانية محور التشريع وكل أشكال التفاعل الاجتماعي.
الهوامش:
1- الشيخ الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 11، أبواب جهاد النفس، الباب 1، الحديث 1.
2- ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، نصّ رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(ع).
3- القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 23: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوالِدَيْنِ إِحسانًا﴾.
4- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، الحديث 1.
5- القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 2.
6- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، باب فضل حُسن الخُلُق، روايات متعددة.
ترجمة : مركز الاسلام الأصيل
