العلوم الإنسانية ليست ذات هوية واحدة ولا يصحّ إصدار حكمٍ واحد عامٍّ بشأنها

أكد عضو الهيئة العلمية في مؤسسة الإمام الخميني (قده) أنّ العلوم الإنسانية لا تتمتّع بهوية واحدة متجانسة، ولا يمكن إصدار حكمٍ واحدٍ شاملٍ بشأن جميع فروعها، مشيرًا إلى أنّ اختلاف طبيعة هذه العلوم، من حيث كونها وصفية أو معيارية، يفرض دراسة علاقتها بالفقه دراسةً تفصيلية لا إجمالية.

وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء الحوزة، أوضح حجة الإسلام حميد آريان، عضو الهيئة العلمية في مؤسسة الإمام الخميني (قده)، خلال مشاركته في ندوة «الفقه والعلوم الإنسانية الإسلامية» التي عُقدت في المؤسسة، أنّ السؤال عن كون العلوم الإنسانية تشتمل ذاتيًا على قضايا معيارية، أو أنّ جميع قضاياها وصفية، لا يمكن الإجابة عنه بإطلاق؛ وذلك لأنّ التعريفات المقدَّمة للعلوم الإنسانية متعدّدة، وباختلاف التعريف تختلف الإجابة.

وبيّن أنّ الدقّة في هذا البحث تقتضي التفريق بين سؤالين مختلفين:

الأول: ما نوع القضايا التي تشتمل عليها العلوم الإنسانية في ذاتها؟

والثاني: ما نوع القضايا التي تُبنى على العلوم الإنسانية أو تترتّب عليها؟

وأضاف أنّ الخلط بين هذين السؤالين يؤدّي إلى إجابات غير دقيقة، ويوقع البحث في إشكالات منهجية لاحقة.

وأشار آريان إلى أنّ تعدّد تعريفات العلوم الإنسانية أفضى إلى ظهور ثلاث رؤى رئيسة بشأن كون قضاياها وصفية أو معيارية. فالرأي الأول، المبني على تعريف معيّن للعلوم الإنسانية، يرى أنّ هذه العلوم وصفية بالكامل، وأنّ جميع قضاياها تقتصر على توصيف الواقع، من دون التعرّض للقيم والمعايير، وهو فهم قريب من تلقّي مفهوم «العِلم» بمعناه التجريبي (Science).

وأضاف أنّ الرأي الثاني يذهب إلى أنّ العلوم الإنسانية تجمع بين البعدين الوصفي والمعياري معًا؛ أي إنّ كلّ علمٍ من علومها يشتمل على قضايا وصفية وأخرى معيارية في آنٍ واحد. أمّا الرأي الثالث، فيؤكّد أنّه بالنظر إلى التعدّد الواسع للمعارف التي تندرج تحت عنوان العلوم الإنسانية، لا يمكن إصدار حكمٍ واحدٍ شاملٍ بشأنها، بل لا بدّ من التفريق بين هذه العلوم ودراسة كلّ منها على حدة.

وأوضح أنّه ووفقًا للرأي الثالث، يمكن تقسيم العلوم الإنسانية إلى ثلاث فئات:

فئةٌ أولى هي علومٌ وصفية محضة لا تشتمل على قضايا معيارية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع وبعض العلوم المشابهة.

وفئةٌ ثانية تجمع بين البعدين الوصفي والمعياري، كعلوم التربية، والاقتصاد، والسياسة، والإدارة؛ حيث نجد في هذه العلوم اقتصادًا وصفيًا واقتصادًا معياريًا، وسياسةً وصفية وأخرى معيارية، وكذلك الأمر في الإدارة والتربية.

أمّا الفئة الثالثة فهي علومٌ معيارية في جوهرها، كعلم الأخلاق وعلم الحقوق.

وتطرّق آريان إلى الإشكال الذي يطرحه بعض القائلين بالرأي الثاني، والذين يرون أنّ للأخلاق والحقوق جانبًا وصفيًا أيضًا، مبيّنًا أنّ أنصار الرأي الثالث يجيبون بأنّ هذه الجوانب الوصفية تعود في حقيقتها إلى فلسفة الأخلاق وفلسفة الحقوق، لا إلى علم الأخلاق والحقوق نفسيهما، ومن ثمّ فإنّ هذين العلمين معياريان في جوهرهما.

وأكد أنّ هذا التقسيم الثالث يبدو أقرب إلى الواقع، وأكثر انسجامًا مع التعريف الأدقّ للعلوم الإنسانية، مبيّنًا أنّ النقطة الجوهرية المرتبطة بموضوع الندوة هي أنّ العلوم المعيارية المحضة، وكذلك العلوم التي تجمع بين الوصف والمعيار، تمتلك علاقة أوسع وأعمق وأوثق بالفقه، في حين أنّ العلوم الإنسانية الوصفية ترتبط بالفقه ارتباطًا أضيق، وإن لم يكن هذا الارتباط منفيًا بالكامل.

وأضاف أنّ العلوم الوصفية أيضًا تتضمّن آراءً وتفسيرات حول واقع العالم وظواهره، غير أنّ الفرق بين العلوم الإنسانية الوصفية ذات التوجّه الإسلامي ونظيرتها غير الإسلامية يعود إلى اختلاف المنطلقات العقدية والقيمية. فإذا نظر الباحث إلى العالم نظرةً مادية صِرفة، فإنّه لا يُعير اهتمامًا للمعايير الدينية، وتكون نتائجه منسجمة مع منطق اللذّة والرفاه المادي. أمّا إذا انطلق من رؤية إلهية في كشف الواقع، فإنّ النتائج ستكون مختلفة. وفي هذا المستوى، يؤثّر الفقه في تحديد الغايات التي تُوجّه العمل الوصفي.

وضرب مثالًا على ذلك بتحريم الخمر في الفقه، موضحًا أنّ هذا الحكم يردّ الادعاءات التي تُقدَّم في بعض العلوم الوصفية حول الفوائد الصحية المزعومة لتناول كميات قليلة من الخمر، إذا طُرحت هذه الادعاءات على نحوٍ مطلق.

وشدّد عضو الهيئة العلمية على أنّ العلوم الإنسانية ليست علمًا واحدًا ذا هوية موحّدة، ولا يمكن قياسها بالفقه على نحوٍ كليّ، بل إنّ اختلاف الرؤية الكونية ونوع القضايا المطروحة هو الذي يحدّد طبيعة العلاقة بين هذين الحقلين المعرفيين.

وبيّن أنّ الإجابة عن سؤال العلاقة بين الفقه والعلوم الإنسانية تستلزم فهم طبيعة كلٍّ من الفقه ومسائله، وطبيعة العلوم الإنسانية وأنواع قضاياها؛ إذ إنّ اختلاف طبيعة القضايا ينعكس على اختلاف المصادر المعتمدة، والمناهج المتّبعة، والجهاز الاستنباطي المستخدم في كلٍّ منهما.

وأوضح أنّ الفقيه يسعى إلى كشف الإرادة التشريعية ورأي الشارع المقدّس في مجال التكاليف الفردية والاجتماعية، أي في دائرة «ما يجب على المكلّف فعله». أمّا العلوم الإنسانية، سواء أُضيفت إليها صفة «الإسلامية» أم لا، فإنّها في أصلها تسعى إلى كشف الواقع وتحليل الظواهر وفهم العلاقات بين المتغيّرات.

وختم آريان بالتأكيد على أنّ العلوم الإنسانية الإسلامية، ولا سيّما في جانبها المعياري، تقوم على رؤية كونية إلهية تجعل الله تعالى محور الوجود، والخالق والمالك والمدبّر للعالم، ومن ثمّ المصدر الوحيد للتشريع والأوامر والنواهي. ومن هنا، فإنّ الفروق بين الفقه والعلوم الإنسانية لا تقتصر على الجوانب الفنية والمنهجية، بل تعود في جذورها إلى اختلافاتٍ بنيوية عميقة، ومنها تتشكّل طبيعة العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل


تعليق علمي من (مركز الإسلام الأصيل) حول الإشكال المنهجي في مقاربة الدين والعلوم الإنسانية

يُستشفّ من قراءة المقالة المتقدمة ومضمونها أنّ إشكالية حصر الدين في الفقه حاضرة فيها حضورًا ضمنيًا واضحًا، بل يمكن القول إنّها تتجلّى على مستوى المنهج أكثر ممّا تظهر في مستوى التصريح. فالمشكلة هنا لا تكمن في أنّ الكاتب أو غيره من العلماء يُعلنون اختزال الدين في الفقه، بل في أنّ طرائق التحليل والخطاب المعتمدة تُنتج هذا الاختزال عمليًا، وإن لم يكن مقصودًا.

المدخل الفقهي وآثاره المعرفية

تعالج المقالة علاقة الإسلام بالعلوم الإنسانية من زاويةٍ يغلب عليها المدخل الفقهي، من خلال التركيز على بيان الحلال والحرام، وحدود المشروعية الشرعية، وتصنيف العلوم بحسب تعارضها أو انسجامها مع الحكم الفقهي. هذا النمط من المعالجة يُولّد انطباعًا معرفيًا ضمنيًا مفاده أنّ ما لا يقع ضمن دائرة الحكم الفقهي المباشر يقع خارج المجال الديني، وهو انطباع لا يُصرَّح به، لكنه يتكوّن بحكم منطق العرض ذاته.

وينتج عن ذلك، من حيث لا يُقصد، تقليص الدين إلى منظومة أحكام عملية، وإقصاء دوره الجوهري في تشكيل الرؤية الكونية، وتفسير حقيقة الإنسان، وتحديد الغاية والمعنى، مع أنّ هذه المستويات تمثّل لبّ الرسالة الدينية لا هامشها.

غياب المستوى الرؤيوي الشامل

يُلاحظ في المقالة غياب معالجة مستقلة لمستوى الرؤية الإسلامية الشاملة؛ فلا يُفرد حيّزٌ كافٍ لمفهوم الإنسان في الإسلام، ولا تُناقَش الغاية الوجودية أو فلسفة القيم، ولا تُفكَّك الأسس الأنثروبولوجية والمعرفية التي تقوم عليها العلوم الإنسانية الحديثة. وهذا الغياب ليس مجرّد نقصٍ عرضي، بل هو اختيار منهجي دالّ، يجعل الفقه عمليًا هو المدخل والسقف والمرجع النهائي في تحديد علاقة الدين بالمعرفة الإنسانية.

الإشكال المنهجي الدقيق

ينشأ هذا الخلل من الخلط بين مستويين مختلفين:

  • الفقه بوصفه علمًا تخصصيًا، وظيفته بيان التكليف الشرعي وضبط السلوك العملي.
  • والدين بوصفه منظومة هادية شاملة، وظيفته بناء الإنسان، وتوجيه العقل، وصناعة المعنى، وتحديد أفق الغاية.

وحين يُسقَط منطق العلم الأول على المجال الثاني، يتحوّل الدين – من حيث لا يشعر المتكلّم – إلى مجرّد جهاز إفتاء، وتُختزل فعاليته الحضارية والمعرفية في دائرة الأحكام.

العلوم الوصفية وخطر «الحياد»

يتجلّى أثر هذا الحصر بوضوح في التعامل مع العلوم الإنسانية الوصفية، حيث يُقال إنّ علاقتها بالدين أضعف، من دون التمييز بين ضعف العلاقة الفقهية وقوّة العلاقة الرؤيوية والقيمية. ونتيجة ذلك أنّ هذه العلوم تُترَك عمليًا بلا مرجعية إسلامية، فتتسلّل إليها الرؤية الكونية المادية باسم «الحياد العلمي»، ثم يُقال لاحقًا إنّه لا توجد مشكلة دينية فيها ما دامت لا تتعارض مع حكم فقهي صريح. وهذه النتيجة أخطر من التعارض المباشر؛ لأنّها تُقصي الدين من مستوى التأسيس مع الإبقاء عليه في مستوى الضبط الشكلي.

خلاصة منهجية

لا تُنكر المقالة شمولية الدين، ولا تدّعي صراحة حصره في الفقه، غير أنّها – عبر أدوات التحليل وترتيب الأولويات وما يُقال وما يُترك دون قول – تعيد إنتاج هذا الحصر عمليًا. ومن هنا، فإنّ الإشكال لا يكمن في إنكار شمولية الدين تصريحًا، بل في اختزال فعاليته المعرفية في دائرة الفقه، بما يؤدّي إلى فصل الدين عن بناء الرؤية الإنسانية للعلوم، وإن بقي حاضرًا في مستوى الأحكام.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل