عقدت حلقة علمية بعنوان «حوزة النجف ونظرية الدولة»، تناولت أحد أبرز التحديات الفكرية في السنوات الأخيرة المتعلقة بعلاقة النجف بالدولة الحديثة. خلال هذه الحلقة، نقد الدكتور عبدالوهاب فراتي المنهج التقليدي القائم على النصوص السطحية والمتبع في حوزة قم، مؤكداً على ضرورة إعادة قراءة جذور الفكر السياسي لدى فقهاء النجف، مبيناً أن فهم التقليد النجفي دون مراعاة الظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذه النصوص يؤدي إلى استنتاجات خاطئة وروايات خارجة عن سياقها الزمني.
سلط فراتي الضوء على دور المرحوم الآخوند الخراسانی في تشكيل المعايير السائدة في النجف، موضحاً كيف تحوّل هذا التقليد الفقهي، في مواجهة الطائفية في العراق، نحو نموذج «الدولة الوطنية» و«الديمقراطية التوافقية»، مبتعداً عن نظرية الدولة الدينية التقليدية.
واستند فراتي في تحليله إلى حواراته مع بعض فقهاء النجف المعاصرين، معتبرًا هذا التحول دليلاً على فهم أعمق لديهم لمفهوم الدولة-الأمة، وللدور المستجد للمرجعية الدينية في العصر الحديث.
بحسب شبكة الاجتهاد، عقدت الجلسة العلمية رقم ٢٥٥ في معهد دراسات الفقه المعاصر بمشاركة أساتذة وباحثين، حيث قدّم الدكتور عبد الوهاب فراتي عرضه البحثي، وتولى الدكتور السيد صادق حقيقت نقده.
في مستهل الجلسة، أشاد الأمين العلمي للجلسة، حجة الاسلام والمسلمین محسن مهاجرنیا، بالأعمال المتعددة والسجل البحثي الطويل للدكتور فراتي في مجال التحليل السياقي للفكر السياسي في النجف، مؤكداً أنه يُعدّ أحد أبرز الخبراء في دراسات حوزة النجف.
خلال الجلسة، قدم الدكتور فراتي تقريراً حول بحثه الجديد، مشدداً على ضرورة فهم الفكر السياسي لفقهاء النجف في سياقه التاريخي والاجتماعي. وانتقد المنهج النصي السائد في حوزة قم، موضحاً أن كثيراً من الباحثين الإيرانيين تعاملوا مع النصوص بشكل مباشر دون فهم السياق، ما أدى بهم إلى استخلاص روايات خارج الزمان والنص من أبواب الفقه.
وأضاف فراتي، عضو الهيئة العلمية في معهد الثقافة والفكر الإسلامي، أن تحليل أفكار فقهاء النجف دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية والاجتماعية واللغوية التي أُنتجت فيها النصوص، يؤدي إلى استنتاجات خاطئة.
وأشار إلى مثال واضح على هذا الخطأ في التفسيرات الشائعة حول موقف آية الله السيد الخوئي، مؤكداً أن الادعاء بأنه مؤيد للزعامة السياسية للفقهاء نابع من قراءة النصوص دون مراعاة الإطار والسياق التاريخي الذي كُتبت فيه.
وفقاً لرؤية الدكتور فراتي، فإن العديد من مواقف آية الله الخوئي خلال فترة انتفاضة شعبانية كانت ردود فعل طارئة على الظروف الحرجة في العراق، ولا يمكن اعتبارها نظريات سياسية دائمة له.
وخصص جزء كبير من عرض الدكتور فراتي لتوضيح الدور التاريخي للأخوند الخراساني في تشكيل القاعدة السائدة داخل حوزة النجف. وأشار إلى استمرار هذه الهيمنة من فترة الدستور حتى اليوم، مؤكداً أن جميع فقهاء النجف يسيرون ضمن الإطار الذي رسخه الاخوند الخراساني وجعله المعيار المقبول في المدينة.
وأوضح فراتي، خلال تقديم نتائجه العلمية، أن هذا الإطار دفع فقهاء النجف نحو تبني نموذج «دولة الشورى» أو «الديمقراطية التوافقية»، مبتعدين بذلك عن نظرية الدولة الشرعية أو ولاية الفقهاء السياسية. وأضاف أن هذا التحول كان نتيجة التجربة التاريخية للنجف في مواجهة مشكلة الطائفية في العراق.
وأشار الباحث إلى أن تشكيل مفهوم «الدولة الوطنية» يمثل أهم إنجاز في التطور الفكري للنجف، موضحاً أن هذه الدولة ليست دولة شرعية قائمة على ولاية الفقهاء، ولا دولة علمانية، بل هي دولة يقوم فيها:
- السلطة السياسية بيد الشعب،
- الثوابت الشرعية محفوظة،
- المراقبة العليا للمرجعية مستمرة.
وأكد هذا الأستاذ في الحوزة والجامعة أن هذا النموذج يمثل ردّاً على أزمة الطائفية التاريخية في العراق، وأن العديد من فقهاء النجف يعتبرونه السبيل الوحيد للخروج من الوضع القائم.
في ختام الندوة، أشار فراتي إلى نتائج حواراته مع فقهاء النجف المعاصرين، مؤكداً أن هؤلاء الفقهاء اليوم قد وصلوا إلى فهم أكثر دقة للدولة الحديثة. وشرح أن العديد منهم، من منظور الهوية الاجتماعية، يعرفون أنفسهم أولاً وأخيراً كـ «عراقيين»، وأن هذا التحول يعكس قبولهم العملي لمفهوم الدولة-الأمة في فكرهم.
وبحسب فراتي، فإن هذا التحول الفكري لعب دوراً مهماً في تسهيل بناء الدولة المدنية في العراق، ويظهر أن حوزة النجف، رغم غيابها المباشر عن السلطة، اكتسبت فهماً عميقاً لتطورات الدولة في العصر الحديث.





