السؤال: هل الاستعانةُ بالأئمّة والأنبياء تُعَدُّ شركًا؟ وهل يتعارض طلبُ العون من الأئمّة والأنبياء مع قوله تعالى: ﴿إيّاك نعبد وإيّاك نستعين﴾؟

الجواب: إذا سلَّمنا بصحة هذا المنظور والتفسير للآية، فإن الإشكال حينئذٍ لا ينحصر في مفهوم الاستعانة بالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فحسب، بل يمتد ليشمل وجوب حصر طلب العون في الذات الإلهية المقدسة دون سواه؛ إذ إن الاستعانة بغير الله تُعدُّ – وفق هذا الاستنتاج – شركاً محضاً.

وبموجب هذا الافتراض، حتى استغاثة نبي الله عيسى (عليه السلام) حين نادى قومه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، واستجابة الحواريين لنصرته، كان سيُصنَّف عملاً من أعمال الشرك!

علاوة على ذلك، فإن استمدادنا المعونة من سائر البشر في ضرورات حياتنا اليومية سيتحول – بهذا التفسير المبتور – إلى مصداق للشرك، وذلك تطبيقاً للحصر المستفاد من قوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»، الذي يعني الاقتصار في طلب المعونة عليه تعالى.

غير أنَّ النمط الوجودي للإنسان قائمٌ على التكافل والحاجة المتبادلة إلى النظير البشري. فمنذ لحظة الولادة التي تتطلب مساعدة القابلة أو الممرضة، مروراً بمرحلة العجز الصحي حيث يضطلع الأطباء بمهمة العلاج، وصولاً إلى اللحظات الاحتضارية التي يتولى فيها الآخرون مهمة التغسيل والتكفين والدفن، تتبدى هذه الضرورة التكاملية بجلاء. وبتعبير أدق، إنَّ استمرارية الحياة الإنسانية ترتهن بالضرورة إلى التعاضد والمشاركة الاجتماعية.

في المقابل، إذا نظرنا إلى مفهوم حصر الاستعانة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنه لا يفرق بين الاستعانة بالحي والميت، لأن كلاهما “غير الله”، وبالتالي، فإن الاستعانة بأي منهما (حيّاً كان أو ميتاً) يجب أن تنافي حصر طلب العون في الله ظاهراً.

إلا أنَّ القرينة الدالة على المراد الحقيقي تكمن في اقتران ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وهذا الاقتران يُوضح أن المقصود هو: لا تطلبوا العون من أحدٍ بوصفه معبوداً أو رباً مؤثراً في الكون بشكل مستقل. أما إذا اعتبرنا الآخرين عبيداً ومخلوقين لله، ووسائل غير مستقلة في التأثير، فلا إشكال في الاستعانة بهم.

إننا نطلب العون من كل شيء وسوى الله بوصفه عبداً ومخلوقاً لله، وليس بوصفه كياناً مستقلاً في إحداث الأثر. ولا يستثنى من هذه القاعدة حتى الأنبياء والأولياء؛ فالأنبياء والأئمة أنفسهم كانوا يستخدمون مثل هذه الوسائل في حياتهم؛ كمثال، كان النبي موسى (عليه السلام) يستعين بعصاه الجامدة لرعي الغنم وإسقاط أوراق الشجر.

وعليه، فإن المعنى المقصود من الآية «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» هو: نحن نعبدك وحدك ونتخذك معبوداً لنا، ونطلب العون منك أنت فقط (بوصفك معبودنا الأوحد)، ولا نطلب العون من أي معبود سواك. وهذا لا يعني حتماً أننا لا نطلب العون من أي شخص أو أي شيء على الإطلاق.

هذا التفريق ينسجم تماماً مع المنهج القرآني الذي لا يكتفي بالحصر، بل يرشد إلى كيفية الوصول، كما يتضح من الأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]. فطلب الوسيلة إلى الله يعني البحث عن القنوات والأسباب المشروعة التي أذن بها الشارع، سواء كانت أعمالاً صالحة أو أشخاصاً موصولة به (كالأنبياء والأولياء)، مما يؤكد أن الاستعانة بهم هي طلب للعون عبر وسيلة أذن بها الخالق، وليست عبادة لهم كأصل مستقل في التأثير.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل