تُعدّ سورة الحمد من السور التي يُعبَّر فيها عن المعاني بلسان العبد، وتُصاغ آياتها في قالبٍ يبدو وكأن الإنسان نفسه يخاطب الله تعالى مباشرة. وهذا في حقيقته نوعٌ من تعليم العباد أسلوب الدعاء والعبادة الصحيحة.
وبحسب تقرير وكالة «حوزة» الإخبارية، فإن الشبهة القائلة: لماذا يتكلّم الله في سورة الحمد بلسان العباد؟ ناشئة عن عدم فهم حقيقة القرآن بوصفه كتاب هداية. فالقرآن ليس مجرّد مجموعة من الأوامر والتشريعات التي يجب أن تبدأ كل جملة فيها بكلمة «قُل»، بل هو كتاب إرشاد للحياة، يتحدّث أحيانًا بأساليب وألسنة متعدّدة من أجل تعليم الإنسان وتهذيبه.
ويكفي أن نلقي نظرة على القرآن نفسه؛ ففي سورة النمل ينقل الله تعالى كلام الهدهد بقوله:
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
فهل يعني هذا – والعياذ بالله – أن الهدهد هو الذي ألّف القرآن؟ قطعًا لا؛ بل هو كلام الله الذي يَسرد قصةً بلسان مخلوقٍ من مخلوقاته.
غير أنّ سورة الحمد تتجاوز مجرّد نقل الكلام؛ فهي منهجٌ إلهي وتعليمٌ ربّاني لكيفية مخاطبة الله.
تخيّل معلّمًا يعلّم تلميذه كيفية كتابة رسالة رسمية؛ فيقدّم له نموذجًا ويضع له قالبًا جاهزًا. الله تعالى في سورة الحمد يقوم بالأمر نفسه تمامًا؛ إذ يعلّم الإنسان كيف يثني عليه، وكيف يقرّ بوحدانيته، وكيف يطلب منه الهداية.
ولو افتُتحت السورة بكلمة «قُل»، ماذا كان سيحدث؟ كنا سنقرأ العبارات نفسها، ولكن عبر واسطةٍ ذهنية.
أما وقد جاءت السورة من دون «قُل»، فإننا ندخل مباشرة في حوارٍ مع الله، وكأن الله سبحانه قد فتح ألسنتنا وجعل الكلمات تجري على ألسنتنا نحن.
وهذا عين اللطف الإلهي؛ فالإنسان لا يعرف بذاته كيف يثني على الإله الواحد، ولا كيف يطلب منه حاجته على الوجه الأكمل، فتكفّل الله تعالى بنفسه بأن يكون المعلّم، ومنحنا في سورة الحمد أدقّ وأجمل صيغةٍ للعبادة والمناجاة.
ويبقى سؤالٌ آخر: لماذا وردت «قُل» في بعض المواضع القرآنية ولم ترد في مواضع أخرى؟
الجواب: إن ذلك من دقائق البلاغة القرآنية التي يدركها علماء المعاني والبيان.
فحكمة الله تعالى أسمى من حدود فهمنا القاصر، غير أن إدراكنا بأن سورة الحمد درسٌ في الحوار مع الله كافٍ لرفع أي توهّمٍ بالتناقض، بل يكشف عن كمال الهداية الإلهية وإحكامها.
الهوامش:
- سورة النمل (27)، الآيتان 25–26.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل