للكلمة في ميزان القيم منزلةٌ لا تدانيها منزلة، وللّفظ في سجلّ الأعمال خطورةٌ لا يُستهان بها؛ إذ ليست الكلمة مجرّد صوتٍ يخرج من الفم ثم يتلاشى في الهواء، بل هي أثرٌ باقٍ، وحكمٌ نافذ، ورسالةٌ تمضي إلى القلوب قبل أن تبلغ الأسماع فكم من كلمةٍ صادقةٍ جبرت كسراً لا تُجبره الأموال، وكم من عبارةٍ لطيفةٍ أطفأت نار حزنٍ وكم من كلمةٍ رفعت إنساناً من حضيض اليأس إلى ذروة العلى، وكم من لفظةٍ أسقطت مقاماً، وهدّمت بنيان مودةٍ شُيّد على مرّ السنين..
إنّ الكلمة الطيبة ليست مجرد لُطفٍ اجتماعي، ولا ترفٍ أخلاقي، بل هي عبادةٌ واعية، وسلوكٌ رسالي، ومنهجٌ رباني لبناء الإنسان والمجتمع. فهي ابتسامة ناطقة، ورحمةٌ متحركة، ورسالة محبة تُلقى في وقتٍ قد يكون أحوج ما يكون فيه الإنسان إلى من يسمعه، لا إلى من يمنحه.
ولأنّ الإنسان كائنٌ يتأثر بالكلام بقدر ما يتأثر بالفعل فقد أدركت الشريعة الإسلامية هذه الحقيقة إدراكاً عميقاً، فربطت بين القول والعمل، وجعلت للسان نصيباً من التكليف لا يقل شأناً عن سائر الجوارح، حتى سمت بالكلمة الحسنة، ورفعتها إلى مرتبة الصدقة، فقال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: (الكلمة الطيبة صدقة)[1]، لتُعلن بذلك أن أبواب الخير لا تُفتح بالمال وحده، ولا تُطرق بالعطاء المادي فحسب، بل قد تُفتح بلفظٍ رفيق، أو عبارةٍ صادقة، أو قولٍ يفيض رحمةً ووقاراً. ومن تأمّل في آثار الكلمة وجدها أداة بناءٍ أو معول هدم، فإن صلحت صلح بها الكثير، وإن فسدت جرّت وراءها فساداً لا يُحمد عقباه. ومن هنا كان الحرص على طيب القول جزءاً من كمال الإيمان، وعنواناً من عناوين السموّ الأخلاقي، ودليلاً على رقيّ النفس واستقامة السلوك.
إنّ هذا المقال يسعى إلى الوقوف عند مفهوم الكلمة الطيبة صدقة، وقفة تدبّرٍ وتأمّل، ليكشف عن أبعادها الشرعية والأخلاقية، ويبيّن أثرها في بناء الفرد والمجتمع، ويؤكد أنّ الكلمة، حين تصدر عن قلبٍ واعٍ ولسانٍ مسؤول، تكون عبادةً جارية، وصدقةً دائمة، وأثراً لا يزول بزوال قائله. قال تعالى:
{أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.[2]
لقد شبّه الله سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في كونها تتميز بالاستقرار الثبات والرسوخ ودوام الفوائد منها.
وهنا أركان التشبيه كالتالي:
المشبّه: كلمة طيبة.
المشبّه به: الشجرة الطيبة.
وجه الشبه: أصلها صابت وفرعها في السماء وتؤتي أكلها كل حين.
أداة التشبيه: الكاف. فهذا التشبيه من التشبيه التام المستجمع لجميع الأركان الأربعة.
المعنى المحصل: إن مَثَل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة والتي تمتاز بعدة خصائص:
1- كونها طيبة: والطيب هو نوع من أنواع المسك والروائح التي يتعطّر بها أهل النظافة والحُسن، فهي ليست من الأشجار غير الطيبة التي وإن كانت مفيدة إلا أنّ بها ما لا يجذب إليها وهو سوء ريحها.
كونها طيبة يحتمل أموراً:
أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.
ثانيها: كونها طيّبة الرائحة.
ثالثها: كونها طيبة الثمرة؛ أي أنّ حصادها من الفواكه يكون لذيذاً مستطاباً.
رابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة أي أنّها كما يُستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، ويجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه “لأن باجتماعها يحصل كمال الطيب”.[3]
الكلمة الطيبة في الموروث الروائي:
· عن مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب: عدة مِنْ أصحابنا عن أَحْمَدَ بْنِ محمد عن عَلِيِّ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حريث قال سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وفَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ.
قَالَ: فَقَالَ: ((رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ) أَصْلُهَا، وأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَرْعُهَا، والْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَغْصَانُهَا، وعِلْمُ الْأَئِمَّةِ ثَمَرَتُهَا، وشِيعَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَرَقُهَا…))[4]
·وروى الصدوق بسنده عن جابر الجعفي قال سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي السَّمٰاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا ،فَقَالَ: ((الشَّجَرَةُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،نَسَبُهُ ثَابِتٌ فِي بَنِي هَاشِمٍ ،وَ فَرْعُ الشَّجَرَةِ عَلِيُّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ عُنْصُرُ الشَّجَرَةِ فَاطِمَةُ(عَلَيْهَا السَّلاَمُ)وَ أَغْصَانُهَا الْأَئِمَّةُ،وَ وَرَقُهَا الشِّيعَةُ،وَ إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيَمُوتُ فَتَسْقُطُ مِنْهَا وَرَقَةٌ،وَ إِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْهُمْ لَيُولَدُ فَتُورَقُ وَرَقَةٌ)).قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا؟ قَالَ: ((هُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِمَامِ مِنَ الْحَلاَلِ والْحَرَامِ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى شِيعَتِهِ)).[5]
· عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَلاَّمِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ،عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً الْآيَةَ. قَالَ: «الشَّجَرَةُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ) وأَصْلُهَا نَسَبُهُ ثَابِتٌ فِي بَنِي هَاشِمٍ،وَ فَرْعُ الشَّجَرَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وغُصْنُ الشَّجَرَةِ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلاَمُ)، وثَمَرُهَا الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ وفَاطِمَةَ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)، وشِيعَتُهُمْ وَرَقُهَا،وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيَمُوتُ فَتَسْقُطُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقَةٌ،وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُولَدُ فَتُورِقُ الشَّجَرَةُ وَرَقَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا؟ قَالَ: «يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يُفْتِي بِهِ الْأَئِمَّةُ شِيعَتَهُمْ فِي كُلِّ حَجٍّ وعُمْرَةٍ مِنَ الْحَلاَلِ والْحَرَامِ». ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ لِأَعْدَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ مَثَلاً، فَقَالَ: ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مٰا لَهٰا مِنْ قَرٰارٍ.[6]
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ أنَّهُ قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)[7].
وخلاصة الأمر، أنّ الكلمة الطيبة ليست مجرد خُلُق محمود، بل هي صدقة جارية، وعبادة ظاهرة، تتجلى بها سلامة القلب واستقامة السلوك. فهي أثرٌ باقٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويصنع في النفوس ما لا تصنعه الماديات. ومن هنا، كان ضبط اللسان، وتحري حسن القول، من دلائل الوعي الإيماني، ومسؤولية أخلاقية لا غنى عنها؛ إذ بالكلمة يُبنى الإنسان، وتُشاد القيم، وتُصان روابط المجتمع.
فاتّقوا الله عباد الله في ألسنتكم، فإنّها مفاتيحُ القلوب، وبها تُفتح أبوابُ الجنة أو تُستجلب أسبابُ الهلكة. لا تحتقروا كلمةً طيبة، فربّ لفظةٍ صادقةٍ أحيت قلباً ميتاً، وجبرت خاطراً مكسوراً، ورفعت صاحبها درجاتٍ عند الله وأنتم لا تشعرون.
زِنوا كلماتكم قبل أن تنطقوا بها، فإنّ الكلمة إذا خرجت لم تعُد، وإنّ للسان أثراً لا يُمحى. فاجعلوا ألسنتكم ذكراً، وكلامكم معروفاً، وحديثكم رحمة، لعلّ الله أن يكتب لكم بها صدقةً مقبولة، ويجعلها لكم نوراً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
الهوامش:
[1] – وسائل الشيعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة): 5 / 233، للشيخ محمد بن الحسن بن علي، المعروف بالحُر العاملي.
[2] – سورة إبراهيم: 24، 25.
[3] – الفخر الرازي، محمد، (ت:604) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج7، ص101، الطبعة الأولى دار الفكرـ بيروت.
[4] – البرهان في تفسير القرآن /هاشم البحراني / ج3 ص297
[5] -معاني الأخبار: ج2، باب نوادر المعاني الحديث: ج61، ص380.
[6] – تفسير القمّي، ج1/369
[7] -وسائل الشيعة ( تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ) : 5 / 233 ، للشيخ محمد بن الحسن بن علي ، المعروف بالحُر العاملي .

