كيف يمكن أن نكون متفائلين بالمستقبل الثقافي للمجتمع؟ الحوزة والإعلام: جناحان أساسيان لنقل الأمل وبنائه في المجتمع

إن مبدأ الأمل مسألة عقلائية واجتماعية في أصلها، غير أنّ اللاهوت الديني يرفعه إلى مستوى أسمى وأكثر رسوخًا واستدامة. ويضطلع دور الحوزة هنا بوظيفة مزدوجة: فمن جهة، ينبغي لها على المستوى اللاهوتي والمعرفي أن تبيّن الأمل بوصفه أصلًا توحيديًا، ومن جهة أخرى، على المستوى الاجتماعي والثقافي، أن تربط هذا الأمل بحياة الناس من خلال تقديم رواية صحيحة عن المنجزات العلمية والعملية للمجتمع الإسلامي.


تمهيد

تُعدّ الثقافة أساس السياسة والاقتصاد والأمن وسائر المجالات الاجتماعية؛ وبعبارة أخرى، فإن العقلانية التي تُشكِّل السياسة والاقتصاد والأمن وبقية البنى الاجتماعية، إنما تتغذّى في جوهرها من الثقافة. ومن منظور العقل والشرع معًا، يُعدّ الأمل هو المحرّك الأساس للثقافة، كما ينبغي أن يُتابَع موضوع الأمل وصناعته داخل الثقافة بالسعة والشمول نفسيهما اللذين تتسم بهما الثقافة ذاتها.

والنقطة الجوهرية هنا هي أن أعمق مستوى للأمل في الثقافة هو المستوى اللاهوتي والأنطولوجي (الوجودي)، حيث تتشكّل نظرتنا إلى الإنسان والعالم والوجود. وانطلاقًا من مطالبات وتأكيدات قائد الثورة الإسلامية، وفي إطار سلسلة جلسات «الأمل وصناعة الأمل»، تسعى وكالة أنباء الحوزة، من خلال التركيز على الأبعاد الثقافية لهذا الموضوع، وبالاستناد إلى آراء حجة الإسلام أمين أسدبور، أستاذ الحوزة وخبير فقه الثقافة، إلى تفكيك دور الثقافة في تعزيز الأمل المجتمعي.


محاور هذا الحوار

  1. الثقافة أساس السياسة والاقتصاد والأمن وسائر المجالات الاجتماعية
  2. أعمق مستوى للأمل في الثقافة هو المستوى اللاهوتي والوجودي
  3. لاهوت الأمل يؤدي دورًا أساسيًا لا في الحياة الفردية فحسب، بل في الحياة الاجتماعية والحضارية أيضًا
  4. أنماط تفاعل الحاكمية، والشعب، والخواص، والنخب في خطاب صناعة الأمل
  5. النماذج والخطط العملية للنخب في تخطيط الأمل ورقيّ المجتمع
  6. رواية النخب الإعلامية و«آوينيّي الثورة» لمخططات العدو في نشر اليأس
  7. دور الدين في تسريع صناعة الأمل العقلاني في المجتمع
  8. دور الحوزة العلمية في خطاب الأمل بالمجتمع الإسلامي
  9. شبكات التواصل الاجتماعي والناشطون الإعلاميون اليوم يؤدّون دورًا محوريًا وحاسمًا في إيجاد الأمل وترسيخه في المجتمع
  10. أكثر المؤسسات والهيئات المعاصرة تأثيرًا في إيجاد الأمل وصناعته

السؤال الأول

نرحّب بكم، ونودّ في البداية أن تبيّنوا، بالنظر إلى أهمية مفهوم الأمل في الثقافة الإيرانية، كيف تشكّلت جذور هذا المفهوم وبُناه في لاهوت الأمل؟ وكيف يمكن لهذا البناء اللاهوتي أن يؤثّر في الحياة الاجتماعية، والمجالات الثقافية، وفي نهاية المطاف في المؤسسات والمنظمات؟ كذلك، كيف يُعرَّف دور النخب وعامة الناس في نشر ثقافة الأمل وتعزيزها، على المستويين الفردي والجماعي؟


كيف نكون متفائلين بالمستقبل الثقافي للمجتمع؟

قائد الثورة: على العلماء والحوزات أن ينقلوا الأمل إلى المجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم.

أتقدّم بالشكر إلى مجموعة وكالة أنباء الحوزة على إدراجكم هذا الموضوع المهم والحيوي في جدول أعمالكم. وأسأل الله أن تكون هذه الجلسة وهذه الحوارات مفيدة، وأن تُحدث صدى اجتماعيًا مناسبًا في مسألتي «الأمل» و«صناعة الأمل».

كما تفضلتم، يكتسب الأمل في مجال الثقافة العامة للمجتمع أهمية من جهات متعددة. أولًا، لأن الثقافة تشبه الماء الذي يحيط بجميع أبعاد الحياة الاجتماعية، بل وحتى بأنماط الفعل الفردي للإنسان.

ومن هنا، حين نتحدث عن الأمل في سياق الثقافة، فإن أهميته تبرز بالقدر نفسه.


الثقافة أساس السياسة والاقتصاد والأمن

من المنظور الديني، تُعدّ الثقافة البنية التحتية لسائر النظم الاجتماعية. فبخلاف العقلانية الحديثة التي غالبًا ما تجعل الاقتصاد ومنطق الربحية السوقية أساسًا لجميع النظم الاجتماعية، أو بخلاف النماذج الاشتراكية التي تعتبر السياسة وكفاءة مؤسسة الدولة هي البنية التحتية، فإن القراءة الإسلامية ترى أن الثقافة هي التي تشكّل أساس السياسة والاقتصاد والأمن وسائر المجالات الاجتماعية.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية تلك المجالات، بل المقصود أن العقلانية التي تُشكّل السياسة والاقتصاد والأمن وبقية البنى، إنما تتغذّى في أصلها من الثقافة. ومن ثمّ، تكون الثقافة هي البنية التحتية والحاكمة على سائر المجالات.


إذا كانت الثقافة هي الأساس، فما أساس الثقافة؟

من هنا يتضح أن بحث الأمل وصناعته داخل الثقافة ينبغي أن يُتابَع بالسعة والشمول نفسيهما اللذين تتسم بهما الثقافة. فالثقافة تشمل طبقات متعددة: من مستويات الرؤية الكونية الأساسية ونظرة الإنسان إلى الوجود، مرورًا بالمجالات العلمية والمعرفية، وصولًا إلى الطبقات الأخلاقية والتربوية والرمزية والأسطورية وأنماط السلوك الاجتماعي.

وعليه، فإن أعمق مستوى للأمل في الثقافة هو المستوى اللاهوتي والأنطولوجي؛ أي الموضع الذي تتشكّل فيه نظرتنا إلى الإنسان والعالم والوجود.

ومع الأسف، لم يُنتَج في هذا المجال أدب علمي كافٍ، ولا تزال هناك ثغرات واضحة. فالجهاز المعرفي والفلسفي لدينا غالبًا ما بقي أسير المفاهيم الكلية والمجرّدة، ولم يتناول بما يكفي القضايا العينية والملموسة للحياة الاجتماعية المعاصرة.

لذلك، من الضروري أن ينتقل فلاسفتنا ولاهوتيونا ومتكلّمونا من دائرة المفاهيم المطلقة والنظرية الصرفة إلى معالجة القضايا الاجتماعية العينية.

عندئذ فقط يمكن طرح أسئلة جوهرية من قبيل:

ما هو المستوى الوجودي للأمل؟

وكيف يُعرَّف المستوى الأنثروبولوجي (الإنساني) للأمل؟

وما دور اللاهوت التوحيدي في تشكّل الأمل وصناعته؟

إن هذه الأسئلة تحتاج إلى نقاشات عميقة وجادّة.

نحن نمتلك في تراثنا الفكري والمعرفي طاقات متراكمة وغنية جدًا، لكنها لم تُربط بعد على نحو صحيح بالقضايا الواقعية والملموسة. وإذا ما تحقّق هذا الربط، فإن هذه الطاقة الهائلة ستُفعَّل على نحو فعّال وستؤدي دورها المنشود.


كيف نتعلّم التفاؤل داخل نظام الوجود؟

على سبيل المثال، في طبقة لاهوت الأمل، فإن الالتفات إلى أن الإنسان ليس كائنًا متروكًا في عالم المادة، بل هو في ارتباط وجودي حقيقي مع مجموع الوجود، يُعدّ بحد ذاته باعثًا قويًا على الأمل.

هذه النظرة تنفي كثيرًا من أسباب اليأس والعبثية والعدمية. فحين يدرك الإنسان أن وجوده مُعرَّف في علاقته بحقيقة مطلقة حكيمة، وأن هذه الحقيقة هي الله تعالى الذي نظّم الخلق وتدبير العالم على أساس الكمال والحكمة، فإن ذلك يمنح حياته معنى عميقًا.

مثل هذه الرؤية تعزّز أساس الأمل على مستوى الرؤية الكونية، وتتيح للإنسان إعادة بناء حياته الفردية والاجتماعية في أفق المعنى والأمل.

إضافة إلى ذلك، يتضمن اللاهوت الإسلامي مفهوم الربوبية، التي لا تقتصر على الخلق الأول، بل تشمل تدبير الإنسان وتربيته في جميع مراحل حياته. فالله ليس مجرد خالق في البدء، بل هو هادٍ ومدبّر في مسار نمو الإنسان ورقيّه وحركته.

وهذه الربوبية لا تتعارض مع حرية الإنسان واختياره، إذ يمتلك الإنسان إرادة حرّة وقدرة على الاختيار، وهذه الحرية نفسها مولّدة للأمل، لأنها تُمكّنه من أن يكون فاعلًا، وأن يغيّر حتى البنى المحيطة والظروف الاجتماعية. والوعي بهذه القدرة على التغيير يوفّر طاقة كبيرة لصناعة الأمل.


دور الدعاء وطلب العون من مركز الربوبية في صناعة الأمل

غير أن النقطة الجوهرية هي أن هذه الفاعلية الإنسانية الحرّة ليست منفصلة عن الربوبية الإلهية الحكيمة. فالإنسان، من خلال التوكّل على الأمر المطلق والاستعانة بالله، يستطيع أن يُفعّل قدرته على الفعل. ومن هنا تتّضح مكانة مفاهيم مثل الدعاء وطلب العون من الله إلى جانب الإرادة الحرّة للإنسان. وهذا التلازم بين حرية الإنسان وارتباطه بالربوبية الإلهية يُعدّ شديد الإلهام وباعثًا قويًا على الأمل.

وفي الأدبيات الأخلاقية الإسلامية، يجري التأكيد دائمًا على التوازن بين الخوف والرجاء؛ فالرجاء الواثق برحمة الله وثوابه من جهة، والخوف الذي يمنح الإنسان عقلانية وحذرًا وتدبيرًا من جهة أخرى. وتزخر نصوص الدعاء، ولا سيما أدعية شهر رجب، بمضامين عميقة من «لاهوت الأمل»، حيث يمتزج الأمل بفضل الله مع الخوف من الغفلة والتقصير. وقد أكّدت الروايات مرارًا هذا التوازن بوصفه مثالًا أخلاقيًا أعلى يوجّه إرادة الإنسان ويحرّك عزيمته.


الأسس اللاهوتية للأمل في المجالين الاجتماعي والحضاري

ما تقدّم يمكن ملاحظته بوضوح في المجال الفردي، لكن الأهم هو أن هذه الأسس اللاهوتية تتجسّد أيضًا في المجالين الاجتماعي والحضاري. فحركة المجتمع وإرادته العامة ينبغي أن تقوم على تلك الآمال والغايات اللاهوتية نفسها.

وعلى هذا المستوى، تُرسَم صورة لمجتمعٍ مثالي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، وتُوفَّر فيه بنيويًا مقومات نمو الإنسان ورقيّه، وتلوح فيه معالم مدينة فاضلة نبوية.

ولهذه الصورة وظيفتان أساسيتان:

الأولى، كشف نواقص الواقع القائم وتعزيز النظرة النقدية للمجتمع.

والثانية، منع السقوط في هوة اليأس رغم نقد الواقع.

فبعبارة أخرى، يكون الهدف واضحًا، والطريق إليه واضحًا، وإمكان تحقيقه متاحًا. وهذا ما يدفع المجتمع، مع وعيه بالتحديات، إلى الإصلاح والفعل والسعي الدؤوب بدل الاستسلام لليأس.

وقد أكّد كبار القادة والمفكرين في أدبياتنا الدينية والثورية ضرورة الجمع بين رؤية الواقع والتمسّك بالمثال؛ إذ إن المثالية دون واقعية تؤدي إلى الخيال، والواقعية دون مثال تنتهي إلى السكون واليأس. أما الجمع بينهما فيمنح الإنسان القدرة على النقد والإصلاح، ويعزّز دافعية الحركة نحو المدينة الفاضلة.

وبذلك، يغدو لاهوت الأمل عنصرًا حاسمًا لا في الحياة الفردية فحسب، بل في الحياة الاجتماعية والحضارية أيضًا، بوصفه مولّدًا للحركة والدافعية والدينامية.


دور النخب والحاكمية والناس في خطاب الأمل

يُعرَّف المجتمع الإسلامي في الأدبيات الدينية بوصفه شبكة من العلاقات والمسؤوليات. وفي هذه الشبكة، يُعدّ الناس الركن الأساس والغاية النهائية لجميع البنى. فالحركة الحقيقية ينبغي أن تنبع من الناس أنفسهم.

إلى جانب ذلك، يبرز دور الحاكمية، من الإمام إلى سائر مؤسسات الحكم. فإذا سادت روح الأمل في أساليب الحكم والإدارة، انعكس ذلك مباشرة في الثقافة العامة، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «الناس على دين ملوكهم».

كما تضطلع النخب والخواص بدور الوسيط بين الناس والحاكمية، فهم يراقبون السلطة، وينقلون مشكلات المجتمع إليها، وفي الوقت نفسه يفسّرون السياسات للناس. وتنقسم النخب إلى علمية وثقافية/فنية، ولكلتيهما مسؤولية مشتركة في تعزيز الأمل.

إن يأس النخب ينتقل سريعًا إلى المجتمع، بينما إيمانهم بإمكانية الإصلاح يدفع الجميع، بما في ذلك الحاكمية، نحو التغيير.


الرواية الإعلامية وصناعة الأمل في مواجهة الحرب الإعلامية

نحن نعيش اليوم ظروف حرب مركّبة ومعرفية وإعلامية غير مسبوقة، حيث تنشط مئات الشبكات المعادية ضد الجمهورية الإسلامية. وفي مواجهة ذلك، تصبح مهمة النخب الإعلامية رواية المشهد نفسه، لأن مجرد كشف حجم استثمار العدو في تغيير وعي المجتمع يدلّ على قوة هذا المجتمع وفاعليته.

إن رواية البطولات، والتضحيات، والإنجازات العلمية والعسكرية، كما كان يفعل الشهيد آويني في «رواية فتح»، تمثّل حاجة ملحّة اليوم، لأنها تكشف الأبعاد اللاهوتية والإنسانية العميقة للفعل الاجتماعي.


الأمل، الكفاءة، والكنش الثوري

لا يتحقق الأمل المستدام إلا عبر الكفاءة والفاعلية. فالتجربة العملية الناجحة هي أقوى مولّد للأمل. وكما يقول القرآن الكريم:

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

ومن هنا، فإن الكفاءة الملموسة في أداء المسؤولين والنخب والناشطين الثقافيين هي العامل الأهم في ترسيخ الأمل في المجتمع.


الأمل كقيمة عقلانية، ودور الدين في تعزيزه

الأمل في أصله قيمة عقلانية واجتماعية يشترك فيها المتديّنون وغير المتديّنين، لكن اللاهوت الديني يرفعه إلى مستوى أعلى وأكثر ثباتًا، من خلال ربط الفعل الإنساني بالأبدية والمعنى الأخروي.


دور الحوزة في نقل الأمل

يستحضر قائد الثورة الإسلامية في «منشور الحوزة» موقف الإمام الخميني عام 1963، حين بثّ الأمل في قلوب أصحابه رغم قسوة الظروف. واليوم، يُنتظر من الحوزات العلمية أن تؤدي الدور نفسه في مواجهة الهيمنة الحضارية الغربية، وأن تنقل نهضة الأمل إلى المجتمع.

ودور الحوزة هنا مزدوج:

  • تبيين الأمل بوصفه أصلًا توحيديًا على المستوى اللاهوتي
  • وربطه بالإنجازات العلمية والعملية للمجتمع الإسلامي على المستوى الاجتماعي والثقافي

فالأمل لا يُبنى بالخطابة وحدها، بل بالفعل الثوري المثمر والإنجاز الملموس الذي يلمسه الناس في حياتهم اليومية.


أكثر المؤسسات تأثيرًا في صناعة الأمل اليوم

في ظل اتساع فضاء شبكات التواصل الاجتماعي، يرى المتحاور أن الناشطين وصنّاع المحتوى في هذه الشبكات باتوا يحتلون الأولوية القصوى في صناعة الأمل، لما لهم من تأثير مباشر وواسع على الذهنية العامة.

إن تقديم روايات واقعية وملهمة عبر هذه المنصات يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا في ترسيخ ثقافة الأمل في المجتمع، وهو ما يجعل الاستثمار في هؤلاء الناشطين أولوية ثقافية من الدرجة الأولى.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل