دراسة «الحكم الفقهي للخداع» في كتاب جديد

يمكن عدّ صدور كتاب «دراسة الحكم الفقهي للخداع وعلاقته بالموضوعات المشابهة» استجابةً فقهيّةً لإحدى أكثر القضايا الأخلاقيّة والاجتماعيّة تعقيدًا في الحياة المعاصرة؛ وهي قضية لم تعد محصورة في نطاق السلوك الفردي، بل تجاوزته لتؤدّي دورًا حاسمًا في ميادين السياسة والاقتصاد والإعلام والعلاقات الاجتماعيّة.

وبحسب ما أفادت به شبكة الاجتهاد، فإنّ هذا الكتاب، الصادر باللغة الفارسية عن مركز أبحاث الفقه والقانون التابع لـ معهد العلوم والثقافة الإسلاميّة، بقلم حجّة الإسلام والمسلمين محمد مهدي محبّ الرحمن، يسعى إلى تناول «الخداع» لا بوصفه مجرّد رذيلة أخلاقيّة، بل باعتباره موضوعًا فقهيًّا مستقلًّا ذا أبعاد متعدّدة ومصاديق متنوّعة. وتنبع أهميّة هذا التناول من أنّ الحدود بين الخطأ الأخلاقي، والمخالفة الشرعيّة، والجريمة الاجتماعيّة غالبًا ما تختلط، الأمر الذي يفتح المجال أمام إساءات نظريّة وعمليّة متعدّدة.

ويركّز المؤلّف، انطلاقًا من ضرورة التشخيص الدقيق للموضوع، على توضيح مفهوم الخداع من حيث طبيعته ونطاقه ومصاديقه، وهي مصاديق تمتدّ من الخيانة والنفاق، مرورًا بالوعود الزائفة، والأكاذيب العاديّة وما يُسمّى بالأكاذيب «المصلحيّة»، وصولًا إلى نشر الأخبار الكاذبة واللغو والتهريج. ويكشف هذا التصنيف أنّ «الخداع» في الفقه ليس مفهومًا بسيطًا أو أحاديّ البعد، بل هو شبكة من الأفعال والتصرّفات التي يترتّب على كلٍّ منها آثار أخلاقيّة وحقوقيّة مختلفة.

ومن أبرز ما يميّز هذا البحث تركيزه على «الخداع الأخلاقي» وعلاقته بالمصاديق القريبة منه، إذ يحاول الكتاب الإجابة عن تساؤل محوري: هل تخضع هذه السلوكيّات كلّها لحكم فقهي واحد، أم ينبغي التمييز بينها؟ وإلى أيّ حدّ يمكن ـ أو ينبغي ـ للفقه أن يتدخّل في تحليل الأبعاد الأخلاقيّة والنيّاتيّة لمثل هذه الأفعال؟

وفي ضوء السياق الفكري المعاصر، يمكن اعتبار هذا العمل امتدادًا للحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأخلاق والفقه. ففي زمن تُستعمل فيه مفاهيم من قبيل «الكذب المصلحي»، و«الخداع الإعلامي»، و«التبرير السياسي» بسهولة في الخطاب العام، يصبح البيان الفقهي لهذه المفاهيم عاملًا مهمًّا في الحيلولة دون تطبيع السلوكيّات غير الأخلاقيّة.

وخلاصة القول، إنّ كتاب «دراسة الحكم الفقهي للخداع وعلاقته بالموضوعات المشابهة» يمثّل محاولة منهجيّة جادّة للارتقاء بالدقّة المفهوميّة في فقه الأخلاق، ويمكن أن يفتح آفاقًا لحوارات أعمق بين الفقه والأخلاق وقضايا المجتمع الواقعيّة، ويحول دون تحويل المفاهيم الدينيّة إلى أدوات تبريريّة في ميدان الممارسة العمليّة.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل