ذكريات العلماء | نظرة إلى حياة معلّمٍ أخلاقيٍّ كان المراجع من تلامذته

بمناسبة ذكرى رحيل الفقيه العارف وأستاذ الأخلاق في الحوزة العلميّة بالنجف الأشرف، آية الله السيد علي قاضي الطباطبائي، نقدّم للنخبة الكريمة نبذةً عن سيرته، إلى جانب ذكرياتٍ وشهاداتٍ نقلها كبار العلماء عن هذه الشخصيّة الربّانيّة العظيمة.

السيرة الذاتيّة

السيد علي قاضي الطباطبائي (1282–1366هـ ق)، عارف وأستاذ أخلاق في الحوزة العلميّة بالنجف خلال القرن الرابع عشر الهجري. وقد تخرّج على يديه عددٌ من العلماء والفقهاء ومراجع التقليد ضمن مدرسته الأخلاقيّة.

وُلد في 13 ذي الحجّة سنة 1282هـ ق، الموافق 9 أرديبهشت 1245هـ ش، في مدينة تبريز، وتلقّى فيها العلوم الدينيّة والأدبيّة. وفي سنة 1308هـ ش شدّ الرحال إلى النجف الأشرف، حيث واصل دراسته في الفقه والأصول والفلسفة والتفسير، ونال مرتبة الاجتهاد وهو في السابعة والعشرين من عمره.

ومن أبرز أساتذته: السيد أحمد الكربلائي، والآخوند الملا محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي. أمّا من أشهر تلامذته: السيد محمد حسين الطباطبائي، والسيد هاشم موسوي حدّاد، والشيخ محمد تقي بهجت.

وفي العرفان، كان قاضي الطباطبائي من أتباع طريقة الملا حسينقلي الهمداني، وكان يرى أنّ بلوغ السالك مقام التوحيد لا يتحقّق من دون الإيمان بولاية الأئمّة الأطهار والسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

وكان لإحياء المستحبّات، وزيارة القبور، والتوسّل بالإمام الحسين عليه السلام، واختيار الأستاذ، مكانة محوريّة في منهجه العرفاني. وكان يعتبر رسالة سير وسلوك بحر العلوم أفضل الكتب العرفانيّة، ويوصي بمنهج «الإحراق» في السلوك.

توفّي رضوان الله عليه في 6 ربيع الأوّل سنة 1366هـ ق، الموافق 9 بهمن 1325هـ ش، وصُلّي عليه بإمامة السيد جمال الدين الكلبايكاني، ودُفن في مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف إلى جوار والده.

ذكريات عن آية الله السيد علي قاضي الطباطبائي
هديّة سورة القدر ليلة الجمعة للإمام المهدي

قال آية الله السيد علي قاضي الطباطبائي: «اقرؤوا سورة القدر مئة مرّة ليلة الجمعة واهدوها إلى الإمام المهدي عليه السلام؛ فإنّ لهذا العمل أثرًا عظيمًا في صفاء القلب وجلائه».

من وادي السلام!

يروي آية الله الشيخ محمد تقي الآملي: كنتُ أرى المرحوم السيد علي قاضي يجلس ساعتين أو ثلاث ساعات في وادي السلام، فكنت أقول في نفسي: ينبغي للإنسان أن يزور ثم يعود، ويقرأ الفاتحة لإسعاد أرواح الأموات، فهناك أعمالٌ أولى وأهمّ ينبغي الاشتغال بها.

كان هذا الاعتراض في قلبي، لكنّي لم أُظهره لأحد، حتّى لأقرب أصدقائي من تلامذة الأستاذ.

مرّ زمنٌ طويل، وكنت أذهب يوميًّا للاستفادة من حضرته، إلى أن عزمتُ على العودة من النجف الأشرف إلى إيران، لكنّي كنت متردّدًا في صواب هذا السفر، وكان هذا التردّد في نفسي، ولم يكن أحدٌ على علمٍ به.

وفي إحدى الليالي، أردتُ النوم، وكانت في الغرفة التي أنام فيها كتبٌ علميّة ودينيّة موضوعة على الرفّ أسفل قدمي. وعند النوم كانت قدماي تمتدّان بطبيعتهما نحو الكتب.

قلت في نفسي: هل يجب أن أغيّر موضع نومي أم لا؟ بما أنّ الكتب ليست مباشرةً أمام قدمي بل أعلى قليلًا، فهل يُعدّ ذلك هتكًا لحرمتها أم لا؟ وبعد تردّد وحديثٍ مع النفس، بنيتُ على أنّه ليس هتكًا، فنمت.

وفي الصباح، لمّا حضرتُ عند الأستاذ المرحوم قاضي وسلّمت عليه، قال لي: «عليكم السلام، ليس من الصلاح أن تذهب إلى إيران، ومدّ القدمين نحو الكتب يُعدّ هتكًا لحرمتها».

فقلتُ مندهشًا بلا إرادة: «سيّدي! من أين علمتم؟ من أين علمتم؟»

فقال: «علمتُ من وادي السلام».

تلك السنوات الستّ والعشرون

آية الحقّ السيد علي قاضي، كما يرويه آية الله السيد محمد حسيني الهمداني (صاحب تفسير أنوار درخشان):

عندما علمتُ أنّ المرحوم السيد قاضي التبريزي اتّخذ غرفةً صغيرة في زاويةٍ من مدرسة قوام، تعجّبت كثيرًا.

ثم تبيّن أنّه، لضيق منزله وكثرة عياله وأولاده، لم يكن يجد راحة البال للتهجّد والعبادة.

في تلك الأيّام، لم أرَ ليلةً واحدة قضاها المرحوم قاضي في راحةٍ ونومٍ وهدوء، ولا ليلةً خلا فيها حاله من الأنين والبكاء، ولم أرَ من يشبهه في أحواله إلّا المرحوم النائيني والكمباني.

وكنتُ أراه خاصّةً كثير الصمت، دائم السكوت، يتجنّب الإجابة، وأحيانًا كنت أشعر أنّ الجواب عليه شديد الصعوبة.

وذات مرّة، وبالمصادفة، لاحظتُ أنّ داخل فم المرحوم قاضي كان مائلًا إلى اللون الأزرق. فسألته عن السبب، فلم يُجبني مدّةً طويلة.

وبعد أن ألححتُ كثيرًا، وقلتُ إنّي أسأل لغرض التعلّم لا لشيءٍ آخر، لم يُجبني أيضًا، إلى أن قال لي في جلسةٍ خاصّة يومًا ما: «يا سيّد محمد! إنّ سلوك الطريق الطويل في السير والسلوك يحتاج إلى تحمّل مشقّاتٍ كثيرة، والتخلّي عن أمورٍ عديدة».

ثم قال: «يا سيّد محمد! في بداية الطريق، وفي أيّام شبابي، ولأجل أن أقيّد جماح لساني، وضعتُ الحصى في فمي ستًّا وعشرين سنة، كي أمتنع عن كثرة الكلام! وهذه ثمار تلك المرحلة».

المصدر: كتاب معادشناسي للعلّامة الطهراني، ج 2، ص 265–267

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل