معرفة تيّار النفاق في العصر الحاضر بالاستناد إلى الخطبة 194 من نهج البلاغة

في جلسة علميّة، قام حجّة الإسلام شكيبايي، من خلال شرح وتبيين الخطبة 194 من نهج البلاغة، ببيان سبع عشرة صفة من صفات المنافقين، من بينها: الضلال، والتلوّن، والتزيّن الظاهري، وإثارة الفتن، وخلط الحق بالباطل، والتخطيط الخفيّ، وذلك بهدف التعرّف على ظاهرة النفاق في ظروف العصر الراهن.

وبحسب تقرير وكالة أنباء حوزة، وبحضور جمعٍ من طلّاب السطوح العليا ومرحلة البحث الخارج في مدرسة ومركز الفقه للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قام حجّة الإسلام والمسلمين إيمان شكيبايي بتبيين خصائص المنافقين من منظور الخطبة 194 من نهج البلاغة.

وفي مستهلّ حديثه، وبعد إحياء ذكرى الشهداء العظام من شهداء الأمن، قال أستاذ الحوزة والجامعة:

في الاضطرابات الأخيرة، وبحسب تقارير المسؤولين المعنيّين، كان دور المنافقين، سواء الخارجيّين أو الداخليّين، بارزًا جدًّا، وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة 194 من نهج البلاغة خصائص وصفات دقيقة للغاية لأهل النفاق، يُعدّ التعرّف عليها – ولا سيّما في العصر الحاضر وفي الظروف الراهنة – أمرًا لازمًا وضروريًّا، وسيُشار إليها فيما يلي:


1. الضلال

قال الباحث في نهج البلاغة: أوّل صفةٍ يذكرها مولى المتّقين علي (عليه السلام) لأهل النفاق هي الضلال؛ فهؤلاء ضالّون في أنفسهم، كما يجرّون الآخرين إلى وادي الضلالة: «فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ». أي: إنّهم ضالّون ومُضلّون.


2. الزلل والخطأ

وقال متابعا: الصفة الثانية هي الخطأ وإيقاع الآخرين في الخطأ؛ فهؤلاء، في مسيرهم نحو الحقّ، قد زلّوا وأخطؤوا، كما يدفعون الآخرين إلى مواطن الزلل: «وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ». أي: المنافقون زالّون ومُزِلّون.

وأضاف أستاذ نهج البلاغة: الفرق بين «الضالّين» و«الزالّين» هو أنّ الأوّل يشير إلى من يسير في طريق الضلالة عن وعيٍ وقصد، بينما يشير الثاني إلى من تكثر أخطاؤه وزلّاته. نعم، لأنّ المنافقين محرومون من نور العلم والإيمان، فإنّ أخطاءهم كثيرة كذلك. (رسالة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ج7، ص606)


3. التلوّن والتغيّر المستمر

أشار حجّة الإسلام شكيبايي إلى أنّ المنافق في حياته ومعتقداته يعيش حالة دائمة من الشكّ، ولا يمتلك أيّ ثبات أو استقرار، ولا يلتزم بأيّ مذهب أو عقيدة، ويُقال عنه اصطلاحًا إنّه «يأكل الخبز بسعر يومه». ولذلك، فإنّه في تعامله مع الآخرين يتلوّن بحسب مقتضيات الزمان، فيتّخذ كلّ يوم لونًا جديدًا، ليؤمّن من خلال ذلك مصالحه غير المشروعة. وقد وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَانًا وَ يَفْتَنُّونَ افْتِنَانًا». أي: يتلوّنون بألوان متعدّدة ويثيرون أنواع الفتن.

وأضاف: إنّ المنافق، من أجل الهروب من عيوبه وإخفائها، يلجأ إلى هتك ستر الطرف المقابل وفضحه، فيسقط سمعته ويكشف عيوبه أمام الناس، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا». أي: وإذا انتقدوا، فضحوا وهتكوا الستر.


4. الاستعداد والترصّد للإغواء

فهم لا يملكون سندًا ثابتًا، بل يختارون في كلّ يوم وفي كلّ ظرف الوسيلة والطريق والأسلوب الذي يكون ممكنًا لهم، ومقبولًا لدى المخاطبين: «وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ». أي: يستخدم المنافقون كلّ وسيلة ظاهرة وخفيّة للإضرار بكم، ويرصدونكم في كلّ موضع ترصّد وكمين.


5. مرض القلوب والتزيّن الظاهري

قال أستاذ نهج البلاغة: بحسب كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ المنافقين يمتلكون دائمًا ظاهرًا نقيًّا متأنّقًا، وفي الوقت نفسه باطنًا فاسدًا وقلوبًا مريضة: «قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ». أي: قلوبهم مريضة، وظواهرهم آراستة ونظيفة.


6. التحرّكات الخفيّة

ومن صفات المنافقين السير في الخفاء وبعيدًا عن أعين الناس. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ الضَّرَاءَ». أي: يمشون سرًّا ويتسلّلون في الجسد كما يتسلّل المرض.


7. أقوالهم دواء وأفعالهم داء لا يُرجى شفاؤه

قال الإمام علي (عليه السلام): «وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ». أي: أوصافهم دواء، وأقوالهم شفاء، لكنّ أفعالهم داءٌ لا علاج له.


8. ضيق الأفق وبثّ اليأس

ومن خصائص المنافقين أنّهم يحزنون لفرح المؤمنين، ويفرحون لحزنهم، ويحسدونهم على الرفاه والراحة، ويسعون من خلال نشر اليأس وسوء الظنّ إلى إضعاف إرادتهم، ليكسروا قدرتهم على الجهاد والمقاومة. وقد وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ». أي: يحسدون الناس على الرخاء، ويُصرّون على البلاء، ويُيئّسون الناس من الأمل.


9. المنافق شريك اللصّ ورفيق القافلة

قال أستاذ الحوزة والجامعة: إنّ المنافقين لا يلتزمون بأيّ مذهب أو عقيدة، ولذلك تتغيّر أساليبهم بحسب الظروف والبيئات المختلفة. وقد قال الإمام (عليه السلام): «لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ». أي: لهم في كلّ طريق قتيل، وإلى كلّ قلب سبيل، وعلى كلّ مصيبة دموع (كاذبة).


10. إقراض المدح والثناء

وقال في المتابعة: من خصائص المنافقين أنّهم يُقرض بعضهم بعضًا المدح والثناء؛ أي إنّ هذه الجماعة تمدح تلك، وتنتظر منها المدح والمكافأة بالمقابل، وتؤيّد مواقفها وتصوّت لها، كي تقوم هي الأخرى بالمقابلة بالمثل. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ يَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ». أي: يتبادلون الثناء مترقّبين الجزاء.


11. الإلحاح واللجاج

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا». أي: إذا طلبوا شيئًا ألحّوا فيه بإصرار.


12. الفضح عند العيب والانتقاد

قال الباحث في نهج البلاغة: إنّ المنافق، من أجل إخفاء عيوبه، يلجأ إلى فضح الطرف المقابل وهتك ستره، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا». أي: وإذا عابوا، فضحوا.


13. الإسراف والخيانة في الحكم

قال أستاذ الحوزة والجامعة: من الأخطاء الفكريّة لدى المنافقين «النظرة المطلقة»، حيث يرون الأمور إمّا سوداء بالكامل أو بيضاء بالكامل؛ فإذا رأوا أقلّ خطأ من المؤمنين حكموا عليهم بالفساد المطلق، وفي المقابل يتغاضون عن جميع أخطاء أتباعهم. ولذلك فهم غير مؤهّلين للقضاء والحكم. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا». أي: إذا حكموا، أسرفوا في الظلم وسلكوا طريق الخيانة.


14. عدم الالتزام بمذهب أو عقيدة

وبسبب ذلك، تتبدّل أساليبهم تبعًا للظروف. قال الإمام (عليه السلام): «لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ». أي: لهم في كلّ طريق قتيل، وإلى كلّ قلب طريق، وعلى كلّ حزن دموع.


15. التخطيط الدقيق للأهداف الباطلة

وبما أنّ المنافق لا يمتلك عقيدة أو أيديولوجيا ثابتة، فإنّه يضطرّ إلى التخطيط الدقيق لمواجهة الأخطار والعقبات، وللقضاء على مخالفيه. وقد قال الإمام (عليه السلام): «قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحًا».


16. إظهار الزهد للوصول إلى الطمع

قال خبير نهج البلاغة: من صفات المنافقين أنّهم يُظهرون الزهد في الدنيا وما فيها بالحيلة والخداع للتسلّل إلى القلوب، ومن خلال ذلك يروّجون لبضاعتهم الفكريّة ويصلون إلى مطامعهم غير المشروعة. قال الإمام (عليه السلام): «يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ».


17. خلط الحقّ بالباطل

وآخر صفات المنافقين أنّهم يخلطون الكفر والباطل والضلال بالحقّ، ويعرضونه في لباس الحقّ، فيُوقعون السذّج في طريق ضيّق مليء بالالتواءات دون مخرج. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ وَ أَضْلَعُوا الْمَضِيقَ».


ثمّ يصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنّهم أتباع الشيطان، فيقول: «فَهُمْ لُمَّةُ الشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ النِّيرَانِ» أي: إنّهم جماعة الشيطان وشرر نيران جهنّم.

وكما قال الله تعالى: ﴿أُولٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة: 19)

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل