أكبرُ خطرٍ يواجه اليومَ معرفةَ الدين هو تقديمُ قراءاتٍ تلفيقيّة باسم الإسلام

أكّد عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة، مع الإشارة إلى خطر إدخال الأفكار غير الدينيّة إلى مجال المعارف الإسلاميّة بصورةٍ انتقائيّة، أنّ الإفراطَ والتفريطَ في فهم الدين، وغيابَ الأساس العقلانيّ المتماسك، يهيّئان الأرضيّة لتشكّل قراءاتٍ تلفيقيّة يُسجَّل فشلُها في النهاية باسم الإسلام.

وبحسب تقرير مراسل وكالة حوزة الإخباريّة من مشهد، تحدّث حجّةُ الإسلام مصباح يزدي، عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة، في الندوة التمهيديّة لمؤتمر «منشور الروحانيّة»، التي ركّزت على موضوع «إعادة التفكير في مسألة التلفيق»، والتي أُقيمت بجهود أمانة مؤتمر منشور الروحانيّة في حوزة خراسان العلميّة، وذلك في مدرسة السليمانيّة العلميّة، فقام بتبيين الأبعاد المختلفة لظاهرة التلفيق في الفكر الديني.

وأشار إلى اختيار موضوع التلفيق محورًا لهذا المؤتمر، وقال: إنّ منشور الروحانيّة الصادر عن سماحة الإمام(قده) يُعدّ من أكثر آثاره بقاءً في السنوات الأخيرة من عمره الشريف، إذ يرسم خريطةَ طريقٍ واضحة لمستقبل الروحانيّة وعلاقتها بالثورة الإسلاميّة وبأهدافها وآمالها السامية. وفي هذا المنشور جرى التحذير من الأخطار التي يمكن أن تهدّد كيان الروحانيّة والإسلام والنظام الإسلامي، كما أُوليَ اهتمامٌ بسبل الخروج من هذه الآفات.

واعتبر حجّةُ الإسلام مصباح يزدي القراءةَ المتواصلة لمنشور الروحانيّة ضرورةً لا مفرّ منها لطلبة العلوم الدينيّة وللروحانيّة، وقال: إنّ التحدّيات التي تواجه الروحانيّة ليست أمرًا عابرًا أو محصورًا في مرحلةٍ زمنيّة معيّنة، بل إنّ هذه المشكلات تظهر دائمًا بوجوهٍ وصورٍ جديدة، وإذا غُفل عنها ولم يُتّخذ التدبير اللازم لمستقبل الإسلام والروحانيّة، فلعلّنا نحن أنفسنا نقع من حيث لا نشعر في فخّ تلك الآفات، وتُلقى مسؤوليّة الانحراف في الإسلام والثورة والنظام الإسلامي على عواتقنا.

منشورُ الروحانيّة نصٌّ حيٌّ وهادٍ لليوم وغدِ الحوزة

وأضاف، مشيرًا إلى النظرة الاستشرافيّة للإمام(قده) في صياغة منشور الروحانيّة: على الرغم من أنّ هذا المنشور ناظرٌ إلى قضايا ومشكلات زمن صدوره، إلّا أنّه، كسائر بيانات الإمام الخميني(قده)، قد صيغ برؤيةٍ واسعة وأفقٍ كاشف، ويتضمّن نقاطًا تبقى جديدةً وحاضرةً في كلّ زمان، إلى حدّ يشعر معه الإنسان أنّ هذا الخطاب قد صدر من أجل مجتمع اليوم وحوزاته العلميّة، وأنّ علاج الجراح الراهنة للمجتمع والنظام والروحانيّة كامنٌ فيه.

وختم عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة بالتأكيد على ضرورة الدقّة العلميّة في عبارات منشور الروحانيّة، مضيفًا: من اللازم التأمّلُ والمباحثة في كلّ كلمةٍ وفي ترتيب الموضوعات الواردة في هذا المنشور؛ فالسؤال عن سبب تكرار بعض المفاهيم، ولماذا استخدم الإمام(قده) لفظًا بعينه، وما هي العلاقة القائمة بين أجزاء النصّ المختلفة، كلّ ذلك يمكن أن يؤدّي دورًا حاسمًا في معرفة مسار مستقبل الحوزات وتحديد وظائف الروحانيّة.

التلفيق في معرفة الدين؛ نتيجة فقدان الأساس العقلاني المتماسك

وفي تبيين مفهوم التلفيق، قال حجّة الإسلام مصباح يزدي: في اصطلاح البحوث العلميّة والدينيّة، عندما يُتحدّث عن التلفيق يُقصد به أن يقوم شخص، من دون امتلاك مبنى متماسك ونظريّة تأسيسيّة، بأخذ قضايا وأفكار من مدارس واتجاهات مختلفة، ثمّ ينسبها إلى الدين؛ وهي قضايا قد لا تكون بينها علاقة منطقيّة أصلًا، بل قد تقع أحيانًا في تعارض أو تناقض صريح فيما بينها.

وأضاف: إنّ مثل هذا الشخص يعمل غالبًا بمنهجٍ عمليّ نفعيّ موجّه بالهدف، فيقبل كلّ ما يراه نافعًا في طريق الوصول إلى غايته، ويقدّمه باسم الإسلام، من دون أن تكون العلاقة بين هذه الرؤى والمباني الدينيّة الأصيلة واضحة. ونتيجة هذا المنهج هي تشكّل نوعٍ من التديّن التلفيقي، الذي تُستمدّ عناصره من مصادر متعدّدة ولا يرتبط ارتباطًا واضحًا بالأصول العقديّة للإسلام.

وأشار هذا الأستاذ الحوزوي إلى جذور الوقوع في فخّ التلفيق، مبيّنًا: إنّ العامل الأساسي في ظهور هذا الانحراف في معرفة الدين هو عدم امتلاك مبنى عقلاني قابل للدفاع والإثبات لأصل الدين والتديّن. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لدوافع متنوّعة، من الأهواء النفسيّة إلى الشعبويّة أو الميل إلى إبداء الرأي من دون سند علمي، أن تدفع الإنسان إلى طرح آراء تفتقد الانسجام النظري والدليل المعتبر.

وأكّد: عندما يتعرّض أمثال هؤلاء للنقد العلمي ويُطالَبون بالدليل، تنكشف هشاشة مبانيهم؛ لأنّ كثيرًا من هذه الآراء قُبلت من دون فهم عميق وتحليل منهجي، وإنّما نُسبت إلى الدين على أساس الذوق أو السليقة أو حسابات المصلحة الشخصيّة.

وفي سياق حديثه، أشار حجّة الإسلام مصباح يزدي إلى جذور الانحراف في فهم الدين، وقال: إنّ ما يمكن أن يوقع الإنسان في المشكلة في مجال معرفة الدين هو النقص الموجود في معرفته. فأحيانًا يظنّ الإنسان أنّه يعلم، وبناءً على هذا الظنّ يُقدم على إبداء الرأي وينسب أمرًا إلى الإسلام، في حين أنّ هذا النقص المعرفي يؤدّي إلى انحراف في الفهم، وهذا الانحراف نفسه يهيّئ أرضيّة انحراف الآخرين أيضًا.

وبيّن أنّ هذه المشكلة المعرفيّة يمكن تقسيمها إلى قسمين، وأضاف: هناك فئة لا تنطلق من مبنى صحيح وثابت، بل تسير اعتمادًا على بعض الفهم الشخصي أو على تعاليم تلقّتها بشكلٍ تقليدي من الأب أو الأم وقبلتها، من دون أن تبحث فيها، أو ترفع شبهاتها، أو تسدّ فراغاتها المعرفيّة. وهذا المسار قد يوقع الإنسان في الإفراط أو التفريط.

الإفراط في معرفة الدين وتوقّع الحدّ الأقصى من الدين

وشرح عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة معنى الإفراط في معرفة الدين، فقال: الإفراط يعني أن يتصوّر الإنسان أنّ جميع حاجاته المعرفيّة والعمليّة والعاطفيّة، وكلّ حاجة يحتاجها في هذا العالم، يجب أن تكون قد أُجيبت في الدين بصورة جزئيّة وتفصيليّة. ووفق هذا التصوّر، إذا واجه الإنسان مرضًا، أو حاجة صناعيّة، أو زراعيّة، أو غذائيّة، أو دوائيّة، فإنّه يتوقّع أن يجد الإجابة المباشرة لكلّ هذه المسائل في القرآن والروايات؛ وهو ما يُعبَّر عنه بـ«الدين الحدّ الأقصى».

وتابع: من يحمل مثل هذا التوقّع من الدين سيُصاب سريعًا باليأس والإحباط، لأنّه لن يجد كثيرًا من هذه الأمور في الدين، ولأنّ الدين أصلًا لا يدّعي ذلك. نعم، وردت في كلمات الله تعالى، ورسول الله الأكرم(صلّى الله عليه وآله)، والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، نقاط صحيحة ومتينة وجديرة بالاعتماد تتعلّق ببعض الحاجات المادّيّة والدنيويّة للإنسان، لكنّ هذه النقاط يجب دراستها وفق المعايير الفقهيّة والأصوليّة والرجاليّة.

وأكّد حجّة الإسلام مصباح يزدي: إذا ثبتت بعض هذه الأمور بدليلٍ معتبر، فهي قطعًا مطابقة للواقع، ومقتضى الإيمان أن نقبلها بوصفها حقائق واقعيّة مرتبطة بالوجود، وأن نعمل بها، لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ الدين لم يُنزَل لتعليم الزراعة أو الصناعة أو صناعة الصواريخ أو ما شابه ذلك. ولم يُبعث النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله) لهذه الأهداف، بل كان الهدف الأساس من البعثة هو تحقيق وبيان «مكارم الأخلاق».

وأشار إلى سعة مفهوم مكارم الأخلاق، موضّحًا: إنّ مكارم الأخلاق ذات دائرة واسعة، وتشمل، بمعنىً ما، جميع السلوكيّات الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان، وتُبيّن علاقة كلّ سلوك وقول وفعل وترك فعل بأصل سعادة البشر. وهذه هي الحقيقة التي أُمر النبيّ ببيانها؛ أي إنّ كلّ لحظة من حياة الإنسان وكلّ اختيار يقوم به يمكن أن يقرّبه خطوةً إلى الله أو يبعده عنه، وبيان هذه العلاقة لا يكون إلّا عبر الوحي والنبيّ.

وأضاف: إنّ بيان ما الذي يؤدّي إلى السمنة أو النحافة، وما الذي يسبّب سهولة الحياة أو صعوبتها، وأيّ المعادن أنفع أو أقلّ نفعًا، لم يكن أصلًا ضمن دائرة مهمّة النبيّ. فانتظار مثل هذه الأمور من الدين ناشئ عن نقص في معرفة الدين.

التفريط في معرفة الدين ورواج النظرة الحدّ الأدنى إلى الدين

وفي سياق حديثه، عدّ حجّة الإسلام مصباح يزدي التفريط في معرفة الدين انحرافًا شائعًا آخر، وقال: في مقابل النظرة الحدّ الأقصى، يعتقد بعضهم بـ«الدين الحدّ الأدنى»، أي إنّهم يحصرون الدين في نطاقٍ ضيّق ويتجاهلون أو ينكرون كثيرًا من الوظائف والأهداف والآمال التي نزل الدين من أجلها. وهذه النظرة اليوم، متأثّرة بالمناخ الثقافي العالمي، قد راجت بشكلٍ ملحوظ في العالم، بل وحتى في مجتمعنا، وهي بطبيعة الحال ليست ظاهرةً خاصّة باليوم أو بالأمس فقط.

وأشار إلى أنّ أحد العوامل الأساسيّة لهذا الانحراف هو العوامل المعرفيّة، موضحًا: عندما لا يُعرَف الدين في شموليّته، وتُغفل بعض أبعاده، ويُكتفى بأجزاء محدودة منه، ينشأ هذا التوجّه. وهذا المسار يُعدّ من أخطر الانحرافات في معرفة الدين، ويمهّد لظهور كثير من المشكلات والانحرافات الأخرى.

وأوضح هذا الأستاذ في الحوزة العلميّة، متناولًا نتائج النظرة الحدّ الأدنى إلى الدين، أنّ ثمرة هذا الفهم هي حصر الدين في العلاقة الشخصيّة بين الإنسان وربّه، وفي العبادات الفرديّة، مع إهمال سائر أبعاد الدين، بما فيها أبعاده الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والدوليّة. وأكّد أنّ جزءًا مهمًّا من رواج هذه النظرة ناتج عن الشبهات التي دخلت إلى الفضاء الفكري للمسلمين من الغرب.

وأضاف: هذه الشبهات طُرحت في البداية في البيئة المسيحيّة، حيث حاول المفكّرون المسيحيّون، من خلال تقديم حلولٍ معيّنة، التعايش مع التحريفات التي وقعت في المسيحيّة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على نوعٍ من الدين الحدّ الأدنى لكي لا يُقصى الدين نهائيًّا من المجتمع. ثمّ إنّ الشبهات نفسها، والإجابات الخاطئة نفسها، تسلّلت لاحقًا إلى الفضاء الفكري لبعض المثقّفين المسلمين، وأدّت إلى ترويج نظرة تختزل الدين في كونه أمرًا محصورًا بالعبادات الفرديّة والطقوس الخاصّة.

وتابع حجّة الإسلام مصباح يزدي، مشيرًا إلى تأثير الأفكار الماركسيّة: إنّ جزءًا من هذه الشبهات قد طُرح من قبل الماركسيّة، وهي تيّار كان ينكر أصل الدين، ويعتبره من صنع الحكومات لتبرير الظلم الواقع على الناس. والتعبير الشهير «الدين أفيون الشعوب» يعبّر عن هذا التحليل بالذات؛ ذلك التحليل الذي يصوّر الدين أداةً لتخدير الناس وصرفهم عن مقاومة الظلم.

وأكّد: ووفقًا لهذا التصوّر، يُلقَّن الناس أنّ تحمّل الظلم في الدنيا سيُعوَّض بثوابٍ أخروي، ولذلك لا حاجة لمواجهة الظلم. وقد أدّى هذا التفسير للدين إلى أن يقع بعض الأفراد في حالة من السكون والانفعال تجاه القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، وأن يقبلوا بالدين في حدود تجربة شخصيّة وفرديّة فقط؛ تجربة تقتصر على العبادات الفرديّة والمناجاة الشخصيّة، ولا صلة لها بالقضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

وشدّد على أنّ هذه القراءات المنحرفة، سواء كانت متأثّرة بالماركسيّة أو نابعة من المدارس الفكريّة الغربيّة، قد أدّت عمليًّا إلى إقصاء الدين عن ساحاتٍ مهمّة من الحياة الاجتماعيّة، وأنّه لا بدّ، من خلال إعادة التعرّف الشامل والصحيح على الدين، من تجنّب الوقوع في فخّ الإفراط والتفريط في معرفة الدين.

وفي متابعة حديثه، أشار عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة إلى جذور النظرة الحدّ الأدنى إلى الدين، وقال: إنّ هذا التوجّه نابع من النظرة الخاطئة نفسها التي تُلقَّن في أذهان بعض الناس، والتي تحصر الدين في الصلاة والصوم والحجّ والعبادات الفرديّة فقط؛ نظرة لا تكاد تتطرّق حتّى إلى الجهاد.

وأضاف: ووفقًا لهذه الرؤية، تُقسَّم حياة الإنسان إلى ساحتين ومجالين؛ أحدهما الحاجات المعنويّة والفرديّة للإنسان، ويُقال إنّ الدين لا يتدخّل إلّا في هذا المجال، ويقدّم له تعليمات كالصلاة والصوم والدعاء. أمّا المجال الآخر فهو الحياة الاجتماعيّة للإنسان، حيث تُطرح مسائل التبادل التجاري، والمرض، والعلاقات الدوليّة، والقضايا الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، ويُدّعى أنّ هذه المجالات ينبغي أن تُترك لأهل الاختصاص فيها.

آثار النظرة الحدّ الأدنى إلى الدين في الساحة الاجتماعيّة

وتابع عضوُ الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة: بناءً على هذا التفكير، إذا آلت الأمور السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة إلى أيدي غير المسلمين أو إلى أشخاص غير متخصّصين في الدين، يُقال إنّ ذلك لا يضرّ بالضرورة بالتديّن الفردي. والحال أنّه إذا لم تُدار هذه المجالات إدارةً صحيحة، فإنّ حتّى الأبعاد العباديّة للدين ستتأثّر؛ فعلى سبيل المثال، إذا لم يُرِد بعضهم أن تصل حصة الإمام والخمس والزكاة إلى مصارفها الحقيقيّة، فلن يكون بالإمكان منع ذلك بالاكتفاء بالصلاة والصوم الفرديَّين.

وأوضح: إنّ التصوّر القائل بإمكانيّة فصل بعض أجزاء الدين عن أجزائه الأخرى، وإسناد الشؤون العباديّة إلى العلماء والحوزات، وترك سائر القضايا لغيرهم، يؤدّي في النهاية إلى التعارض. وفي مثل هذه الأوضاع، تكون هذه الذهنيّة مستعدّة لأن تتنازل عن بعض أجزاء الدين الأخرى، وتدخل في مسار المساومة، من أجل الحفاظ على الجزء الذي تتصوّره دينًا.

وأشار حجّة الإسلام مصباح يزدي إلى مصاديق هذا التوجّه، فقال: إنّ التغاضي عن الظلم الواقع على الناس في الداخل أو على الساحة الدوليّة نابع من هذه النظرة الحدّ الأدنى إلى الدين. فبعض الناس، بذريعة أنّ هذه القضايا لا تمسّ التديّن الفردي، يقفون موقف اللامبالاة تجاه المآسي الإنسانيّة، ويظنّون أنّه ما دامت الشعائر العباديّة، والزيارات، والمجالس، والمناسك الشخصيّة قائمة، فإنّ الدين محفوظ، وأنّ سائر القضايا لا علاقة لهم بها؛ في حين أنّ هذا هو الأثر المباشر للدين الحدّ الأدنى.

خطر الالتقاط ونسبة الأمور غير الدينيّة إلى الدين

وأشار في متابعته إلى أنّ هذه النظرة قد تُنتج من جهةٍ أخرى نزعةً أخطر، مفادها أنّ الإنسان يشعر بأنّ الدين لا يستطيع الانسحاب كليًّا من القضايا الاجتماعيّة، ولا بدّ له من إبداء الرأي فيها. غير أنّه، وبسبب اعتقاده في الأساس بأنّ الدين يفتقر إلى نظريّة اجتماعيّة متكاملة، يصاب عند دخوله هذه المجالات بالحيرة والاضطراب، ويُضطرّ إلى الاستعارة من المدارس الفكريّة والنظريّات الأخرى.

وأضاف هذا الأستاذ في الحوزة العلميّة: في مثل هذا الوضع، يُجبَر الفرد على نسبة أمورٍ ليست في الأصل من الدين إلى الدين نفسه، وهو خطأ يفوق خطرُه خطرَ «الدين الحدّ الأدنى». وهذا هو الخطأ ذاته الذي وقع في تاريخ المسيحيّة، وما تزال تكاليفه تُدفَع إلى اليوم؛ إذ أُدخلت بعض النظريّات العلميّة أو الفلسفيّة السائدة في ذلك العصر، كالمسائل الفلكيّة، في تفاسير الكتاب المقدّس، وقُدّمت للناس على أنّها وحيٌ أو إلهامٌ إلهيّ. وحين كشف العلم بطلان تلك النظريّات، وُضع أصلُ الدين موضعَ التشكيك.

وأكّد عضو الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة أنّ هذا الخطرَ المتمثّل في الالتقاط، أي إدخال نظريّات متعدّدة بشكلٍ انتقائيّ باسم الدين، لا يزال قائمًا اليوم؛ بحيث تُوضَع بعض الأفكار الماركسيّة والاشتراكيّة، مثلًا في مجال الاقتصاد والعدالة، إلى جانب أجزاء من الفكر الليبرالي، كمسألة التصويت وسيادة الشعب، دون امتلاك أساسٍ دينيّ منسجم، ويُقدَّم هذا المزيج الانتقائيّ بوصفه «إسلامًا».

وتابع حجّة الإسلام مصباح يزدي قائلًا: في هذا التصوّر، يُعرَّف الاقتصاد الإسلامي أحيانًا على أنّه اشتراكيّ، وتُفهَم السياسة الإسلاميّة على أنّها ليبراليّة، وتُستعار الأخلاق الإسلاميّة من التعدّديّة الأخلاقيّة؛ وفي النهاية يتكوّن مزيجٌ غير متجانس تُحسَب جميع نواقصه وإشكالاته على حساب الإسلام.

وأضاف: وعندما تصل هذه النماذج إلى طريقٍ مسدود، يُلقَّن الناس أنّ الإسلام غير قادر على إدارة المجتمع المعاصر.

وتطرّق عضو الهيئة العلميّة في مؤسّسة الإمام الخميني(قده) التعليميّة والبحثيّة في ادامه حديثه إلى شرح مخاطر الأفكار التي تبدو دينيّة في ظاهرها، لكنها في باطنها غير منسجمة مع مباني الإسلام، ودرس آثارها على المجتمع ونظام الجمهوريّة الإسلاميّة، مؤكّدًا أنّ انتقاء قضايا من مصادر متعدّدة وتقديمها باسم الإسلام، دون مراعاة مدى انسجامها الحقيقي مع الدين، يؤدّي إلى اختلالات اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة وسياسيّة، وأنّ بعضهم يستند إلى هذه النتائج الخاطئة للمطالبة بتغيير نموذج الجمهوريّة الإسلاميّة.

وبحسب حجّة الإسلام مصباح يزدي، فإنّ هذا النوع من التفكير، الذي يحمل مظهرًا دينيًّا وباطنًا نفاقيًّا، يُشكّل خطرًا على الإسلام والمجتمع الإسلاميّ يفوق خطرَ التفكير الذي يصرّح أصلًا بعدم تدخّل الدين في الشؤون الاجتماعيّة.

ضرورةُ المعرفةِ المبنائيّة بالدين

وأشار حجّة الإسلام مصباح يزدي في المتابعة إلى سُبُل مواجهة هذه الظاهرة، وشدّد على ضرورة أن يمتلك طلّاب العلوم الدينيّة معرفةً مبنائيّة راسخة بالدين، موضحًا أنّه ينبغي عليهم، بالاعتماد على الأدلّة الكافية وملاحظة الشبهات المطروحة، أن يُحكِموا أسسَ الدين‌شناسي ليتمكّنوا من عرضه على الآخرين وحماية المجتمع من الشبهات.

وأكّد أنّ الفهم الدقيق لجذور الشبهات لا يتيح الإجابة عن الأسئلة المطروحة حاليًّا فحسب، بل يمنع أيضًا نشوء شبهاتٍ جديدة في المستقبل.

أهمّيّةُ الدقّةِ والصحّة في نسبة المسائل إلى الدين

ثمّ أشار إلى أهمّيّة التعرّف الصحيح إلى القضايا المستجدّة وتحليل أبعادها بدقّة، وقال: من أجل تقديم إجاباتٍ دينيّة للمسائل الاقتصاديّة والأسريّة والسياسيّة والدوليّة، لا بدّ أوّلًا من تشخيص المسألة تشخيصًا صحيحًا، والإحاطة بمبانيها العلميّة والدينيّة.

وشدّد حجّة الإسلام مصباح يزدي على أنّه عند نسبة أمرٍ ما إلى الإسلام، ولا سيّما في القضايا المهمّة والاجتماعيّة، يجب التأكّد من اتّباع الأساليب العلميّة الصحيحة، والدقّة في المقدّمات.

وأضاف: إنّ للإسلام في مختلف المجالات قواعدَ ومناهجَ واضحة، ولا يمكن طرح أيّ نظريّة باسم الدين دون دراسةٍ شاملة وسندٍ معتبر.

وفي الختام، أكّد على ضرورة معرفة الإسلام معرفةً صحيحة، والعمل به، وبيان تعاليمه الدينيّة بيانًا سليمًا، وقال: نأمل أن نتمكّن، في إصلاح المجتمع ودفع أهداف نظام الجمهوريّة الإسلاميّة إلى الأمام، من أداء واجباتنا على أفضل وجه ممكن.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل