تشخيص مكامن الخلل في قوانين المهر والفراغات التشريعية

بتاريخ العاشر من الشهر العاشر سنة 1404 هـ ش الموافق يناير 2026 م، عُقدت في مؤسسة معصومية للتعليم العالي الحوزوي في مدينة قم جلسة علمية تناولت بالدراسة والتحليل إشكالية المهر من زاوية قانونية واجتماعية مع التركيز على ضرورة تسهيل فوريته وقابليته للدفع النقدي

وبحسب ما أفادت به شبكة الاجتهاد، فقد نُظمت هذه الجلسة العلمية بالتعاون بين المجموعة التعليمية والثقافية والاجتماعية في مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي ونيابة البحث العلمي في مؤسسة معصومية، وشارك فيها جمع من الباحثين والأساتذة، وهم حجج الإسلام والمسلمين مجيد دهقان وفرج الله هدايت نيا ومهدي سجادي أمين وغلامي، حيث قدّموا قراءات تحليلية معمّقة حول واقع المهر في القوانين النافذة والفراغات التشريعية القائمة

تركزت المداخلات على جملة من القضايا المحورية، من أبرزها التشريع المنفصل عن الثقافة المجتمعية وما يترتب عليه من كلفة عالية وضعف في الأثر، والنظر إلى المهر بوصفه قضية متعددة الأبعاد لا تختزل في الإطار الفقهي أو القانوني وحده، إضافة إلى ضرورة التفاعل المتوازن بين المعايير الحقوقية والشرعية والاجتماعية، واشتراط انسجام قوانين الأسرة مع العقلانية الاجتماعية السائدة، مع التأكيد على أن المهر التزام حال وفوري من لحظة العقد، ومناقشة حدود تدخل الدولة في أدق شؤون الأسرة، وبيان أن الزواج الدائم بات في صورته الراهنة عقداً مثقلاً بأعباء مالية كبيرة، وطرح حلول توازنية تقوم على جعل المهر متناسباً مع القدرة الواقعية وتثبيت الالتزامات ضمن وثائق قانونية مضمونة

في مداخلته، أوضح حجّة الإسلام غلامي أن مسألة فورية المهر وقابليته للدفع النقدي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز التحديات في النظام الحقوقي للبلاد، لما أفرزته من تبعات قانونية واجتماعية واسعة، مشيراً إلى أن اللائحة التي قُدمت مؤخراً إلى مجلس الشورى الإسلامي لمعالجة هذا الملف واجهت إشكالات جدية أدت إلى سحبها من جدول الأعمال، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى مقاربة علمية متأنية بعيداً عن المعالجات الانفعالية أو الجزئية

وأكد أن الوصول إلى حلول واقعية يقتضي النظر إلى المهر في إطار النظام المالي بين الزوجين، لا بوصفه التزاماً معزولاً، مشدداً على ضرورة إجراء حوارات تخصصية وتراكم معرفي تدريجي يفضي إلى نتائج أكثر دقة وقابلية للتطبيق، ومن هذا المنطلق تم تصميم سلسلة جلسات بحثية حول موضوع فورية المهر، خُصصت هذه الجلسة لدراسة أبعاده القانونية، على أن تتناول الجلسات اللاحقة الجوانب النفسية والفقهية والتاريخية وسائر الحقول المرتبطة بالموضوع

كما عبّر المتحدث عن اعتزازه بانعقاد هذه الجلسة بحضور نخبة من المختصين، منهم حجّة الإسلام فرج الله هدايت نيا أستاذ معهد الثقافة والفكر الإسلامي وعضو الهيئة الوطنية للمرأة والأسرة، وحجّة الإسلام مجيد دهقان معاون البحث العلمي في مركز الفقه والمعارف الإسلامية وعضو الهيئة التدريسية بكلية المرأة والأسرة في جامعة الأديان والمذاهب، وحجّة الإسلام مهدي سجادي أمين عضو الهيئة التدريسية في مركز أبحاث المرأة والأسرة

وفي سياق الحديث التأسيسي، أشار غلامي إلى ثلاث نقاط محورية، الأولى أن سيرة أهل البيت عليهم السلام قولاً وفعلاً تؤكد بوضوح على دفع المهر نقداً وفوراً، غير أن الواقع الاجتماعي المعاصر يشهد تباعداً ملحوظاً بين هذا النهج الأصيل والممارسة الشائعة، حيث بات المهر في الوعي العام يُنظر إليه بوصفه التزاماً مؤجلاً لا حقاً حالاً

والنقطة الثانية أن هناك فجوة واضحة بين فلسفة تشريع المهر في الإسلام والتصور الاجتماعي السائد اليوم، إذ قدّمته النصوص الدينية على أنه هدية وصداق، ورمز للصدق والمودة في بداية الحياة الزوجية، بينما تحوّل في الذهنية العامة إلى أداة ضمان أو وسيلة ضغط في النزاعات الزوجية، الأمر الذي دفع بعض الخبراء القانونيين، ولا سيما من النساء المختصات، إلى التحفظ على أي تعديل يُخشى أن يُفهم منه تقليص لما يعد من الحقوق القليلة المتاحة للمرأة

أما النقطة الثالثة فتتعلق بالبعد التاريخي للمسألة، حيث تشير الشواهد إلى أن المجتمع الإيراني قبل العصر القاجاري كان يتعامل مع المهر بوصفه مستحقاً نقدياً، ولم يظهر الفهم المؤجل للمهر على نطاق واسع إلا منذ منتصف العهد القاجاري، كما تكشفه عقود الزواج التاريخية، وعلى الرغم من حاجة هذا المجال إلى مزيد من البحث، إلا أن النظرة النسيئة إلى المهر تبدو ظاهرة حديثة نسبياً في تاريخ إيران

وأضاف أن المقارنات مع مجتمعات شيعية أخرى كلبنان والعراق وباكستان تظهر أن المهر فيها غالباً ما يُدفع نقداً في بداية الحياة الزوجية، ويؤدي دور الدعم الاقتصادي الأولي للمرأة، بعيداً عن الأرقام المبالغ فيها أو الاستخدامات الرمزية الوهمية، كما تؤكد تقارير باحثين دوليين أن المهر في تلك المجتمعات لم يتحول إلى أداة صراع أسري بل حافظ على وظيفته الطبيعية في تعزيز الاستقرار العائلي

وختم غلامي حديثه بالتأكيد على أنه إذا كان المهر في المجتمع الإيراني قد انحرف عن مساره الطبيعي وأفضى إلى ظواهر مقلقة مثل سجن الرجال واضطراب بنية الأسرة وارتباطه بتقلبات السوق وأسعار الذهب والعملات، فإن من الضروري إخضاع هذه الظاهرة لقراءة نقدية علمية جادة وتشخيص دقيق، موضحاً أن هذه الجلسات لا تهدف إلى إصدار أحكام نهائية بقدر ما تسعى إلى فتح أفق للحوار العلمي، وأن مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي يرحب بجميع الآراء النقدية والمقترحات التخصصية التي تسهم في بلورة حلول أكثر عدلاً وواقعية

قال حجّة الإسلام دهقان: قبل الدخول في الاستدلالات وطرح الأفكار، قد يكون من المفيد أحيانًا أن نلجأ إلى التصوير الذهني والخيال؛ لنتصوّر مجتمعًا إسلاميًا تتوافر فيه هذه الخصائص نفسها، ولكن من دون أن تتحوّل مسألة معيّنة إلى معضلة. عندئذ، أيّ صورة للواقع ستتشكّل أمامنا؟

لقد أجرينا دراسة حول المهاجرين المسلمين الشيعة في إحدى الدول الأوروبية، وتركّز اهتمامنا على أولئك الذين عاشوا في ذلك البلد لسنوات طويلة، وينتمون في الغالب إلى شرائح نخبويّة ومتأثّرة بموجات الحداثة والعولمة، وقد اختبروا أنماطًا مختلفة من الحياة الأسرية عمّا هو سائد في إيران.

ومن خلال دراسة أوضاع عدد من هذه الأسر، تبيّن أنّ المهر لم يعد لديهم عاملًا حاسمًا كما هو متداول في بعض المجتمعات، ولم تعد المهور الثقيلة جزءًا من ممارساتهم اليومية. ولا سيما في الظروف التي تكون فيها إمكانيات الزواج الرسمي أو تشكّل العلاقات وفق الأعراف المحلية محدودة، فقد نشأت زيجات قامت على مهور معقولة ومدفوعات متعارف عليها، وأسهم ذلك في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي في الحياة الزوجية.

وتشير هذه الشواهد إلى أنّ دراسة مثل هذه التجارب يمكن أن تكون إحدى الوسائل لفهم الاتجاهات المقبلة واستشراف تحوّلات المجتمع.

أما النقطة التي أودّ التطرّق إليها بعد ذلك، فهي متعلّقة بعملية صنع السياسات والتشريع. فعندما نرغب في سنّ قوانين في مجال لم يكن متجذّرًا بعمق في الحياة اليومية أو في الأعراف الثقافية للأمّة، يمكن الاكتفاء بالمقاربات الفنية والتنظيمية البحتة، كما هو الحال في بعض القضايا المصرفية أو شؤون الشيكات، التي وإن كانت لها خلفيات اجتماعية، فإنّها أقلّ تعقيدًا وتشابكًا تاريخيًا من مجال الأسرة.

لكن في المجالات التي تفيض بالأعراف الاجتماعية والثقافية الراسخة منذ قرون، فإنّ التشريع المجرّد، من دون فهم النسيج الثقافي الاجتماعي الذي تتحرّك ضمنه تلك الظواهر، لا يكون عديم الأثر فحسب، بل قد يقود إلى مسارات خاطئة ونتائج غير مقصودة.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التوقّف عند ما يجري في العلاقات اليومية ولغة الناس المتداولة، من الأمثال الشعبية إلى العبارات التي تُقال في جلسات الخطبة والتعاملات العادية. فبعض المقاربات الحقوقية أو الفقهية ترى أنّ المعيار الوحيد هو الأحكام الشرعية أو النصوص القانونية، وأنّ ما يجري بين الناس لا يحمل قيمة قانونية. غير أنّني أوجّه نقدًا لهذا التصوّر، لأنّ ما استقرّ في وعي الناس وسلوكهم هو انعكاس لعقلانيتهم العملية، وهي عقلانية تنتج قواعد السلوك في الحياة اليومية، وتؤثّر مباشرة في الزواج والطلاق ومعايير اختيار شريك الحياة.

وبعبارة أخرى، إذا أردنا التدخّل في النظام الواقعي وفي سياق الحياة الاجتماعية، فلا بدّ من فهم منظومة الرموز والدلالات الثقافية، والوصول من خلال الأمثال والتصرّفات الاجتماعية إلى تلك العقلانية الحاضرة في صلب حياة الناس والمؤثّرة في أفعالهم.

فعلى سبيل المثال، فإنّ عبارة شائعة مثل القول إنّ المهر لا يُدفع ولا يُؤخذ، ليست مجرّد تعبير عامّي عابر، بل تعكس نمطًا من عدم الثقة أو العزوف عن الاتّكاء على الضمانات الرسمية، وهو نمط تشكّل داخل بنية ثقافية واجتماعية معيّنة.

وكذلك، إذا افترضنا زوجين يعيشان في بيت أهل الزوج، ثمّ تُقدم الزوجة على المطالبة بمهرها، فإنّ هذا الفعل في كثير من السياقات الثقافية لا يُفهم على أنّه مطالبة بحقّ قانوني، بل يُنظر إليه بوصفه إعلان مواجهة أو إخلالًا بالنظام الأسري، ويستتبع ردود فعل حادّة وغير مرغوبة. وهذه الردود ليست عاطفية خالصة، بل تنطلق من منطق ثقافي ينبغي فهمه بدقّة ليؤخذ بالحسبان في عملية صنع السياسات.

كما يجب الالتفات إلى المعنى الثقافي والاجتماعي للمهر؛ ففي كثير من المجتمعات التقليدية يُعدّ المهر علامة على احترام المرأة ورأسمالها الاجتماعي، ودليلًا على مكانتها ومنزلتها داخل الأسرة. ومن ثمّ، عندما تطالب المرأة بمهرها أثناء الحياة الزوجية، يُفسَّر هذا السلوك في بعض البيئات على أنّه إهانة شديدة للزوج ولعائلته، وتترتّب عليه تبعات اجتماعية ثقيلة.

ومن جهة أخرى، في الظروف التي تكون فيها إمكانات الطلاق أو إنهاء العلاقة بيد الرجل بدرجة أكبر، وتكون أمام المرأة سبل أقلّ للخروج أو التعويض، يتّجه المجتمع تلقائيًا إلى فرض مهور مرتفعة، بوصفها ضمانة اجتماعية وآلية لتعويض اختلال موازين القوّة. وبهذا المعنى، حتى لو اقترح النظام القانوني حلولًا مختلفة لتحقيق التوازن، فإنّ الثقافة والمجتمع سيبحثان عن طرائق بديلة لإقامة نوع من التوازن الاجتماعي، إلى أن يرسخ ذلك التوازن في الوعي الجمعي ويُقبل اجتماعيًا.

وفي هذا الإطار، لا بدّ من الالتفات أيضًا إلى البعد الشرعي للمهر. فمن المنظور الفقهي، يُعدّ المهر تكليفًا ماليًا ودينًا في ذمّة الزوج وواجبًا ماليًا ثابتًا عليه، ولذلك ينبغي أن تؤخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في أيّ دراسة حقوقية أو فقهية، وأن تُناقش بدقّة ومسؤولية.

وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يُفهم هذا الحق على أنّه أداة لتحويل المرأة إلى وسيلة أو الحطّ من شأنها، بل هو حقّ وُضع لضمان كرامتها وأمنها الاقتصادي في بداية الحياة المشتركة أو عند انتهائها. وأيّ تشريع أو سياسة عامة ينبغي أن تحترم هذا المعنى، وأن تمنع أشكال الضغط التي قد تُمارس على النساء لإجبارهنّ على التنازل عن حقوقهنّ أو التخلّي عنها.

إنّ مسألة المهر ذات أبعاد متعدّدة ثقافية واجتماعية وفقهية وحقوقية، وعلى المشرّع وصانع القرار أن يراعي هذا التعقيد والتداخل عند معالجتها.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل المهر هو سند مالي يحفظ للمرأة مكانتها وأمانها، أم مجرّد هدية رمزية لا وزن لها في الواقع الاجتماعي؟

المعيار الحقوقي والمعيار الشرعي والمعيار الاجتماعي

إنّ تغيير الأوضاع القانونية من دون فهم البنية الثقافية والعقلانية العملية السائدة بين الناس قد لا يفضي إلى النتائج المرجوّة، بل قد ينتهي إلى عكس المقصود. ولذلك، لا بدّ قبل أي قرار استراتيجي من الالتفات إلى البحوث البينية، والحوار السوسيولوجي، والدراسات المقارنة، كي تكون السياسات المعتمدة منسجمة مع الواقع الاجتماعي، وفي الوقت نفسه عادلة ومنسجمة مع الضوابط الشرعية.

نحن نواجه في الواقع ثلاثة أنماط من المعايير التي تحكم السلوك الاجتماعي. هناك المعيار الحقوقي، وهو ما يقرّه القانون في كل مرحلة زمنية. وهناك المعيار الشرعي المستمد من الأحكام الدينية. وهناك المعيار الاجتماعي الذي يتشكّل في العرف والثقافة العامة. هذه المستويات الثلاثة لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تتفاعل فيما بينها لتنتج نوعًا من العقلانية الجمعية الحاكمة على المجتمع.

في مجتمعنا، بوصفه مجتمعًا دينيًا، يسود الميل إلى النظر إلى المهر على أنّه دين في ذمّة الزوج. ومن هنا لا ترى العائلات في أصل المهر إشكالًا جوهريًا، لأنّها تفهمه باعتباره دينًا، والدَّين بطبيعته يحمل معنى الضمان والاستمرار. ووفق هذا الفهم، يصبح التركيز على الدفع النقدي للمهر أمرًا قليل المعنى، لأنّ المهر إذا دُفع نقدًا فقد أُدّي الدين ولم يبق له أثر ضامن في مسار الحياة الزوجية. أمّا إذا بقي دينًا، فإنّه يستمر بوصفه ضمانة قائمة طوال الحياة المشتركة.

بهذه الطريقة، يلتقي المعيار الشرعي مع المعيار الاجتماعي ويتداخلان ليشكّلا عقلانية واحدة مشتركة. ثم تأتي الثقافة لتضيف طبقة أخرى من المعنى، فتُنتج عبارات متداولة في اللغة العامية من قبيل القول إنّ المهر لا يُعطى ولا يُؤخذ، وهي عبارات لا تعبّر عن مزاح لغوي، بل تنقل رسالة واضحة مفادها أنّ الأثر الضامن للمهر لا يتحقّق بالدفع النقدي، بل ببقائه دينًا قائمًا في الذمّة. وبهذا المعنى، يعمل المعيار الاجتماعي جنبًا إلى جنب مع المعيار الشرعي، ليشكّلا معًا عقلانية راسخة ومتداولة في المجتمع.

ومن هنا يتّضح أنّ التقنين الذي لا يستند إلى فهم العقلانية الاجتماعية والثقافية محكوم بعدم النجاح. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا أردنا التدخّل في هذه العقلانية السائدة، فكيف ينبغي أن يكون ذلك؟

إذا انطلقنا من فرضية أنّ هذه العقلانية لا شرعية لها، وأنّها مجرّد خرافة أو ظاهرة عابرة، ثم بادرنا إلى التدخّل القانوني المباشر، فإنّ النتائج تكون في الغالب متوقّعة. إذ ستدخل القوانين ومفاهيمها وآثارها في حالة تصادم مع هذه العقلانية، ومع مرور الوقت تُهمَّش تلك القوانين أو تُفرَّغ من مضمونها، في حين يجد المجتمع طرقًا أخرى لإعادة إنتاج المنطق الثقافي نفسه بوسائل مختلفة.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت العقلانية السائدة في المجتمع لم تتغيّر، وأصرّ المشرّع على تغيير مقدار المهر أو آليات تحصيله بالقوة القانونية، فإنّ العقلانية الاجتماعية ستبتكر مسارات جديدة للحفاظ على الأثر الضامن للمهر، حتى لو اقترح القانون طريقًا مغايرًا. وبعبارة أخرى، فإنّ المجتمع يملك قدرة ذاتية على خلق آليات بديلة توصله إلى النتيجة التي يراها مناسبة، ولو خالفت الصيغة القانونية المطروحة.

من هنا تأتي أهمية التأكيد على أنّ التدخلات الحقوقية والقانونية، على الرغم من ضرورتها، لا تكفي وحدها للوصول إلى تقنين ناجح. فهذه التدخلات يجب أن تُصاغ ضمن رؤية بينية، بحيث يراعي القانوني عند اقتراح الحلول، إلى جانب الاعتبارات الفقهية والحقوقية، المعاني الاجتماعية والدلالات الثقافية السائدة. ولا يمكن الادّعاء بفعالية أي حل قانوني ما لم يكن مقبولًا وقابلًا للتطبيق داخل السياق الثقافي والاجتماعي.

وعليه، فإنّ أي عملية تشخيص للخلل ينبغي أن تبدأ بتحديد مصدر المشكلة بدقة. فهل تكمن الإشكالية في أنّ المعيار الاجتماعي القائم غير صحيح، وأنّ المهر لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه ضمانة لاستمرار الحياة الزوجية؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنّ التركيز الحصري على المهر لا يكفي، بل ينبغي إعادة النظر في قوانين الطلاق، وفي سبل خروج المرأة من الحياة الزوجية، وتصميم حلول واقعية ومعقولة تتيح لها الأمان والعدالة.

وقد يكون الحل، في المقابل، مرتبطًا بتحوّلات أوسع ورؤية أشمل تتطلّب مزيدًا من البحث والدراسة المتعمّقة. وفي جميع الأحوال، تُظهر هذه المناقشات أنّ أي تقنين في مجال الأسرة، ولا سيما في مسألة المهر، إذا لم يستند إلى فهم دقيق للعقلانية الاجتماعية والثقافية السائدة، فلن يفضي إلى النتائج المرجوّة.

ومن هنا، فإنّ الطريق الصحيح يمرّ عبر اعتماد البحوث البينية، والتشخيص الدقيق لمكامن الخلل، وتصميم حلول تجمع بين المشروعية الفقهية والحقوقية من جهة، وقابلية القبول والتطبيق في الواقع الاجتماعي من جهة أخرى.

حجّة الإسلام هدايت نيا: إنّ مصطلح «نقديّة المهر» في الأساس ليس مصطلحًا حقوقيًا، ولا يحتلّ موقعًا واضحًا في الأدبيات الفقهية أو القانونية. ومن هنا، ولتجنّب سوء الفهم، لا بدّ من تحديد المقصود بدقّة من هذا التعبير، وبيان ما إذا كان يمكن توظيفه ضمن الأطر الحقوقية والقانونية أم لا.

في البداية، ينبغي توضيح الموقع الحقوقي لالتزام الزوج بتسليم المهر. فما هو توصيف هذا الالتزام من الناحية القانونية؟

التزامات مالية في حقوق الزوجين

بصورة عامّة، تُقسَّم الالتزامات المالية في القانون إلى نوعين. إمّا أن تكون التزامات حالّة، أي يجب أداؤها فور المطالبة بها. وإمّا أن تكون التزامات مؤجَّلة، أي يُحدَّد لها زمان أو أجل خاص للأداء.

والتزام الزوج بدفع المهر، من حيث الأصل وبالإطلاق، يُعدّ التزامًا حالًّا. وهذا يعني أنّ الزوجة تملك حقّ المطالبة بمهرها بمجرد وقوع عقد الزواج، ما لم يُشترط أو يُتّفق على خلاف ذلك.

وعليه، فالأصل أنّ المرأة تملك حقّ المطالبة بالمهر فور إجراء العقد. والنقطة محلّ البحث في هذه الجلسة هي: هل يمكن تغيير هذه القاعدة؟

بعبارة أخرى، هل يمكن تنظيم المهر على نحو تُغيَّر فيه كيفية إلزام الزوج بالدفع؟ كأن يُفرض الدفع النقدي الفوري، أو تُوضع قيود أخرى على طريقة الوفاء؟

من الناحية الحقوقية، يمكن تغيير هذا الوضع عبر طريقين. الطريق الأول هو الشرط ضمن العقد، أي أن تشترط الزوجة عند إبرام عقد الزواج أن يلتزم الزوج بدفع المهر في مجلس العقد نفسه. وهذا الأسلوب لا إشكال فيه قانونيًا، كما أنّ العكس منه شائع عمليًا، إذ قد يشترط الزوج تأجيل دفع المهر إلى حين قدرته المالية.

وعليه، فكما يُقبل شرط التأجيل، يُقبل أيضًا شرط التعجيل من الناحية القانونية.

الطريق الثاني، وهو الأهم، يتمثّل في التقنين. أي أن يأتي المشرّع، بغضّ النظر عن إرادة الطرفين، ويضع قاعدة إلزامية تُوجب على جميع الأزواج دفع المهر فور انعقاد عقد الزواج. وفي هذه الحالة، لا يعود هناك حاجة إلى شرط ضمن العقد، بل تصبح هناك قاعدة قانونية عامة تُلزم الجميع.

لكن هنا تبرز إشكالية أساسية. فعندما يضع المشرّع مثل هذه القاعدة، فإنّه يتدخّل في مجال العلاقات الخاصة بين الزوجين، ويُقيّد مبدأ حاكميّة الإرادة.

فالأصل في قانوننا المدني، وهو أصل متجذّر في الفقه أيضًا، أنّ أطراف العقد يحدّدون بحرّية شروط العقد ومضامينه، ما لم تكن مخالفة للشرع أو القانون. وبالتالي، إذا جاء المشرّع وقال من دون مراعاة إرادة الطرفين إنّ المهر يجب أن يُدفع نقدًا في لحظة العقد، فإنّ ذلك يُعدّ تدخّلًا من الدولة في المجال الخاص للأسرة.

أنواع تدخّل الدولة في حقوق الأسرة

في حقوق الأسرة، يمكن أن يكون تدخّل الدولة على نحوين. إمّا تدخّلًا حمائيًا، أي وضع قواعد تهدف إلى حماية الأسرة. وإمّا تدخّلًا مقيِّدًا، أي تقييد إرادة الطرفين وحريتهما التعاقدية.

ويمكن ملاحظة نماذج من هذا التدخّل المقيِّد في القوانين النافذة، مثل اشتراط موافقة الدولة على زواج المرأة الإيرانية من رجل أجنبي، أو القيود المفروضة على ممارسة ولاية الأب على البنت القاصر. فهذه أمثلة على تدخّل الدولة، لا مجرّد دعم أو حماية.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا أرادت الدولة وضع قاعدة تُلزم بالدفع النقدي الفوري للمهر، فهل يُعدّ هذا الإجراء من باب الحماية أم من باب التدخّل؟

وإذا كان تدخّلًا، فما هو مبرّره؟ الجواب الحقوقي هو أنّ مثل هذا التدخّل لا يمكن تبريره إلّا في حالتين. إمّا من باب الضرورة وفي إطار الأحكام الثانوية، أو من باب المصلحة العامّة ضمن الحكم الحكومي.

فعلى سبيل المثال، حين طُرحت في السابق مسألة تحديد سقف للمهور، كان ذلك أيضًا نوعًا من التدخّل. وقد بُرّر حينها بضرورات اجتماعية، مثل كثرة الدعاوى القضائية، والضغوط الاقتصادية، والمشكلات الناشئة عن المهور المرتفعة. وفي مثل هذه الظروف، يُقال إنّ وجود الضرورة يجيز للدولة التدخّل وفرض قيود معيّنة. وكذلك قد تقتضي المصلحة العامّة أحيانًا تدخّل الدولة على هذا النحو.

ومع ذلك، يبقى الأصل الأوّلي ثابتًا، وهو أنّ التزام الزوج بالمهر التزام حالّ، وللمرأة حقّ المطالبة به منذ البداية. وكثير من النساء لا يمارسن هذا الحقّ عمليًا، لكن وجوده يبقى قائمًا بوصفه ضمانة. أمّا إذا أردنا تحويل هذا الالتزام إلى إلزام نقدي عام، أي فرض الدفع الفوري على جميع الأزواج، فإنّ هذا الإجراء يُعدّ تقييدًا لإرادة الأطراف، ويحتاج إلى تبرير حقوقي قوي.

وبناءً على ذلك، يمكن تلخيص الموقف الحقوقي في النقاط التالية. أولًا، إنّ التزام الزوج بالمهر في أصله التزام حالّ، وللمرأة حقّ المطالبة الفورية. ثانيًا، إنّ إلزام هذا الالتزام بالدفع النقدي العام يُعدّ تدخّلًا من الدولة في المجال الخاص للأسرة. ثالثًا، إنّ مثل هذا التدخّل لا يكون مبرّرًا إلّا إذا استند إلى ضرورة تندرج ضمن الأحكام الثانوية، أو إلى مصلحة عامّة في إطار حكم حكومي.

وهذا الإطار يمثّل أساسًا مناسبًا للتحليل الحقوقي لهذه المسألة، وينبغي أن تُبنى عليه أي قرارات تقنينية محتملة، مع مراعاة هذه الاعتبارات بدقّة.

حجة الإسلام سجادي أمين: لقد اعترفنا بنوعين من الزواج في النظام القانوني للبلاد. الأول هو الزواج المؤقت، والذي رغم مشروعيته الشرعية والقانونية، إلا أن حقوق المرأة فيه لا تُؤمن بشكل كافٍ، وأساساً لم تُبنَ فلسفة الزواج ووظيفته الأساسية عليه.والآخر هو الزواج الدائم، الذي يُعتبر القالب الرئيسي والمتعارف عليه للزواج في مجتمعنا.

تداعيات المهر في الزواج الدائم والمؤقت

يُعد الزواج الدائم في نظامنا القانوني زواجاً «شديد الالتزام من الناحية المالية»؛ بمعنى أن المهر حاضر فيه، و”أجرة المثل” (تعويض عن أعمال الزوجة) مطروحة، وفي بعض الظروف الخاصة، يتم إدراج شرط “تنسيف الأموال” (تقاسم الممتلكات) ضمن عقد الزواج.
مجموعة هذه الالتزامات جعلت الزواج الدائم في بلادنا مصحوباً بعبء مالي ثقيل.
هذا الوضع أدى إلى حد ما لابتعاد جزء من المجتمع عن القالب الرسمي والقانوني للزواج، والتحرك نحو علاقات تُنظم التزاماتها بناءً على توافقات شخصية.
تُعرف بعض هذه العلاقات تحت مسمى «الزواج الأبيض». وسبب الميل نحو مثل هذه العلاقات هو أن الزواج القانوني أصبح مرتبطاً بحجم هائل من الالتزامات المالية، مما يجعله صعباً أو مستحيلاً بالنسبة لبعض الشباب. هذه نقطة يجب الانتباه إليها بجدية.
ومن المسائل المهمة الأخرى في الزواج، مسألة «حق الحبس». حق الحبس يعني أن للمرأة الحق في الامتناع عن “التمكين الخاص” (المعاشرة) حتى تتسلم مهرها بالكامل.
هذه القاعدة تشبه المبدأ المعمول به في العقود المعاوضية؛ فكما أن لكل طرف في البيع والشراء الحق في الامتناع عن تسليم السلعة حتى يتسلم الثمن، فقد وضع المشرع أيضاً مثل هذا الحق للمرأة في عقد النكاح. وقد تم الاعتراف بهذا الحكم في القانون المدني.
إن وجود حق الحبس في الزواج قائم على فرضية اعتبار عقد النكاح عقداً معاوضياً، أو على الأقل «شبه معاوضي».
في حين أن هناك انتقادات جادة في الفقه والقانون تجاه هذه الفرضية؛ فالعديد من الشروط الأساسية لتحقق المعاوضة في العقود الأخرى لا توجد في عقد النكاح. بناءً على ذلك، إذا لم يكن النكاح معاوضياً بذاته، فإن آثاراً مثل حق الحبس ستكون محل تأمل. ونتيجة لذلك، يبدو من الضروري تعديل بعض مواد القانون المدني.
ولكن في الوضع الراهن، تسبب هذا الحكم القانوني في تداعيات ثقيلة. ففي الواقع، نشاهد أزواجاً شباباً يقومون بالعقد، ومباشرة تطلب الزوجة المهر وتضعه قيد التنفيذ.
وبسبب عدم قدرة الرجل على السداد نقداً، يُحكم عليه بتقسيط المهر. ومن ناحية أخرى، تمتنع الزوجة عن التمكين استناداً إلى حق الحبس.

والنتيجة أن الزوج يدفع أقساط المهر، ويدفع النفقة أيضاً، لكنه لا يستفيد من أهم آثار ومنافع الزواج، وهي التمكين وتكوين حياة مشتركة. ومع وجود هذا الوضع، لا يسمح القانون للرجل بالزواج مجدداً.

المهر؛ سند مالي للمرأة أم هدية بسيطة؟

هناك نماذج عديدة في المحاكم لرجال واجهوا ممارسة حق الحبس من قبل زوجاتهم بعد تحمل تكاليف باهظة لتوفير المنزل وأثاث الحياة، وأُجبروا في بداية حياتهم على دفع مهور ثقيلة.
والنتيجة هي مصادرة أموالهم وممتلكاتهم مثل السيارات أو الأراضي لدفع المهر. كل هذه المشكلات نابعة من هذا الهيكل القانوني الحالي الذي، رغم اعتباره مشروعاً وقانونياً، يلحق في الممارسة أضراراً جسيمة بكيان الأسرة.
رغم أن مسألة سجن المهر كانت أكثر بروزاً في الماضي وكان آلاف الأشخاص يُسجنون بسبب عجزهم عن الدفع، إلا أن التداعيات الأخرى اليوم، مثل زيادة قضايا تقسيط المهر أو الممارسة الواسعة لحق الحبس، لا تقل أهمية.
في الواقع، كلما زادت الالتزامات الحقوقية في الزواج، قلّت الرغبة فيه، وزاد الميل نحو العلاقات البديلة.
من جهة أخرى، يجب الانتباه إلى أن للمهر في التعاليم الدينية وظيفة مختلفة. يقول القرآن الكريم: «وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً»؛ أي ادفعوا المهر كهدية نابعة من المودة والمحبة. وقد تم التأكيد على هذا المعنى في سيرة المعصومين أيضاً.
ولكن في مجتمع اليوم، تحول المهر من كونه هدية رمزية إلى سند مالي واقتصادي للمرأة.
هذا التغيير في الوظيفة جعل العبء القانوني والاجتماعي للمهر يزداد كلما زاد مقداره. في مثل هذه الظروف، لم يعد من السهل نصح النساء بطلب مهر أقل، لأنهن يعتبرنه سنداً مالياً لمستقبلهن.
بناءً على ذلك، من الضروري عند تصميم القوانين والسياسات الاجتماعية أن ننتبه إلى أن وظيفة المهر في الوقت الحاضر قد اختلفت عن الماضي. فإذا كانت النظرة للمهر لا تزال كهدية رمزية، يمكن التوصية بجعل المهر خفيفاً، أما إذا كانت النظرة الغالبة في المجتمع للمهر هي باعتباره سنداً اقتصادياً، فلن تكون التوصية بتقليله مؤثرة بشكل كبير. ومن هنا، تبرز ضرورة مراجعة قوانين الزواج وإيجاد توازن بين حقوق الرجل والمرأة في هذا المجال.حجة الإسلام سجادي أمين: إن النقطة البالغة الأهمية في بحث «نقدية المهر» (كون المهر حالّاً) هي أن تتمكن النساء من الاستفادة من منافع المهر خلال حياتهن المشتركة.وهذا التأكيد موجود أيضاً في الرؤية الدينية؛ فالمهر، مهما كان مقداره، كان يُدفع في بداية الزواج لتستفيد منه المرأة طوال حياتها الزوجية. أما في الوضع الراهن، فغالباً لا يحدث ذلك. وفي الواقع، إذا أرادت المرأة الاستفادة من مهرها، فإنها تضطر عادةً للمطالبة به عبر المسار القضائي.

دفع المهر؛ نقداً أم نسيئة (مؤجلاً)؟ وإذا كان نقداً، فبأي مقدار؟

إن رفع الدعاوى القضائية للمطالبة بالمهر لا يبدأ غالباً بنية الانفصال، إلا أن هذه العملية بحد ذاتها تفرض عبئاً نفسياً ثقيلاً على الزوجين، وتدفع بالعلاقة الزوجية نحو الانهيار بشكل أو بآخر.
ولهذا السبب، فإن النساء اللواتي يوليّن أهمية للحياة الأسرية ويحرصن على الحفاظ عليها، يُحرمن عملياً من منافع المهر. ولا تستفيد منه إلا النساء اللواتي يلجأن إلى الجهاز القضائي، ولو كان ذلك على حساب الانفصال وتفكك الحياة المشتركة.
بناءً عليه، فإن إمكانية الاستفادة الحقيقية من المهر تتوفر للمرأة عندما يكون مقداره متناسباً مع القدرة المالية الفعلية أو الوشيكة للزوج.
في الماضي، كانت هذه الإمكانية متاحة؛ لأن الرجل نفسه كان يمتلك القدرة على الدفع، أو لأن الأسرة الممتدة والأب والأقارب كانوا يهبّون للمساعدة. أما في الظروف الراهنة، ومع انتشار “الأسر النواة” وتراجع دعم المحيطين، أصبحت مسؤولية دفع المهر تقع بالكامل على عاتق الزوج نفسه.
وبناءً على ذلك، فإن أحد المقترحات هو إيجاد تنوع في «وثائق الزواج». فمن المعتاد حالياً أن يوقع جميع الأفراد — بغض النظر عن وضعهم الوظيفي أو الدخلي أو نمط حياتهم — نوعاً واحداً من وثائق الزواج بشروط موحدة.
في حين أنه يمكن تصميم وثائق زواج متعددة تُنظم فيها مستويات الالتزامات، بما في ذلك المهر، بما يتناسب مع ظروف الطرفين.
وبذلك، يمكن لكل زوجين اختيار أحد النماذج المتاحة وفقاً لوضعهما الاقتصادي والاجتماعي. وهذا التنوع في الوثائق يمكن أن يمهد الطريق لتقليل الميل نحو العلاقات الخارجة عن الإطار القانوني، مثل «الزواج الأبيض».
أما السؤال المهم فهو: بالنظر إلى القدرة المالية المحدودة للشباب في بداية حياتهم، ما هو مقدار المهر الذي يمكن دفعه نقداً؟ الإجابة هي أنه يجب أخذ الحد الأدنى من القدرة الواقعية للرجل بعين الاعتبار، كعدد محدود من المسكوكات الذهبية مثلاً.
كما يمكن لاحقاً استشراف آلية إلزامية تقضي بأنه كلما تملك الزوج خلال الحياة المشتركة أموالاً (مثل منزل، أرض، أو سيارة)، يتم تسجيل جزء منها باسم الزوجة.
وبهذه الصورة، تتمتع المرأة بسند اقتصادي طوال حياتها، كما سيكون لها حصة حقيقية وملموسة في حال وقوع خلاف، بدلاً من المهور الورقية التي يصعب تحصيلها.

خطأ فادح في النظام القضائي؛ تساوي المهر لجميع النساء

من المعضلات القائمة أيضاً هي أن نظامنا القضائي يعامل جميع النساء على قدم المساواة في مسألة المطالبة بالمهر، بغض النظر عن مدة حياتهن المشتركة.
فالمرأة التي قضت عشرين عاماً في الحياة الزوجية، وربّت الأبناء، وأفنت شبابها في سبيل الأسرة، تواجه نفس الآلية في عملية المطالبة بالمهر التي تواجهها امرأة لم يمضِ على حياتها المشتركة سوى ستة أشهر.
بل إنه أحياناً يتم التعامل مع اللواتي کانت نيتهن منذ البداية هي الانفصال وتحصيل المهر، بنفس السياق والإجراءات التي تُعامل بها النساء اللواتي صمدن سنوات طويلة في الحياة المشتركة.
من ناحية أخرى، فإن إخفاء الأموال من قبل بعض الرجال يمثل مشكلة أيضاً؛ فقد يمتلك الزوج أصولاً وممتلكات لكنه يسجلها بأسماء آخرين ليخرجها من نطاق مطالبة الزوجة.
هذا الوضع ناتج عن ضعف النظام الضريبي؛ ففي العديد من الدول، يترتب على النقل الصوري (الشكلي) للأموال بأسماء الآخرين تبعات ضريبية ثقيلة، ولا يمكن القيام بذلك بسهولة.
وإذا تم تعزيز مثل هذه الآليات في نظامنا القانوني والضريبي، فسيتم القضاء على إمكانية سوء الاستخدام، وستنال الزوجة حقوقها الحقيقية.
في الوقت الحالي، تتضرر النساء من جهتين: الأولى هي أن المهر يُحدد بمبالغ طائلة في وثائق الزواج، لكن الوصول إليه في الواقع العملي صعب للغاية؛ والثانية هي أنه حتى لو كان المهر المسجل في الوثائق ثقيلاً، يمكن للزوج إخفاء أمواله لتقليل إمكانية استفادة المرأة منه.
إن الحل يكمن في تحديد مقدار المهر بناءً على القدرة الحقيقية للرجل عند بداية الزواج، مع وضع التزامات ملزمة لمستقبله في الوقت ذاته، بحيث إذا تملك أموالاً خلال الحياة المشتركة، يكون لزوجته حصة محددة منها.
علاوة على ذلك، يمكن تصميم آلية «متدرجة» (پلکانی) للمهر؛ بمعنى أن يكون لعدد سنوات الحياة المشتركة تأثير في مقدار ما تستحقه المرأة من المهر. وبذلك، فإن المرأة التي عاشت سنوات طويلة بجانب زوجها ستحظى بدعم وحصة أكبر، بينما لا يُخصص مثل هذا الامتياز للزيجات قصيرة الأمد.
هذا الأسلوب هو الأكثر انسجاماً مع العدالة، كما أنه يمنع حالات سوء الاستخدام المحتملة.

اتخاذ قرارات عاطفية للغاية بشأن المهر

النقطة المهمة التي يجب أن أشير إليها هنا هي أنه إذا دخلت امرأة في الحياة المشتركة بسوء نية منذ البداية، وكان هدفها مجرد المطالبة بالمهر والانتفاع منه، فلا ينبغي لمثل هذا الشخص أن يتمكن من المطالبة بالمهر بشكل كامل وغير مشروط؛ ذلك لأن هدفها الأساسي لم يكن قائماً على الزواج الدائم ووظائفه. وحتى لو افترضنا وجود نية صادقة للزواج في البداية، ثم غيرت رأيها في فترة قصيرة جداً، فمن غير المنطقي أيضاً أن تتمكن هذه الشخصية من المطالبة بنفس الحقوق التي تحصل عليها امرأة بعد عشرين عاماً من الحياة المشتركة، أفنت فيها شبابها وتحملت صعوبات عائلية جمة وربت عدة أبناء، وهي الآن على أعتاب الانفصال.
لهذا السبب، يمكن تصميم آلية «متدرجة» (تصاعدية) لتحصيل المهر؛ بمعنى أنه في السنوات الأولى من الحياة الزوجية، تكون نسبة محدودة فقط من المهر قابلة للتنفيذ، وكلما زادت سنوات الحياة المشتركة، تكتمل إمكانية الاستفادة من المهر تدريجياً. فعلى سبيل المثال، إذا طلبت الزوجة تنفيذ المهر في السنوات الخمس الأولى من الزواج، لا يحق لها إلا تحصيل نسبة مئوية منه، وفي غضون عشر أو خمس عشرة سنة تالية، تزداد هذه النسبة لتصل في النهاية إلى الحد الأقصى الكامل. مثل هذا النموذج سيمنع سوء الاستخدام من جهة، ويقيم نوعاً من التوازن بين حقوق الزوج والزوجة من جهة أخرى.
في الظروف الراهنة، غالباً ما يتم اتخاذ القرار بشأن المهر في أجواء عاطفية للغاية. فشباّبنا في فترة الخطوبة ومراسم العقد، التي تمثل ذروة العلاقات العاطفية بين الفتاة والفتى، يضطرون لاتخاذ قرار بشأن أهم التزام اقتصادي في حياتهم. في مثل هذه الظروف، إذا حدثت مساومات كثيرة حول عدد المسكوكات أو مقدار المهر، فقد يتولد انطباع بأن أحد الطرفين لا يكنّ للآخر المودة والمحبة الكافية.
لهذا السبب، يقرر العريس الشاب أحياناً — لإظهار حبه أو خوفاً من اتهامه بالجفاء — قبول جميع الشروط فجأة والتوقيع على وثيقة تبلغ أعباؤها المالية عدة مليارات من التومان، دون أي حسابات اقتصادية أو ضمانات متبادلة. وفي الواقع، فإن أهم التزام مالي في حياته يتشكل في مناخ يقع طبيعياً تحت تأثير العواطف، ويغيب عنه التعقل الاقتصادي. لذا فإن كيفية إدارة هذا القرار المالي بحد ذاتها تتطلب آلية مستقلة ودقيقة.

يجب علينا تغيير رؤيتنا البنيوية لعقد النكاح

أما النقطة الأخيرة التي يجب أن أؤكد عليها هي أننا إذا أردنا إصلاح القوانين المتعلقة بالمهر، فمن الضروري أن نغير رؤيتنا الأساسية والعميقة لعقد النكاح.
في الوقت الحاضر، الرؤية الغالبة هي أن عقد النكاح نوع من «عقود المعاوضة»؛ وكأن المهر يوضع في كفة مقابل التزامات الرجل في الكفة الأخرى. بينما النكاح، بمعناه القانوني الدقيق، ليس عقد معاوضة (مقايضة). وإذا تم إصلاح هذه الرؤية، فإن الكثير من الأحكام الفرعية مثل «حق الحبس» ستُعدّل أو حتى تُلغى.
حالياً، يوجد في محاكم الأسرة ذراعان (أداتان) للضغط: الأولى هي «حق الطلاق» للرجل، والثانية هي «المهر» للمرأة.
تعمل هاتان الأداتان في الواقع العملي كأوراق ضغط متبادلة، وهما مصدر الكثير من النزاعات القانونية والأسرية. فإذا اقتصر إصلاح القوانين على تقليل دور المهر فقط، دون إعادة النظر في حق الطلاق للرجل، فسيختل التوازن بين هاتين الأداتين وتصبح المرأة في موقع أكثر ضعفاً. لذا، يجب أن يهدف أي إصلاح إلى إيجاد توازن حقيقي بين الطرفين.
والواقع هو أنه في النظام القضائي الحالي، وخلافاً لما كان يقال في الماضي بأن «المرأة تذهب إلى بيت زوجها بالرداء الأبيض وتخرج منه بالكفن الأبيض»، لم يعد هذا الأمر صادقاً. اليوم، تستطيع النساء في حالات كثيرة الخروج من الحياة المشتركة من خلال شروط ضمن العقد، أو بالاستناد إلى “العسر والحرج”، أو بموجب حكم المحكمة.
بناءً على ذلك، ورغم أن حق الطلاق يبدو في الظاهر بيد الرجل، إلا أن النساء أيضاً يمتلكن طرقاً قانونية للوصول إلى الانفصال. فإذا ظل المهر في ظل هذه الظروف أداة ضغط بيد المرأة، فإنها تستطيع عملياً استخدام حق الطلاق (عبر القضاء) واستلام المهر كاملاً في آن واحد.
وقد أدى هذا الوضع في بعض الحالات إلى سوء استخدام؛ حيث انتفعت بعض النساء من مهورهن بعد عدة زيجات وطلاقات متتالية. هذه الظاهرة هي إحدى التبعات القانونية والاجتماعية للنظام الحالي التي يجب دراستها بعناية.
من هذا المنطلق، إذا أردنا تجنب الإفراط والتفريط، يجب أن نبحث عن تصميم آلية تحافظ على التوازن بين حقوق وواجبات الزوجين.
لا ينبغي التصرف بطريقة تجرد الرجل من سلاحه تماماً وتضعه تحت طائلة التزامات مالية لا يملك أساساً القدرة على دفعها. فعلى سبيل المثال، الرجل الذي ليس لديه أي خبرة اقتصادية وهو في بداية حياته، لا ينبغي أن يُفاجأ فجأة بمهور ثقيلة تصل إلى مئة أو مئتي مسكوكة ذهبية. إن مثل هذا العبء المالي ليس عقلانياً ولا يمكن تصوره لشخص في تلك الظروف.

لهذا السبب، فإن أحد الحلول العملية هو تحديد المهر في بداية الزواج بناءً على القدرة الفعلية أو الوشيكة للرجل؛ ولكن في الوقت نفسه، تُدرج في وثيقة الزواج «التزامات ملزمة». فعلى سبيل المثال، إذا قام الزوج بشراء منزل في المستقبل، يكون ملزماً بنقل ملكية نصفه لاسم زوجته، أو تخصيص نسبة مئوية من ملكية الأصول الأخرى كالسيارة والأرض لزوجته.
هذا النموذج في الواقع العملي أكثر عقلانية وكفاءة من تحديد أرقام فلكية لا يمكن تحقيقها أبداً. إن مثل هذا التوجه يمكن أن يكون أقرب إلى العدالة، ويوفر للمرأة إمكانية الاستفادة الحقيقية من سند اقتصادي ملموس.
*حجة الإسلام دهقان:* أحياناً يطرح علماء الاجتماع وجهات نظرهم، لكن هاجسي هو أننا إذا أردنا الدخول في مجال رسم السياسات والتشريع، يجب أن نعرف ما هي الإمكانات المتاحة لنا فعلياً.
ولتوضيح المطلب، سأضرب مثالاً بسيطاً. افترضوا أننا سنّينا قانوناً يقضي بضرورة دفع المهر نقداً.

تداعيات عبارة «إلزامية الدفع النقدي للمهر»

السؤال الآن هو: هل يؤدي مجرد التشريع إلى التزام الناس بالسلوك المطلوب فوراً؟ الإجابة واضحة: لا. فالناس لا يتصرفون وفقاً لما نكتبه نحن في القانون، بل ينظمون سلوكهم بناءً على القانون فقط في الحالات التي يُجبرون فيها على ذلك
مثالٌ أكثر وضوحاً: عندما يكون هناك حد أقصى للسرعة يبلغ ثمانين كيلومتراً على أحد الطرق، فإن الشخص لن يلتزم بهذا الحد ما لم يقتنع بأن القيادة بسرعة تتجاوز الثمانين تشكل خطراً.
هو يخفف سرعته فقط في الأماكن التي توجد بها كاميرات مراقبة، ولكنه قد يقود بسرعة مئة وعشرين على طريق يخلو من الكاميرات. وهذا يعني أن القانون يؤثر فقط حيثما وجد إجبارٌ خارجي، وليس لأنه تم «استبطانه» (تمثّله داخلياً) لدى الفرد.
والآن، إذا قلنا بأن «الدفع النقدي للمهر إلزامي»، فلا ينبغي أن نتوقع أن يقوم جميع الرجال بدفع المهر نقداً منذ اليوم التالي لإقرار القانون.
ما الذي سيحدث في الواقع العملي؟ سيقول الرجل: «أنا لست مهتماً بالدفع النقدي، والزوجة عادةً لا تطالب بالدفع النقدي؛ إذاً سننتظر حتى ترفع هي دعوى قضائية وتدخل في المسار القانوني.» وهذا يعني أن الدفع النقدي لن يكون سلوكاً طوعياً، بل مجرد رد فعل تجاه الإجبار القانوني.
حتى لو وضعنا آليات مثل إلزامية تسجيل العقارات باسم الزوجة، ستظهر أيضاً قيود كثيرة. فمثلاً الرجل الذي لا يملك منزلاً أو سيارة سيقول: «ليس هناك شيء مسجل باسمي خلال السنوات العشر القادمة، لذا لن يتم دفع المهر فعلياً.» لذلك يجب أن ننتبه إلى سبب وجود مثل هذه القيود، وإلى أي مدى تتوفر إمكانية التحقق الفعلي.
أنا بالطبع لا أريد الوصول إلى نتيجة مفادها أن أي نوع من رسم السياسات أو التشريع في هذا المجال هو أمرٌ غير مجدٍ. بل إن نقطتي الأساسية هي وجوب معرفة الإمكانات والقدرات الواقعية لعملية رسم السياسات.

مساران مهمان في رسم السياسات المتعلقة بمجال المهر

هناك مساران في رسم السياسات:

الأول: وضع قاعدة نتوقع من الناس أن يتقبلوها كمعيار داخلي (مستبطن) ويتصرفوا بناءً عليها. هذا المسار لا يكتب له النجاح إلا إذا تغير “التعقل الاجتماعي” واقتنع الناس أنفسهم بصوابية تلك القاعدة. فإذا لم يحدث هذا التغيير الثقافي، سيحاول الناس ببساطة ضبط سلوكهم بطريقة لا تُعد مخالفة صريحة للقانون، لكنهم في الممارسة العملية سيستمرون على نهجهم السابق. إن إلزامية الدفع النقدي للمهر هي من هذا النوع تماماً؛ أي أنها ستؤدي إلى نوع من «التحايل» والالتفاف على القانون بدلاً من إحداث تغيير حقيقي في السلوك.

أما المسار الثاني، فهو عندما يحتاج الناس إلى تدخل السلطة (الدولة)؛ أي عندما يتطلب الوصول إلى مطالبهم متابعةً قانونية. في هذا المجال تحديداً، يمكن لرسم السياسات أن يلعب دوراً حقيقياً. هنا لا يقتصر الأمر على الجانب الثقافي البحت، بل يحين دور القواعد الملزمة والآليات القضائية.
لذا، أؤكد أننا بحاجة إلى تصميم «نموذج حديث». هذا النموذج يجب أن يحدد بوضوح إمكانات التشريع، ويوجهنا نحو نوع خاص من السياسات القانونية.
ثمة نقطة أخرى تحظى بأهمية بالغة، وهي ضرورة الالتفات إلى «تنوع الأسر». فلا ينبغي المساواة بين جميع الأسر ضمن حكم واحد وموحد. فعلى سبيل المثال، إذا تم إقرار قانون ينص على أن الملاحقة الجزائية (الجنائية) ممكنة فقط حتى سقف 14 مسكوكة ذهبية، فإن هذا لن يكون عادلاً لجميع الأسر.
لماذا يجب على أسرة ثرية، يمتلك فيها الزوج قدرة مالية عالية وتقتضي المكانة الاجتماعية للفتاة قدراً أكبر، أن تحظى بالحماية القانونية في حدود 14 مسكوكة فقط؟ في حين قد يكون الحصول على 50 مسكوكة في هذه الأسرة أمراً متناسباً ومنطقياً تماماً.
بناءً عليه، يجب علينا في عملية التشريع مراعاة تقاطع المعايير الثلاثة: «الشرعية، والاجتماعية، والقانونية»، مع الاهتمام في الوقت نفسه بالفوارق بين الأسر. فلا ينبغي فرض السياسة الجزائية بشكل موحد على الجميع، بل يجب تصميمها بما يتناسب مع القدرات المالية للزوج والمكانة الاجتماعية للزوجة. إن هذا التنوع في التطبيق يمكن أن يمنع الكثير من المشكلات التنفيذية والاجتماعية.

حجة الإسلام هدايت نيا:
السؤال الرئيسي هنا هو: إذا وضعنا غداً قانوناً وقلنا «يجب دفع المهر نقداً»، فهل ستُنفذ هذه القاعدة بسهولة؟ من الواضح أنه ما لم تطالب الزوجة بالمهر، فلن يلتزم الزوج بالدفع. لذا، فإن مجرد إلزامية كون المهر نقدياً ليس له وظيفة (جدوى) عملية في الواقع.
ومن ناحية أخرى، فإن هذا الإلزام ليس له أي تأثير على «حق الحبس» للزوجة أيضاً؛ وهي النقطة ذاتها التي أشار إليها الدكتور سجادي. فإذا كان من المقرر أن تحتفظ الزوجة بحق الحبس الخاص بها، فإن إلزامية كون المهر نقدياً لن تجدي نفعاً.
وهنا يجب أن نتساءل: أساساً ما هي المشكلة التي نسعى لحلها من خلال هذا الإلزام؟
هل الهدف هو أننا نريد تقييد هذا الحق لأن الزوجة قد تستخدم حقها فور العقد وأثناء الخلافات الأولية، مما يعرض الحياة الزوجية للاضطرابات، فنريد نحن الحد من هذا الحق؟
وهناك سؤال آخر يُطرح: إذا تمت المصادقة على إلزامية الدفع النقدي، ألا يصبح القانون المدني غير قابل للتنفيذ عملياً؟
لأن تلك المادة القانونية تنص صراحة على أن للزوجة الامتناع عن «التمكين» حتى تستلم مهرها. فإذا تم تحديد المهر بصفة «عند الاستطاعة»، فإن شرط التنفيذ هو إثبات مقدرة الزوج المالية.
وفي الواقع، سيكون التزام الزوج بالدفع النقدي مشروطاً بقدرته المالية، وإذا لم تثبت استطاعته، فإن حق الزوجة لن يتحقق بشكل كامل.
بناءً على هذا الحساب، يبدو أن مقترح إلزامية الدفع النقدي يسعى لحل مشكلة أخرى، وهي الحد غير المباشر من مبالغ المهور؛ ذلك لأن المهور في الواقع بدأت تتجه نحو أرقام فلكية (نجومية) بشكل متزايد. وهنا يجب أن يتضح أن الهدف من مثل هذا المشروع هو التحكم غير المباشر في مقدار المهر.
وبالطبع، يجب الانتباه إلى أن بعض النماذج المتعلقة بمطالبة عدة نساء بمهر من رجل واحد في آن واحد كانت في الغالب مجرد تضخيم إعلامي، وكانت في الواقع حالات محدودة جداً.

المهر المرتفع غير قابل للتحصيل؛ على الدولة ضمان المهور المتعارف عليها فقط

بناءً على خبرتي المباشرة في المحاكم، فإن أكثر من ثلاثة وثمانين بالمائة (83%) من السيدات اللواتي تقدمن بدعاوى لاستيفاء المهر، لم يتمكنّ من تحصيل مهورهن حتى بعد دفع رسوم التقاضي. لذا، فإن الواقع الإحصائي يشير إلى أن قضية تنفيذ المهر (إلزامية الأداء) هي مشكلة جدية للغاية.

وإذا كان الهدف هو تغيير مبالغ المهور، فلا بد من القول إن التدخل المباشر للدولة في هذا المجال يواجه دائماً مشكلات قانونية جسيمة، ومساحة المناورة لدى الدولة ليست واسعة تماماً. ومع ذلك، توجد حلول غير مباشرة يمكن تسميتها بـ «التدابير»، وسأشير إلى نموذجين منها:

الحل الأول: هو أن تحصر الدولة حمايتها للمهور في سقف معين. بمعنى أنه على الرغم من أن القانون يسمح بتحديد مهور تصل لمئات المسكوكات، إلا أن الدولة تعلن أنها تضمن وتدعم المهور فقط حتى حدٍّ معين. تماماً كما هو الحال عندما تقول الدولة: «أنا أدعم فقط المعاملات العقارية التي تم تسجيلها رسمياً»؛ فهنا، حتى لو أجريت المعاملة دون تسجيل، فإن من يريد استيفاء حقوق ملكيته لن يحصل على حماية قانونية إلا إذا كان العقد مسجلاً رسمياً. وفيما يخص المهر أيضاً، إذا طالبت المرأة بمهر ثقيل يتجاوز السقف الذي حددته الدولة، فإن الدولة تتوقف عن توفير الحماية القانونية لما زاد عن ذلك السقف، وهذا سيؤدي تلقائياً إلى خفض المهور الغالية.

الحل الثاني: هو ضمان المهور المتعارف عليها والتي تقل عن قيمة «مهر المثل». بمعنى أنه إذا كان الزوج عاجزاً عن الدفع وثبت «إعساره»، تقوم الدولة بضمان المهور التي تقل عن السقف المحدد من مواردها الخاصة — ليس على شكل قرض بنكي، بل بناءً على القواعد الفقهية التي توجب أداء الدين عن المعسر.
وهذه القاعدة لها جذور في الفقه، بل إن بعض الروايات أكدت بشكل خاص على عدم استثناء المهر من القاعدة العامة لـ «وجوب أداء الدين». وإذا نُفذت هذه السياسة، ستميل النساء بطبيعة الحال نحو المهور الأقل؛ لأنهن يعلمن أن هذا المقدار يحظى بالضمان والدعم الفعلي.

المهر المرتفع ناتج عن انعدام أمن المرأة؛ والحل في الضمان الاجتماعي

إلى جانب ذلك، يجب أن نتساءل: لماذا تطالب النساء بمهور غالية، ولماذا يوافق الرجال عليها؟
يبدو أن السبب الأهم يكمن في “انعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي” للمرأة، سواء في حالة الطلاق أو في حالة وفاة الزوج.
على سبيل المثال، أعرف حالة لامرأة لديها أطفال، عانت بعد خمس سنوات من الحياة المشتركة من حالة اضطراب وقلق شديدين بعد وفاة حماتها ودخول سائر الورثة في التركة. لقد واجهت هذه المرأة تحدياً حقيقياً في السكن؛ لأن حصة الحمات من الإرث جعلت إخوة وأخوات الزوج شركاء في العقار، مما عرض المرأة فعلياً لخطر الطرد من المنزل. مثل هذه الحالات من انعدام الأمن هي التي تدفع النساء نحو المطالبة بمهور ثقيلة.
في كثير من دول العالم، يتم حل هذه المشكلة من خلال أنظمة التأمين والضمان الاجتماعي. هناك، لا تحتاج النساء إلى الادخار عبر “المهر”؛ لأن الدولة هي الضامن لأمنهن المالي في حالات البطالة، أو الطلاق، أو وفاة الزوج. بينما في بلادنا، يؤدي غياب التغطية الشاملة للضمان الاجتماعي إلى جعل النساء يطالبن بالمهر كـ “سند مالي” للمستقبل.
لذلك، إذا ركزت الدولة على تعزيز نظام الضمان الاجتماعي بدلاً من التدخل المباشر في تحديد قيمة المهور، فإن الكثير من هذه المشكلات ستتلاشى بشكل طبيعي.
كما يمكن الإشارة إلى “الحلول التعاقدية”؛ كنموذج شرط «اشتراك الزوجين في الأموال والممتلكات» الموجود في بعض الأنظمة القانونية كما في فرنسا. ورغم أن هذا الشرط يواجه بعض التحديات في الفقه الإسلامي، إلا أنه يمكن إعادة تصميمه بدقة قانونية.
وبالمثل، طُرحت بعض العقود المبتكرة؛ مثل الاتفاق على أن يكون المهر “مسكوكة ذهبية واحدة”، ولكن في المقابل يلتزم الزوج بمنح الزوجة مسكوكة واحدة عن كل عام من الحياة المشتركة القائمة على “حسن العشرة”. وهذا يوضح أنه يمكن الاستعاضة عن زيادة المهر دفعة واحدة بآليات بديلة لتبديد المخاوف المالية للزوجة.
في الختام، يجب القول إن الجذر الرئيسي للمطالبة بمهور غالية هو قلق النساء على مستقبلهن، سواء في فرضية الطلاق أو وفاة الزوج. وهذا القلق يصبح أكثر جدية خاصة في سن منتصف العمر وبعد سنوات من الحياة المشتركة. لذا، بدلاً من محاولة تقييد المهور بشكل مباشر، من الأفضل تقليل هذه الهواجس عبر تدابير قانونية واجتماعية.

على سبيل المثال، كان إصلاح قانون الإرث في السنوات الأخيرة وإمكانية استفادة الزوجة من قيمة “الأرض والبناء” (العرصة والأعيان) خطوة مهمة في هذا الاتجاه. ويبدو أنه إذا صُممت التدابير المحيطة والحمايات الاجتماعية بشكل صحيح، فإن مسألة المهر ستخرج تلقائياً من بؤرة الاهتمام، ولن تعود هناك حاجة للمنع أو التقييد الشديد.

حجة الإسلام سجادي: من المنظور الفقهي والقانوني، تُعد المرأة “مالكاً”؛ بمعنى أنها تمتلك حق الملكية على أموالها الخاصة، كما أن عملها (اشتغالها) معترف به رسمياً.
بإمكان المرأة أن تكتسب دخلاً وتملك أموالاً خاصة بها، وفي الوقت نفسه تدخل في علاقة الزواج.
من ناحية أخرى، وبالرغم من عدم وجود قيود قانونية على خروج المرأة من المنزل، إلا أن خروجها في الفقه منوط برضا الزوج، وإن كان بإمكانها في حالات معينة التصرف بشكل مستقل.
والسؤال المطروح هنا هو: بالنظر إلى هذه الحقوق والصلاحيات الممنوحة للمرأة، لماذا لا تزال “النفقة” تقع على عاتق الرجل، وتأمين معيشة المرأة واجباً عليه؟
ما هو هدف الفقه والمشرّع من هذا الإلزام؟
الحقيقة هي أن فلسفة التأكيد على دفع النفقة تكمن في تهيئة الظروف لتركيز المرأة على الوظيفة الأساسية للزواج؛ وهي الإنجاب وتربية الأبناء براحة بال ومن دون انشغال بـهموم المعيشة.

تعدد نماذج الزواج مع حفظ حقوق المرأة والإدارة الاقتصادية للطرفين

إذا اتجه المجتمع نحو انخفاض قيمة “الإنجاب” أو صرف الأفراد النظر عن هذه المسؤولية، فبإمكان المرأة حينها تخصيص وقتها وطاقتها لأمور أخرى؛ كالعمل، أو الدراسة، أو الأنشطة الاجتماعية والثقافية. وفي الواقع، فإن النفقة وتأمين معيشة المرأة من قبل الرجل هما وسيلتان لدعم الأدوار الرئيسية والجذرية للزواج.

وبما أن نساء اليوم يتمتعن بالاستقلال الوظيفي والتعليمي، فقد خلق هذا الأمر تعقيدات جديدة. والسؤال البحثي المطروح هو: مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، ما هي القوالب وآليات الزواج التي يمكنها تغطية احتياجات المجتمع من جهة، وتحظى بدعامة فقهية وقانونية من جهة أخرى؟

في كثير من الدول، توجد نماذج متنوعة للزواج؛ فبدلاً من وجود نموذج واحد وموحد لعقد الزواج، يمكن للأفراد اختيار خيارات مختلفة بناءً على ظروفهم. تبرز أهمية هذا التنوع بشكل خاص عندما نأخذ في الاعتبار أن نساء اليوم متعلمات وعاملات، ولهن أدوار اجتماعية أكثر فاعلية مما كانت عليه في الماضي.

لذا، يجب أن تتواءم أشكال وآليات الزواج مع القدرات الفقهية والقانونية للبلاد، بما يضمن مصالح الطرفين ويحفظ حقوقهما وحرياتهما. وإذا تم الاهتمام بهذا الأمر، سيدخل الأفراد في الزواج بوعي ومعرفة أكبر، وسيكون بمقدورهم وضع توقعات منطقية بشأن الالتزامات المالية والمهر وسائر القضايا ذات الصلة.

كما يحظى الاهتمام بالأبعاد الاقتصادية والمالية للزواج بأهمية خاصة. ففي الظروف الحالية، يقع عبء التأمين المالي بشكل أساسي على عاتق الرجل، وهذا ما يجعل النساء قلقات بشأن مستقبلهن، ويميلن للمطالبة بـ مهور مرتفعة.
لهذا السبب، إذا صُممت قوالب متنوعة للزواج وأُخذت القدرة المالية للرجال بعين الاعتبار، ستنخفض المخاوف والتردد، وتزداد الرغبة في الزواج. فعلى سبيل المثال، يمكن في بداية الحياة المشتركة تسجيل جزء من عقار باسم الزوجة، ويُحتسب ذلك كجزء من المهر. هذا التوجه أكثر إرضاءً للنساء من تحديد مهور خيالية يصعب تحصيلها عملياً، مما يحرم الكثير من النساء من المنافع الحقيقية للمهر.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية التثقيف الاجتماعي؛ فحينما تكون الأطر القانونية واضحة وآليات التنفيذ والحمايات القانونية متوقعة، يمكن متابعة البرامج الثقافية والتعليمية لتوجيه الأفراد نحو استخدام هذه القوالب. وهذا يساعد على دخول الأفراد في الزواج بوعي ودراية، بحيث تكون قراراتهم متناسبة مع قدراتهم وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.
ختاماً، النقطة الجوهرية هي أنه بالنظر إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمرأة، يجب تصميم آليات متنوعة للزواج تحفظ حقوق المرأة وحرياتها، وتضمن الأدوار الأساسية للزواج، وتدير في الوقت نفسه الهواجس المالية والاقتصادية للطرفين. هذا التوجه سيؤدي إلى زيادة الرغبة في الزواج من جهة، والوقاية من حدوث التوترات والمشكلات المالية بعد الزواج من جهة أخرى.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل


تلخيص المقالة عبر مركز الإسلام الأصيل:

ملخص الرؤية الإصلاحية لمنظومة المهر: بين الواقع الاجتماعي والتدبير القانوني1. تشخيص الأزمة الراهنة:
أجمع المشاركون على أن منظومة المهر الحالية تعيش حالة “انحراف عن المسار”؛ فالمهر الذي أراده الإسلام “هدية للمودة” تحول إلى “سند مالي معقد” وسلاح للضغط القانوني. الإحصائيات صادمة، حيث أن 83% من النساء لا يحصلن على مهورهن فعلياً، مما يحول المهر إلى “أرقام ورقية” تؤدي لسجن الرجال دون نفع حقيقي للمرأة، وتدفع الشباب نحو “الزواج الأبيض” هرباً من القيود المالية.

2. المهر كعقلانية اجتماعية وضمانة:
طرح المقال فكرة جوهرية وهي أن المهر المرتفع ليس مجرد طمع مالي، بل هو “آلية دفاعية” ابتكرها الوعي الجمعي للمرأة لتعويض اختلال موازين القوى في حق الطلاق. العبارة الشعبية “المهر لا يُعطى ولا يُؤخذ” تعكس أن المجتمع يرى المهر ديناً مستمراً وضمانة للبقاء، وليس مبلغاً للتصفية النقدية الفورية.

3. نقد الهيكل القانوني (حق الحبس وعقود المعاوضة):
انتقد المحاضرون اعتبار النكاح “عقداً معاوضياً” (مقايضة مال بتمكين)، وما نتج عنه من “حق الحبس”، حيث يمكن للزوجة الامتناع عن بدء الحياة الزوجية حتى تقبض المهر، مما يخلق وضعاً شاذاً يدفع فيه الرجل النفقة وأقساط المهر دون وجود أسرة فعلية.

4. المقترحات والحلول المبتكرة:
قدم المقال خريطة طريق للإصلاح تتجاوز الحلول التقليدية:
– المهر المتدرج: ربط قيمة المهر بسنوات العشرة؛ فالمرأة التي قضت عقوداً في تربية الأبناء تستحق حماية أكبر ممن تطالب بالمهر بعد أشهر قليلة.
– تنوع وثائق الزواج: تصميم نماذج عقود مختلفة تتناسب مع القدرات المالية والطبقات الاجتماعية، بدلاً من الوثيقة الموحدة.
– حصر الحماية القانونية: أن تضمن الدولة وتدعم المهور ضمن سقف محدد (مثلاً 14 مسكوكة)، وما زاد عن ذلك يُترك للتوافق الشخصي دون حماية قضائية مشددة.
– التحول نحو “تشارك الأموال”: استبدال المهور الورقية الفلكية بآلية ملزمة لتسجيل جزء من الممتلكات (منزل، سيارة) باسم الزوجة خلال سنوات الحياة المشتركة.
– تفعيل النظام الضريبي: ربط سجلات الممتلكات بنظام ضريبي يمنع “النقل الصوري” للأموال للتهرب من دفع المهر.

5. قاعدة الإصلاح الأساسية:
لا يمكن إصلاح قوانين المهر بمعزل عن توازن الحقوق الأخرى؛ فأي تقليل لقيمة المهر يجب أن يقابله إصلاح في “حق الطلاق” وسهولة خروج المرأة من العلاقات الضارة، لضمان ألا يؤدي الإصلاح إلى إضعاف موقع المرأة القانوني.

الخلاصة:

يدعو المقال للانتقال من “القانون الصرف” إلى *”البحوث البينية”*؛ أي صياغة قوانين تفهم لغة الناس وعاداتهم، وتحول المهر من “أداة للنزاع” إلى “سند حقيقي للكرامة” يضمن حق الزوجة دون تحطيم حياة الزوج المالية.

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل