حظيت الثورة الإسلامية منذ انطلاقتها وحتى يومنا هذا بدعم فقهي ومساندة مستمرة من قبل المرجعية الشيعية. يرتكز هذا التلاحم على أسس ومبادئ أصيلة تتمثل في «حفظ كيان الإسلام»، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، و«ولاية الفقيه»، وضرورة تحقيق «العدالة الاجتماعية». ورغم وجود اختلافات في بعض التفاصيل والجزئيات، إلا أن أصل دعم النظام ومشروعيته يمثل محلّ وفاقٍ عام لدى المراجع.
وفقاً لتقرير وكالة أنباء «حوزة»، فإن المرجعية الشيعية -منذ نهضة عام ١٩٧٩م وإلى يومنا هذا- سجلت حضوراً مستمراً وفاعلاً، لتكون المرشد للثورة والحارس للقيم الدينية ونظام الجمهورية الإسلامية.
يتناول النص التالي، برؤية تحليلية تاريخية، المسار المستمر لدعم المرجعية الشيعية للثورة الإسلامية، مستعرضاً دورها الفقهي والكلامي في تأسيس واستدامة نظام الجمهورية الإسلامية.
المرجعية الشيعية والثورة الإسلامية: تحليل تاريخي لاستمرارية الدعم من عام ١٩٧٩م حتى الحاضر
مقدمة:
شهد تاريخ التشيع، لاسيما في القرون الأخيرة، تلاحماً عميقاً وجذرياً بين مؤسسة المرجعية الدينية والتحولات السياسية والاجتماعية. فمن «نهضة التنباك» إلى «الحركة المشروطة»، ومن «تأميم صناعة النفط» إلى «انتفاضة الخامس عشر من خرداد»؛ كان مراجع التقليد في الحواضر الشيعية حاضرين دوماً في المنعطفات التاريخية لإيران المعاصرة حضوراً فاعلاً وتقريرياً. ومع ذلك، لم تشهد أيّ من تلك المراحل تبلوراً للعلاقة بين المرجعية ومنظومة الحكم بشكل مؤسسي ومستدام كما تجلّى في الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩م وتأسيس نظام الجمهورية الإسلامية.
إن صيرورة أحداث بهمن ١٣٥٧هـ.ش (فبراير ١٩٧٩م) لم تكن مجرد تحول سياسي عابر، بل كانت نتاج سيرورة فكرية وفقهية طويلة، خلُصت عبرها الكتلة الغالبة من تيار المرجعية الشيعية إلى أن الوظيفة الشرعية للعلماء في عصر الغيبة لا تنحصر في شؤون الفتيا والقضاء فحسب، بل تمتد لتشمل التصدي للأمور العامة والهداية السياسية للمجتمع.
المرجعية الشيعية والثورة الإسلامية: خمسة عقود من الدعم المستمر والتاريخي
يسعى هذا المقال، عبر منهجية تحليلية تاريخية، إلى دراسة مسار دعم التيار العام للمرجعية الشيعية للثورة الإسلامية والنظام المنبثق عنها في المراحل المختلفة، واستقراء الأسس الفقهية والكلامية لهذا الدعم. وينصبُّ تركيز هذا التحليل على التيار الغالب في المرجعية -بعيداً عن الدخول في المصاديق الشخصية والسجالات الهامشية- محاولاً تقديم صورة منصفة وموثقة لهذا الموضوع الأصيل.
1. الخلفيات الفكرية: من المرجعية الفتوائية إلى المرجعية السياسية
لفهم أسباب دعم مراجع التقليد للثورة الإسلامية، من الضروري أولاً إدراك التحول المفاهيمي الهام الذي طرأ على الفكر السياسي الشيعي خلال القرنين الأخيرين. فالمجعية الشيعية في صياغتها الكلاسيكية، كانت ترتكز بصورة رئيسة على ثلاث ولايات: الولاية على الفتوى، والولاية على القضاء، والولاية على الأمور الحسبية. وفي هذا الإطار، كانت للفقيه جامع الشرائط وظائف محددة تهدف أساساً إلى حفظ النظام الديني للمجتمع ورعاية الشؤون التي لا وليّ لها.
ولكن خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، بدأت تقوى تدريجياً قراءة أخرى تتبنى توسعة دائرة ولاية الفقيه لتشمل الأمور العامة. وهذه القراءة لها جذور في مؤلفات فقهاء كبار مثل الملا أحمد النراقي والشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر، وقد تبلورت في نهاية المطاف في الفكر السياسي لمؤسس الجمهورية الإسلامية لتتحول إلى نظرية «ولاية الفقيه المطلقة» المنسجمة. والنقطة الهامة هنا هي أن الفقهاء الذين لم يكونوا بالضرورة قائلين بولاية الفقيه المطلقة بمعناها الأوسع، كان بينهم اتفاق واسع على أصل لزوم تدخل العلماء في السياسة وضرورة التصدي للحكومات الجائرة. وهذا الاشتراك البنيوي هو الذي مهد الأرضية للمواكبة الواسعة من قبل مراجع التقليد للنهضة الثورية.
ومن المنظور الكلامي أيضاً، يعد الإيمان بضرورة إقامة حكومة العدل ونفي حكومة الجور من المسلمات الاعتقادية لدى الشيعة. فأصل الإمامة في الفكر الشيعي ليس مجرد أصل اعتقادي انتزاعي، بل هو المؤسس لنظرية حول الحکم المشروع. وبناءً على ذلك، عندما توفرت الإمكانية في عصر الغيبة لتأسيس حكومة تقوم على الموازين الشرعية، اعتبر الكثير من المراجع أن دعمها ليس مجرد خيار سياسي، بل هو تكليف شرعي.
2. المرحلة الأولى: دعم النهضة وانتصار الثورة (1977–1979)
في الأشهر المؤدية إلى انتصار الثورة الإسلامية، شهدنا صدور بيانات ومناشير عديدة من قبل مراجع التقليد وكبار العلماء دعماً للنهضة الشعبية. ولم يكن هذا الدعم مجرد جنبة دعائية، بل كان يستند إلى تحليل فقهي يرى أن الدفاع عن الدين ونفوس المسلمين في مواجهة الحكومة الظالمة يعد من مصاديق «الدفاع» و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وفي هذه المرحلة، اتفقت أطياف واسعة من مراجع قم والنجف، وبغض النظر عن الاختلافات في المباني الفقهية أو أسلوب التعامل مع الحكومة البهلوية، على دعم أصل النهضة الإسلامية.
إن هذا التوافق كان مؤشراً على أن تيار المرجعية الشيعية، وبمعزل عن الاختلافات الحوزوية الداخلية، كان يشترك في أصل بنيوي واحد، وهو: ضرورة زوال الحكومة البهلوية العلمانية واستبدالها بنظام يقوم على القيم الإسلامية. وما ميز هذا الدعم عن الولاءات السياسية التقليدية هو عمق ركيزته الشرعية؛ فقد فسر مراجع التقليد دعم الثورة في إطار «وجوب حفظ بيضة الإسلام» و«الدفاع عن الكيان الديني للمجتمع»، وهو ما منح النهضة الثورية مشروعية دينية راسخة ومانحة للاستمرار.
3. المرحلة الثانية: تثبيت النظام وتشكيل البنى القانونية (1979–1989)
بعد انتصار الثورة وفي خضمّ تشكل النظام الجديد، دخل دور المرجعية الشيعية مرحلة جديدة. وقد شكل إقرار دستور الجمهورية الإسلامية، الذي عُرف فيه أصل ولاية الفقيه بوصفه الركن المحوري للنظام السياسي، منعطفاً تاريخياً في العلاقة بين المرجعية والحكم. وفي الاستفتاء على الدستور، أدى الدعم الواسع من المراجع والعلماء البارزين لإقراره دوراً مؤثراً في إضفاء المشروعية على البناء الجديد.
وفي سنوات الدفاع المقدس الثماني (1980–1988)، اكتسب دعم مراجع التقليد للجبهات والمقاومة الوطنية أبعاداً جديدة. وتمثل ذلك في صدور الفتاوى الدفاعية، وحث الشباب على الحضور في الجبهات، والدعم المالي للمقاتلين، وتوفير التغطية الفقهية لإجراءات الحكومة الدفاعية، كأبرز تجليات هذا الدعم. وفي هذه المرحلة، أخذت مسألة الدفاع عن ثغور الإسلام وحفظ النظام الناشئ عنواناً فقهياً هو «الدفاع الواجب»، وأعلن المراجع أن الحضور في الجبهة تكليف شرعي. نبع هذا التوجه من قاعدة فقهية مسلمة تقضي بأن الدفاع عن بلاد المسلمين أمام عدوان العدو يعد من الواجبات العينية ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وإن كان التنسيق مع الحاكم الشرعي أمراً مطلوباً وراجحاً.
كما أدى مراجع التقليد في هذه الفترة دوراً هاماً في تسوية بعض التحديات الفقهية للنظام حديث التأسيس. وكانت قضايا مثل أحكام المصارف الإسلامية، وحدود صلاحيات الحكومة الإسلامية، ونسبة المصلحة العامة إلى الأحكام الأولية، ومكانة الشورى في اتخاذ القرارات الحكومية، من بين الموضوعات التي طُرحت للبحث والنقاش في الحوزات العلمية، حيث أسهم مراجع التقليد عبر تقديم آرائهم الفقهية في إثراء الفقه السياسي الشيعي.
4. المرحلة الثالثة: عصر التحولات واستمرار الدعم (1989 إلى الوقت الحاضر)
بعد رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية في عام 1989 وبدء عهد جديد من القيادة، دخل نظام الجمهورية الإسلامية مرحلة جديدة من حياته. وفي هذه الفترة، استمر دعم مراجع التقليد لأصل النظام وقيم الثورة الإسلامية، وإن تطورت أشكال وأبعاد هذا الدعم بما يتناسب مع الظروف المستجدة. ومن الجدير بالذكر أن مؤسسة المرجعية في هذه المرحلة، ومع الحفاظ على استقلالها العلمي والفقهي، استمرت في دعم أسس النظام وأركانه بشكل متواصل.
وفي المنعطفات السياسية والاجتماعية المختلفة خلال عقود التسعينيات والعقد الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، أدت مواقف مراجع التقليد المتمثلة في البيانات والرسائل والفتاوى دوراً مهماً في تثبيت الاستقرار الاجتماعي وإضفاء المشروعية على القرارات الكبرى للنظام. وقد شملت المحاور الرئيسة لمواقف المرجعية في هذه الفترة: دعم المشاركة الشعبية في الانتخابات، والدفاع عن الوحدة الوطنية، والتأكيد على لزوم حفظ النظام الإسلامي أمام التهديدات الخارجية، ودعم محور المقاومة في المنطقة.
المرجعية الشيعية والثورة الإسلامية: خمسة عقود من الدعم المستمر والتاريخي
ومن المنظور الفقهي، تعمقت وتكاملت في هذه المرحلة الأسس النظرية لدعم النظام الإسلامي. وتمت متابعة البحوث المتعلقة بـ «فقه الحكومة»، و«فقه النظام»، و«تقدير المصلحة في إطار الشرع»، و«حدود ولاية الفقيه» في الحوزات العلمية بجدية أكبر. وتُظهر هذه المباحث أن دعم المرجعية للنظام ليس موقفاً انفعالياً أو مجرد عاطفة، بل هو نتاج عملية اجتهادية وعلمية حيوية، تتنامى وتتكامل مع تحول الظروف الزمانية والمكانية.
5. تعدد الآراء داخل الحوزة: واقع طبيعي في فضاء الاجتهاد
يقتضي الإنصاف العلمي أنه إلى جانب تبيين التيار الغالب الداعم للمرجعية تجاه الثورة والنظام الإسلامي، الإشارة أيضاً إلى حقيقة أنّه خلال هذه العقود الخمسة تقريباً، كان لبعض العلماء والمراجع قراءات متفاوتة حول نسبة الدين إلى السياسة أو أسلوب إدارة الحكومة الإسلامية. إنّ وجود هذا التنوع في الآراء ليس نقطة ضعف فحسب، بل هو علامة على حيوية وديمومة السنة الاجتهادية لدى الشيعة. فالحوزات العلمية كانت دوماً فضاءً لتضارب الآراء والنقد العلمي، وهذه الميزة هي التي صانت التشيع من الجمود الفكري والتحجر.
والمهم في هذا السياق، هو التمييز بين الاختلاف في وجهات النظر الفقهية داخل الحوزة من جهة، وبين المعارضة لأصل النظام الإسلامي من جهة أخرى. إذ تُظهر الدراسة التاريخية أن الأغلبية الساحقة من مراجع التقليد -حتى أولئك الذين اختلفوا في بعض الجزئیات مع السياسات الجارية- كانوا متفقين في الرأي حول دعم أصل النظام الإسلامي وضرورة حفظه. وبعبارة أخرى، فإن الاختلافات الموجودة كانت تقع غالباً في مستوى «كيفية الأداء» لا في مستوى «الأصل والمبنى»؛ وهذا بحد ذاته يؤكد استحكام ركائز المشروعية الدينية لنظام الجمهورية الإسلامية.
6. الأسس الفقهية والكلامية للدعم: خلاصة تحليلية
استند دعم المرجعية الشيعية للثورة الإسلامية والنظام المنبثق عنها إلى عدة أسس فقهية وكلامية رئيسة، يعد فهمها ضرورياً للتحليل الصحيح لهذه الظاهرة:
أولاً: قاعدة «حفظ بيضة الإسلام»؛ وهي من القواعد الفقهية المسلّمة والمحل إجماع بين فقهاء الشيعة. وبناءً على هذه القاعدة، فإن حفظ كيان الإسلام والمجتمع الإسلامي واجبٌ يُقدّم على كثير من الواجبات الأخرى. وعندما يتأسس نظام سياسي على مبادئ الإسلام ويُعتبر وجوده موازياً لحفظ الكيان الديني للمجتمع، فإن دعم ذلك النظام يكون مصداقاً جلياً لهذه القاعدة الفقهية.
ثانياً: أصل «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛ الذي يستلزم في أبعاده الاجتماعية والسياسية حضوراً فاعلاً للعلماء في الساحة العامة للتصدي للانحرافات والتهديدات. وقد اعتبر مراجع التقليد أن دعم النظام الإسلامي هو مصداق لأكبر معروف (إقامة حكومة العدل)، وصنفوا الوقوف ضده في زمرة السكوت المذموم أمام المنكر.
ثالثاً: نظرية «ولاية الفقيه»؛ فبغض النظر عن الاختلاف في حدودها وصلاحياتها، إلا أن أصل مشروعية تصدي الفقيه جامع الشرائط للأمور العامة للمسلمين مقبول لدى طيف واسع من الفقهاء. وتعد هذه النظرية الركيزة الفقهية الأساسية لدعم المرجعية للهيكل القانوني للجمهورية الإسلامية.
رابعاً: من المنظور الكلامي؛ أدى الإيمان بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها مقدمة لظهور وتمهيداً للحكومة العالمية للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دوراً محفزاً ودافعاً هاماً في دعم المراجع للنظام الإسلامي. وفي هذه الرؤية، يُعتبر نظام الجمهورية الإسلامية تجربة تاريخية في مسار تحقيق الآمال المهدوية، ويُعد حفظه وتقويته وظيفة دينية ومصداقاً للانتظار الفعّال.
المرجعية الشيعية والثورة الإسلامية: خمسة عقود من الدعم المستمر والتاريخي
الخلاصة
تُبيّن القراءة التاريخية والتحليلية لما يقرب من 5 عقود مضت، أنَّ دعم التيار العام في المرجعية الشيعية للثورة الإسلامية ونظام الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يكن ظاهرة عارضة أو مقطعية أو مجرد موقف سياسي فحسب، بل هو دعمٌ متأصل في الأسس الفقهية والكلامية العميقة، ويستمد معناه ومشروعيته من سياق السُّنَّة الاجتهادية الشيعية. فمنذ الأيام الأولى للنهضة الثورية وصولاً إلى مرحلة تثبيت أركان النظام، ومن سنوات الدفاع المقدس الحافلة بالتحديات إلى مراحل البناء والإعمار، ومن مرحلة انتقال القيادة وصولاً إلى التحولات الإقليمية والدولية المعاصرة، ظلّت المرجعية الشيعية حاضرة- بوصفها أحد أركان المشروعية الدينية للنظام- حضوراً مستمراً وفاعلاً.
إنَّ هذا الاستمرار في الدعم يقدم درساً هاماً للمحللين في التاريخ المعاصر، مفاده أنَّ نظام الجمهورية الإسلامية ليس مجرد مشروع سياسي بحت، بل هو ثمرة التقاء سُّنّة فقهية حيوية مع إرادة اجتماعية عميقة لتحقيق السيادة الدينية. إنَّ المرجعية الشيعية عبر دعمها لهذا النظام، مارست في الواقع وظيفتها التاريخية في حراسة الدين وهداية المجتمع الإسلامي، ولا تزال ثابتة على هذا النهج.
واليوم، ونحن على أعتاب ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، تبرز ضرورة لا غنى عنها في التأمل بهذا التراث الفقهي السياسي وإعادة قراءة الدور التاريخي للمرجعية، سواء لفهم الماضي بصورة أعمق أو لرسم معالم مستقبل أكثر إشراقاً. ولا تأتي هذه القراءة من باب التكرار، بل بقصد تعميق الروافد النظرية وتنقيحها؛ إذ إنَّ استحكام أي نظام رهينٌ بحيوية أسسه الفكرية والفقهية، وتمتلك الحوزات العلمية- بما لها من تاريخ عريق في الاجتهاد والابتكار الفقهي- أفضل الطاقات والقدرات لتحقيق هذه الغاية السامية.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





