سبل تنمية الفكر والاستقلالية الذهنية

يُمكن للإنسان أن يكتسب الاستقلالية الفكرية من خلال اتباع العقل، والتفكّر، والحوار مع الحكماء، وضبط المشاعر والسيطرة عليها؛ إذ إن الإنسان العاقل يستطيع تمييز طريق الخير والهداية عن طريق الشر والضلال، ويبلغ من خلال ذلك المعرفة الإلهية.

وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، فإن الإسلام يعتبر العقل جوهرة الإنسان العليا، ويشير إلى سبل تنميته من خلال الاستفادة من الاستاذ المخلص والقدوة الحسنة، والمطالعة، والسفر والمشاهدة، والتفكر في آيات الله، والارتباط بالحكماء، وتجنب التقليد الأعمى. فالعقل المُنمّى هو مدخل إلى معرفة الله والنمو الروحي.

السؤال: ما الأعمال التي تُسهم في تنمية العقل والفكر وتحقيق الاستقلالية الذهنية؟

الجواب:
إن العقل، باعتباره جوهرة الإنسان، هو من أثمن النعم الإلهية للبشرية، ولهذا السبب سُمّي الإنسان أشرف المخلوقات. ومن خلال هذه النعمة الكبرى، يستطيع الإنسان تمييز الخير عن الشر، والهداية عن الضلال، والصديق عن العدو، والنور عن الظلام، ويكون محفوظًا من الأخطار والآفات. وفي المذهب الحياتي للإسلام، للعقل مكانة عالية ورفيعة.

وفي كلام الله تعالى، هناك تأكيدات متكررة على التعقل والتفكر، وقد وُعِد أصحاب الفكر والعقل بالبشارة والخير. فقد أوضح الإمام الصادق عليه السلام في شأن العقل: أنه بواسطته يُمكن للإنسان أن يصل إلى عبادة الله والجنة…” [¹]

كما وصف العلامة الطباطبائي (رحمه الله) العقل فقال: “العقل أكرم القوى في وجود الإنسان” [²].

ورغم أن العقل بمفرده لا يستطيع إدراك عمق كل الحقائق، بل يحتاج للفهم العميق إلى الوحي، إلا أن تنمية العقل واكتساب الاستقلالية الفكرية يضع الإنسان على طريق النمو والارتقاء ويزيد من بصيرته.

وهناك عدة طرق لتنمية العقل والفكر وتحقيق الاستقلالية الفكرية، منها ما يلي:

1.الاستفادة من المعلم والأستاذ المخلص:
يعتبر الإمام علي عليه السلام إحدى فئات السعداء هم الطلاب الذين يسعون لإيجاد الطريق من خلال التعليم والاستفادة من الأساتذة والمربين المخلصين [³].

2.المطالعة والارتباط بالعلم:
كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا يصلحُ مَن لا يَعْقِلُ، ولا يَعْقِلُ مَن لا يَعْلَمُ» [⁴].

3.السفر والتنقل على الأرض ودرس تاريخ السابقين:
قد أمر الله الإنسان في القرآن بالقيام بـ رحلات بحثية واستكشافية، فقال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [٥]
﴿قُلِ ٱسْتَكْشِفُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا عَاقِبَةَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ [٦]
﴿قُلِ ٱسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنْشِئُ ٱلْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٧]
﴿قُلِ ٱسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [٨]

4.التفكر والتأمل في آيات الله:
إن في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، آيات واضحة للحكماء. فالقرآن يُعرّف أصحاب العقل والتفكر بأنهم الذين يتدبرون آيات الله، ويقول تعالى: ﴿… لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [٩]

5.تجنّب التقليد الأعمى:
ينهى القرآن المشركين الذين كانوا يقلدون آباءهم في الشرك عن اتباع التقليد الأعمى، فيقول تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً يَقُولُونَ وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلِ اللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَفَتَنسِبُونَ لِلَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [١٠]

6.الارتباط بالحكماء والعلماء وذوي المعرفة:
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: “جالِسِ العُلَماءَ، يَزداد علمُكَ، ويَحسُن أدبُكَ، وتَزكَّ نفسُكَ.” [١١]
كما ورد في جزء من حديث النبي الأكرم ﷺ: لَا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ يَدْعُوكُمْ إِلَّا عَالِمٌ يَدْعُوكُمْ مِنَ الْخَمْسِ إِلَى الْخَمْسِ مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ وَمِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ وَمِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَمِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى النَّصِيحَةِ وَمِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزُّهْدِ. [١٢]

7.اتباع الطريق العقلي والتفكيري:
كما أن الأنبياء والمرسلون الإلهيون كانوا دائمًا يدعون الناس إلى التفكر والبصيرة في أوامر دينهم وتعاليمه. في هذا السياق يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ هَذَا سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [١٣]
وكذلك قال النبي الأكرم ﷺ: قُوتُ الْأَجْسَادِ الْمَطَاعِمُ وَ قُوتُ الْعُقُولِ الْحِكْمَةُ فَإِذَا فَقَدَتِ الْعُقُولُ قُوتَهَا مِنَ الْحِكْمَةِ هَلَكَتْ هَلَاكَ الْأَجْسَادِ عِنْدَ فَقْدِ الطَّعَامِ.” [١٤]

8.ضبط النفس ومنع غلبة العاطفة على العقل:
من الأمور المهمة في نمو العقل وكسب الاستقلال الفكري، أن لا تغلب العاطفة على العقل. ففي هذا الصدد يقول الإمام علي عليه السلام: صاحب العقلاء و جالس العلماء و اغلب الهوى ترافق الملأ الأعلى.[١٥]

الخلاصة:
إن تنمية الفكر وكسب الاستقلال الفكري، وفق ما ورد في آيات الله وأحاديثه، يُمكن الإنسان من التقدم نحو النمو الروحي والارتقاء المعرفي، وفي نهاية المطاف يصل إلى معرفة الله تعالى. قال تعالى في هذا السياق:
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ() الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقِ() وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ() وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [١٦]


الهوامش:

[١] الكافي، ج ١، ص ١١، حديث ٣: “…أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما هو العقل؟ فقال: ما يُعبد به الرحمن ويُكتسب به الجنان.”

[٢] طباطبائي، محمد حسين، الميزان، ج ٣، ص ٥٧.

[٣] نهج البلاغة، ص ٤٩٦: “النَّاس ثلاثة: عالم ربّاني ومتعلّم على سبيل النجاة، وهمج رعاع.”

[٤] تحف العقول – ابن شعبة الحراني – الصفحة ٣٥٦.

[٥] الأنعام، ١١.

[٦] النمل، ٦٩.

[٧] العنكبوت، ٢٠.

[٨] الروم، ٤٢.

[٩] آل عمران، ١٩٠-١٩١.

[١٠] الأعراف، ٢٨.

[١١] غرر الحكم صفحة : 341

[١٢] الاختصاص للشيخ المفيد ص335.

[١٣] يوسف، ١٠٨.

[١٤] الاختصاص للشيخ المفيد ص335.

[١٥] غرر الحكم صفحة 420.

[١٦] الرعد، ١٩-٢٢.

*ترجمة وتهذيب مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل