“المال الذهبي” في منظومة الاقتصاد الإسلامي؛ وحدة في الغاية، وتباين في المنهج

في الفضاء الاقتصادي الإيراني بعد الثورة، برز تيّاران فكريان متمايزان، وإن كانا من عائلة فكرية واحدة، سعيا إلى تقديم إجابة محلية ودينية عن الأسئلة المعقّدة المتعلّقة بالمعيشة والتنمية. فمن جهة، نجد مدرسة الاقتصاد الإسلامي، التي تطرح نفسها إطارًا كليًا وشاملًا، وتدعو إلى إعادة تعريف جميع أركان النظام الاقتصادي ـ من الإنتاج والتوزيع إلى التجارة والمال ـ على أساس القيم والأحكام الإسلامية. أنصار هذا التوجّه، الذي تمتدّ جذوره إلى أفكار علماء متقدّمين وإلى الطروحات الأولى للثورة الإسلامية، اكتسب في العقود الأخيرة صورة أكثر تماسكًا وطابعًا أكاديميًا في الغالب، بفضل جهود شخصيات من أمثال البروفيسور درخشان وتلامذته. وقد بات هذا الفكر اليوم، من خلال مؤسسات كحزب «الحضارة الإسلامية الحديثة»، يسعى إلى نسج ارتباط عميق مع الخطاب السياسي والتنفيذي.

في المقابل، لا تطرح نظرية «المال الذهبي»1 نفسها بوصفها نظامًا اقتصاديًا متكاملًا، بل باعتبارها مشروعًا ثوريًا جذريًا في ميدان النقد والمصارف. ويمكن تتبّع مناشئ هذه النظرية في حلقات فكرية خاصّة، كمؤسسة دراسات الحضارة الإسلامية (META)، حيث تنطلق، اعتمادًا على تحليلات في تاريخ الاقتصاد وقراءة مخصوصة للفقه، من اعتبار النقود الاعتبارية غير المغطّاة أصلَ الظلم والفساد. ويرفع روّاد هذا الطرح اليوم، بجرأة لافتة، شعار التخلّي الكامل عن البنية النقدية الراهنة، والدعوة إلى العودة إلى نقدٍ ذي قيمة ذاتية، قائم على الذهب والفضة.

للوهلة الأولى، يبدو أنّ هذين التيارين يختلفان من حيث المنهج ومجال التركيز؛ فأحدهما شموليّ وبنائيّ للنظام، والآخر جزئيّ ومتمركز حول مؤسسة بعينها. غير أنّ التأمّل الأعمق يكشف أنّهما يلتقيان في الغاية النهائية والمُثل الكبرى. فكلاهما يحمل همّ تحقيق العدالة الاقتصادية، ويعدّ التضخّم وعدم استقرار الأسعار آفةً كبرى. وكلاهما يرفض الارتهان للنظام المالي الدولي بوصفه شكلًا من أشكال الاستعمار الجديد، ويسعى إلى تحقيق استقلال اقتصادي كامل. والأهمّ من ذلك، أنّ كليهما يُصرّ على أنّ علم الاقتصاد الغربي السائد عاجز عن تلبية حاجات المجتمع الإسلامي، وأنّ الواجب هو تشييد نظام اقتصادي منبثق من الأسس المعرفية للإسلام.

إنّ هذا الاشتراك في الأهداف، إلى جانب التباين في الآليات، يضع الجبهة الفكرية للثورة أمام وضع فريد، لكنه في الوقت ذاته بالغ التحدّي؛ إذ يفتح من جهة أفق التكامل والتآزر وابتكار مشروع جديد، ومن جهة أخرى يكشف خطر التصدّع والتعدّد. ويسعى هذا المقال، من موقع الحوار الإصلاحي، إلى تفكيك دقيق لمواطن الاشتراك والافتراق بين الرؤيتين، تمهيدًا لتجاوز التقابل الظاهري، والوصول إلى تركيبٍ بنّاء؛ تركيب تمتزج فيه الجذريّة الثورية والعمق النظري لنظرية المال الذهبي، مع الشمولية والنزعة التجريبية لمدرسة الاقتصاد الإسلامي، بما يرسم أفقًا جديدًا لاقتصاد إيران.

الفصل الأول: المشتركات الأساسية

على الرغم من أنّ الاقتصاد الإسلامي ونظرية المال الذهبي يبدوان ـ في ظاهر الأمر وعلى مستوى الحلول ـ متحركين في مسارين مختلفين، فإنّهما، في الطبقات الفكرية الأعمق وفي مواجهتهما للواقع القائم، يرتكزان إلى مبادئ وأهداف مشتركة تشكّل أساس التقاطع بينهما. ويمكن رصد هذا التقارب في ثلاثة محاور كبرى تضع كلا التيارين في مواجهة مباشرة مع باراديغم الاقتصاد التقليدي المهيمن.

المحور الأول والأبرز هو الهدف المشترك المتمثّل في تحقيق العدالة الاقتصادية. فكلا المدرستين تنظران إلى النظام الاقتصادي العالمي القائم بوصفه نظامًا جائرًا في جوهره، يدور حول تراكم الثروة وتوسيع الفجوة الطبقية. فالاقتصاد الإسلامي، بجعل مفاهيم من قبيل الزكاة، والإنفاق، وتحريم الاحتكار، ومكافحة الاحتكار في صلبه، يعرّف العدالة على أنّها الغاية القصوى للنظام الاقتصادي. أمّا نظرية المال الذهبي، وإن سلكت طريقًا مغايرًا، فإنّها تجعل استئصال الظلم مقصدها النهائي. فمن منظور أنصارها، تمكّن النقود الاعتبارية غير المغطّاة الحكوماتَ والبنوك المركزية من خلق المال من العدم، الأمر الذي يؤدّي، بصورة خفية ومنهجية، إلى تقليص القدرة الشرائية لعامة الناس، ونقل الثروة إلى فئات مخصوصة. ومن ثمّ، يتوافق التياران على تشخيص أنّ الآليات النقدية والمالية الراهنة هي الوعاء الأساسي لانتهاك العدالة.

المحور الثاني يتمثّل في الإرادة الصلبة لنيل الاستقلال الاقتصادي عن منظومة الهيمنة المالية العالمية. فالاقتصاد الإسلامي، بشعار الاكتفاء الذاتي وقطع التبعية، يسعى إلى الخروج من دائرة الارتهان التجاري والتقني والمالي للقوى الخارجية. وتأتي نظرية المال الذهبي لتشدّد هذا التوجّه في المجال النقدي على وجه الخصوص. فهي ترى في التبعية للدولار وللشبكات المصرفية الدولية، كـ«سويفت»، ليس مجرّد عامل هشاشة أمام العقوبات، بل قبولًا بقواعد لعبة غير عادلة صُمّمت سلفًا لمصلحة واضعيها. والعودة إلى النقود السلعية (الذهب والفضة)، وفق هذا المنظور، هي تجسيد عملي لشعار الاستقلال في أعمق طبقات الاقتصاد، أي النظام النقدي نفسه. ومن هنا، يلتقي التياران في رفض التبعية، والسعي إلى نموذج اقتصادي ذاتيّ الأساس لإيران.

أمّا المحور الثالث للتقارب، فيكمن في النقد الجذري للاقتصاد التقليدي والنزعة الدنيوية المسيطرة عليه. فالاقتصاد الإسلامي يتحدّى العلم الاقتصادي السائد بسبب فرضياته العلمانية، وتجاهله القيم الأخلاقية، واختزاله الإنسان في كائن مادي محض. وتشارك نظرية المال الذهبي في هذا النقد، معتبرةً النقود غير المغطّاة رمزًا وأداةً لتلك المادية والدنيوية التي تُضعف إمكان العيش وفق القيم الإلهية. ويؤمن كلا التيارين بأنّه من دون ثورة في الأسس المعرفية، ومن دون استبدال الباراديغم الحاكم، فإنّ أي إصلاح جزئي داخل النظام القائم سيبقى عاجزًا وغير مستدام. وهذا الاشتراك في الرؤية النقدية يضعهما في جبهة واحدة تطالب ببديلٍ شاملٍ وكامل.

الفصل الثاني: مواطن الافتراق والتحدّيات النظرية

على الرغم من الاشتراك القيّم في الغايات وفي نقد النظام القائم، فإنّ التمحيص الدقيق يكشف أنّ الاقتصاد الإسلامي ونظرية المال الذهبي يواجهان تباينات عميقة في المباني، والمناهج، ونطاق الشمول، تجعل التقارب السهل بينهما أمرًا متعذّرًا. وهذه التباينات لا تقتصر على اختلاف في التكتيك، بل تنبع من رؤيتين متمايزتين جذريًا لمفهوم المال، وقدرات النظام الاقتصادي، بل وحتى لطريقة قراءة النصوص الدينية.

أعمق فجوة بين الطرفين تعود إلى ماهية المال وذاته. فمدرسة الاقتصاد الإسلامي، في صورتها العامة، لا تعرّف المال على أساس مادته أو جنسه، بل على أساس وظائفه الاجتماعية والاعتبارية. وضمن هذا الإطار، لا يُرفض المال الاعتباري المعاصر في حدّ ذاته، شريطة أن تخضع جميع المعاملات والمؤسسات المالية المرتبطة به للأحكام والضوابط الإسلامية، من تحريم الربا إلى منع الغرر. فالمشكلة ليست في الورق أو الرقم الرقمي، بل في توظيفهما لإنتاج الفائدة والظلم. في المقابل، ترى نظرية المال الذهبي، وبحسم تام، أنّ هذا الطابع الاعتباري نفسه هو أصل الفساد كلّه. فالمال، بحسب هذا الطرح، لا بدّ أن يكون سلعة ذات قيمة ذاتية، كالذهب والفضة، إذ عندئذ فقط يمكن أن يعمل بوصفه وحدة قياس ثابتة وعادلة، وتُغلق أبواب خلق المال من العدم، ومن ثمّ القضاء على السلب غير المرئي الذي يُعرف بالتضخّم. وهذا التقابل يمثّل اختلافًا بنيويًا: أحدهما يدعو إلى إصلاح وضبط وظائف المال الاعتباري، والآخر يطالب بثورة شاملة واستبداله بنقد مادّي ملموس.

وينعكس هذا الاختلاف في الرؤية مباشرةً على مدى الشمول والاتساع في كلّ طرح. فالاقتصاد الإسلامي يقدّم نفسه كنظام اقتصادي متكامل، يتناول ـ إلى جانب القضايا النقدية ـ جميع مجالات الإنتاج، والتوزيع، والتجارة، والضرائب، والملكية، والعقود. ومسألة المال، وإن كانت محورية، ليست سوى جزء من هذه المنظومة الكبرى. أمّا نظرية المال الذهبي، فهي في جوهرها نظرية نقدية ومصرفية. وعلى الرغم من أنّ أنصارها يبرزون الآثار الواسعة لهذا التحوّل على مجمل الاقتصاد، فإنّ تركيزها الأساسي وحلّها العملي ينصبان على تغيير القاعدة النقدية. وبعبارة أخرى، يقدّم الاقتصاد الإسلامي خريطة شاملة لمدينة الاقتصاد، في حين تركّز نظرية المال الذهبي على إعادة بناء الأساس والبنية التحتية لتلك المدينة، وتترك تفاصيل القطاعات الأخرى ـ إلى حدّ كبير ـ للمبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي.

ويظهر التفاوت الثالث في قابلية التطبيق والمرونة تجاه مقتضيات العصر. فالنظام الذي يقترحه الاقتصاد الإسلامي، ولا سيّما في قراءاته المعاصرة، يسعى إلى الحفاظ على هامش للتدخّل والتنظيم عبر أدوات مالية إسلامية كالصكوك، والمرابحة، والمشاركة، فضلًا عن السياسات الكلّية لمواجهة تقلبات الدورات الاقتصادية. وهو نظام، وإن كان قائمًا على أصول ثابتة، يمتلك قدرًا من المرونة في السياسات. أمّا النظام النقدي الذي تقترحه نظرية المال الذهبي، فبحكم اعتماده على تغطية كاملة بالذهب، يتّسم بجمود بنيوي. إذ تصبح زيادة السيولة لمواجهة الركود أو لتمويل المشاريع التنموية الكبرى شديدة التقييد، ومرهونة بالزيادة الفعلية في احتياطات الذهب. ويرى منتقدو هذا الطرح أنّ مثل هذا الجمود قد يشلّ الدولة عند التعرّض للصدمات الاقتصادية. وهنا يتجلّى التعارض بين «الاستقرار المطلق» في نظرية المال الذهبي و«التوازن الديناميكي» في الاقتصاد الإسلامي.

وأخيرًا، تظهر اختلافات لافتة حتى في القراءة الفقهية والتاريخية. فكثير من الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين يرون أنّ الدرهم والدينار الواردين في النصوص الشرعية كانا نقدي زمانهما، ولم يؤسّس الشارع المقدّس لذاتهما الذهبية، بل أمضى التداول النقدي السائد آنذاك. وبناءً عليه، يمكن للعرف والعقد الاجتماعي أن يغيّرا شكل النقد. في المقابل، يذهب أنصار المال الذهبي إلى أنّ اختيار الشارع للذهب والفضة ينطوي على حكمة قائمة بذاتها، تزداد راهنيتها اليوم، ولا يمكن تفويضها للعرف. وهذا التباين في الفهم هو ما يفصل الموقفين من «الحداثة النقدية».

الفصل الثالث: آليات تجاوز الموانع وخارطة طريق الحوار

إنّ تجاوز التقابل النظري وتحويله إلى حوار بنّاء يمكن أن يفضي إلى وحدة عملية داخل جبهة الثورة، يقتضي اعتماد آليات مدروسة تتجاوز المواجهة التجريدية. وينبغي أن تنطلق هذه العملية من اعتراف صادق بالخلافات، وأن تستمرّ بالبحث عن مساحات جديدة للتجربة والتعاون. ودور المصلح هنا ليس فرض أحد الطرفين على الآخر، بل تشييد جسر يعبر فوق الفجوات البنيوية.

الخطوة الأولى تتمثّل في إنشاء فرق عمل متخصّصة مشتركة بين اقتصاديي مدرسة الاقتصاد الإسلامي وأنصار نظرية المال الذهبي. وينبغي أن يتركّز عمل هذه الفرق على قضايا عينية وتقنية، لا على العموميات الفلسفية. فمثلًا، يمكن إطلاق مشاريع بحثية مشتركة تُعنى بالمحاكاة الاقتصادية والتحليل الرياضي الدقيق لآثار التطبيق التدريجي للمال الذهبي ضمن اقتصاد ذي نموذج إسلامي. وتساؤلات من قبيل: «هل يمكن إعادة تعريف أدوات مالية إسلامية كالصكوك على أساس نقد مغطّى بالذهب؟» أو «كيف ستُجبى الزكاة وتُوزّع في نظام نقدي ذهبي؟» من شأنها نقل الحوار من المستوى الأيديولوجي إلى الحقل التطبيقي والتقني. وفي هذا الإطار، تخضع ادّعاءات كلّ طرف لأسئلة دقيقة في هندسة الاقتصاد، ما يفتح الباب أمام حلول تركيبية.

الخطوة الثانية هي اعتماد مبدأ التدرّج والتجربة المحدودة بوصفه خيارًا عقلانيًا. فبدل التقابل القائم على منطق «الكلّ أو لا شيء»، يمكن تهيئة ساحات لتطبيق تجريبي لنظرية المال الذهبي ضمن نطاق مضبوط. ومن ذلك، إنشاء أسواق مالية موازية أو إصدار أوراق مالية مغطّاة بالذهب المادي، إلى جانب النظام النقدي القائم، بحيث تُجرى المعاملات فيها على أساس الدينار الذهبي. ولا يخفّف هذا الإجراء من الضغوط السياسية والاقتصادية فحسب، بل يشكّل أيضًا مختبرًا حيًا يوفّر معطيات تجريبية قيّمة للطرفين، لاختبار مزاعم الاستقرار والعدالة والكفاءة. كما يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يبرهن، ضمن هذا النطاق المحدود، على فاعلية أدواته التعاقدية في إدارة هذا السوق الجديد.

أمّا الخطوة الثالثة، وهي الأهمّ، فتتمثّل في إعادة بناء الخطاب المشترك حول العدوّ والغاية الواحدة. فعلى المصلح أن يذكّر الطرفين بأنّ التقابل الحقيقي ليس بينهما، بل بينهما معًا وبين النظام الاقتصادي النيوليبرالي العالمي. وبدل استنزاف الجهد في الخلافات الداخلية، يمكن توجيه الطاقة الفكرية نحو تصميم نموذج بديل مشترك في مواجهة النظام القائم. ويمكن لهذا النموذج أن يكون مركّبًا: كأن يُتّفق على «العدالة التوزيعية» غايةً نهائية من منظور الاقتصاد الإسلامي، وعلى «الاستقرار البنيوي للنقد» أداةً مركزية من منظور نظرية المال الذهبي، بوصفهما ركنين لبناء واحد. وبهذا الفهم، لا تُطرح نظرية المال الذهبي كبديل كامل، بل كآلية انضباط صارمة في خدمة مقاصد الاقتصاد الإسلامي، تحول دون انحراف النظام عن مسار العدالة.

وفي الختام، لا بدّ أن يجري هذا الحوار في بيئة آمنة، بعيدة عن التسييس والضجيج الإعلامي. ويمكن للمؤسسات العلمية والحوزوية المحايدة أن تحتضن هذا النقاش. وقد لا تكون ثمرة هذا المسار انتصار نظرية على أخرى، بل ولادة تركيب جديد؛ تركيب تمتزج فيه الأصالة والطموح الثوري لنظرية المال الذهبي مع الواقعية والشمولية التي يتمتّع بها الاقتصاد الإسلامي، ليغدو ليس حلًا لإيران فحسب، بل رسالةً للعالم.

الخلاصة

تبيّن هذه الدراسة أنّ المواجهة الفكرية بين مدرسة الاقتصاد الإسلامي ونظرية المال الذهبي تعبّر عن همّ واحد، ولكن باستراتيجيتين مختلفتين. فكلا التيارين انبثقا من رفض عميق للنظام الاقتصادي القائم، ومن تطلّعات عليا نحو العدالة والاستقلال، وقد قبلا في هذا الطريق مجازفة نقد الباراديغم العالمي السائد. إنّ الاشتراك في هذه الغايات السامية يمثّل رأس مال ثمينًا لجبهة الثورة، يمكن أن يقود إلى التكامل بدل التفرّق.

ومع ذلك، فإنّ التباين في المباني والأدوات حقيقة لا يمكن إنكارها. فالاقتصاد الإسلامي، برؤيته الشمولية والوظيفية، يؤكّد على إصلاح وتوجيه المؤسسات القائمة، بما فيها المال الاعتباري، في حين تنطلق نظرية المال الذهبي من راديكالية ثورية ترى في وجود النقد غير المغطّى أصل الفساد، وتطالب بثورة جذرية في هذا الركن. وهذا الاختلاف يتجاوز مجرّد تباين في الأذواق، ليعكس رؤيتين فلسفيتين مختلفتين لمفاهيم القيمة، والاعتبار، والتحوّل التاريخي.

وعليه، فإنّ دور المصلح لا يتمثّل في الترجيح القسري لأحد الطرفين، بل في تيسير حوار أصيل، قائم على معالجة المسائل الواقعية. وكما جرى بيانه في الفصل الثالث، فإنّ الطريق إلى الأمام لا يمرّ عبر سجال تجريدي، بل من خلال العمل المشترك على قضايا ملموسة، والتجارب المحدودة، وإعادة صياغة الخطاب حول الغاية المشتركة. ومن الممكن أن يحمل المستقبل، لا انتصارًا كاملًا لإحدى النظريتين، بل ميلاد تركيب جديد، تندمج فيه النزعة الثورية الجذرية لنظرية المال الذهبي، الساعية إلى فرض انضباط بنيوي عادل وشفاف، ضمن القدرات الواسعة والنظامية للاقتصاد الإسلامي. وعندئذ، لن يكون اقتصاد إيران قادرًا على مواجهة تحدّياته الداخلية فحسب، بل على تقديم نموذج مبتكر لنظام اقتصادي قائم على القيم الإلهية، وقادر في الوقت ذاته على التفاعل الذكي مع العالم. إنّ هذا الحوار، على صعوبته، ضرورة لا غنى عنها، ودليل على حيوية الفكر الإسلامي في ميدان الاقتصاد.

الكاتب: حجة الإسلام محمد رحيمي، باحث ومحقّق


  1. المال الذهبي: تعبير غير اصطلاحي في الأدبيات الاقتصادية العالمية، يُستعمل في بعض الكتابات العربية المعاصرة للدلالة على النقود القائمة على الذهب أو المربوطة به، ويقابل في الأدبيات الغربية مصطلحات مثل Gold Standard أو Gold-backed money. ↩︎

*ترجمة وتذييل مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل